“نمط حياة” قصة للكاتبة الأميركية كريستين سنيد، ترجمة عن الانكليزية مصطفى عبد الرحمن

Christine Sneed

يناديها السّيد فولكر، عندما يريد أن يراها، وهي تطيعه ملزمة، كان الأمر شيئاً طبيعياً، وواقعيا، كزيارة المكتبة العامة، ولسبب واضح لا لبس فيه، ونادرا ما كان للأسف دور مهم، وفي الحقيقة كان الأمر مخطّطاً كما تتوقّع. عندما لا يتواجد معها السّيد فولكر لا يتقاطع الأمر مع رغباتها. ولّت فترة الافتتان، ولم تعد تأمل أنّها تلتقيه مصادفة، بالرّغم من أنّها بحثت لتحصل على معلومات عنه لبضعة أسابيع، مثلاً أين عاش! أين عمل! لكنّه ظلّ بعيد المنال ، وبدت محاولاتها في البحث عنه عقيمة، وسرعان ما بدأت تشعر أنّ جهدها في البحث عنه في المدينة الكبيرة مثير للسّخرية، كما لو أنّها تبحث عن شيء أصغر من إبرة في كومة قشّ هائلة. على أيّ حال كانت لا تعرف ماذا تتوقّع! لم يدر في بالها اقتراح الزّواج، ولا وضع شروط معينة تورّطهما في علاقة دائمة، في أيّ حال، بل بدا لها في المقام الأوّل أنّها كانت تريد أن يعترف لها برغبته الثّابتة بها، فنادرا ما تجلّت تلك الرّغبة. رأته في بعض الأحيان مرّتين في الأسبوع ، وفي أخرى مرّتين في الشّهر. حتى عندما كانت تخرج مع رجل آخر أقرب إلى سنها، من الذين يسعون لمرافقتها بشكل جديّ، وعلني، كانت تجيب على مكالمات السّيد فولكر بنعم، حينما يقترح مكان اللقاء، مطعماً أو فندقاً قريباً من وسط المدينة، ونادرا ما يكون المكان نفسه.
ربما كان اسم فولكر غير حقيقيّ، نظرا لأنّها وجدت اثنين فقط في دفتر الهاتف بهذا الاسم، وحينما كلّمتهما تبيّن أنّه لا علاقة له بهما، كان أحدهما قد توفي قبل مدة قصيرة. أجاب شقيق المتوفى على المكالمة، بلهجة باردة: لن تكون هناك مراسم للجنازة ولكن يمكن إرسال التّبرعات إلى “جمعية قدامى المحاربين في فيتنام” الخيرية. أما الثّاني فتلّكم بصوت عالي النّبرة أشبه بصوت أنثى، واصفاً نفسه بأنّه رجل طويل بشعر يختلط فيه السّواد بالبياض، ونفى أن يكون هو الشّخص الذي تبحث عنه، ثم أضاف بصوت يخلو من السّرور: “ الرّقم خطأ، آنسة.”
بعد حين أصبح واضحا أن السّيد فولكر يسافر كثيرا إلى الخارج، وأحيانا يقدّم لها هدايا لم تكن باهظة الثّمن، على الرّغم من عنايته الواضحة في اختيار الهدايا. في إحدى الأمسيات منحها قلادة ثقيلة من نوع عين النّمر؛ أمسية أخرى كتاباً من متحف اللوفر. كان يعلم أنّها تستطيع الرّسم، لأنّها مرّة أرته فيلاً حزين المظهر من تخطيطها بقلم الفحم. قصدت أن يجلب الرّسم السّاخر الضّحك، لكنه أعجب بالرّسم وطلب أن يرى المزيد من الرّسوم، وأعلن رغبته أن يريها لآخرين. كان الشّخص الأول الذي راعى شعورها بإعجابه في موهبتها بعد شقيقتها وعدد قليل من الأصدقاء المقربين لها. ولما لحظ دهشتها بإعجابه اقترح أن يشتري بعض أعمالها، وانتقدها بقليل من القسوة لأنّها تأخذ الأمور بجدّ أكثر من المعتاد. لم تخبره أن عائلتها مثقلة بأرث من الارتياب بالفنانين، مع انفصام الشّخصية من جانب والاكتئاب من جانب آخر. كان والدها محاسباً وأمّها وكيلة عقارات اختارت دراسة التّصميم الجرافيكي في الجامعة، لكنّها منعت من ذلك. قلق أفراد العائلة الضّمني الشّديد اقترن بالفشل، وعملت في نهاية المطاف في مؤسسة جدّها الأكبر وشقيقه، حيث عماتها الإثنتان الّلتان كانتا تنظمان الشّعر لسنوات ، قبل أن تتأثرا بالحزن من سيلفيا بلاث وآن سكستون.
على مر السّنين ولطول ما سمعت هذه القصص المحزنة عن مختلف أفراد الأسرة، ظلّت ليندسي ساخطة، كانت تتساءل في أعماق نفسها، فيما إذا كانت عائلتها أكثر هشاشة من العوائل الأخرى، وهل الفنانون أكثر عرضة للعواطف المدمّرة، وبالتّالي أكثر قدرة على إلحاق الأذى بالآخرين.
التقت السّيد فولكر في قاعة حفلات موسيقية، كانت تعمل نادلة حانة خلال الاستراحة، حدث ذلك قبل أن تجد وظيفة أفضل مع شركة تصمم برامج مسرحيّة. آنذاك منحها حلواناً أكبر بكثير من ثمن شرابه، وعندما غادر ترك رقم هاتف يحيل المكالمات إلى تسجيل صوتيّ يرد على المكالمات. اتصلت به بعد أسبوعين من لقائه، وتركت في آلة التّسجيل اسمها ورقم واسم قاعة الحفلات الموسيقية ليتذكرها. فاتصل بها بعد أقل من ثلاث ساعات، ودعاها لمقابلته لتناول العشاء في مساء ذلك اليوم في مطعم إيطالي في الطّابق العلوي من مبنى شاهق شهير.
« قصة قديمة”، علّق السّيد فولكر على المسرحية، وهو يحتسي نبيذه. “عديم الحيلة والكسول يقف إعجابا بالشّباب والجمال.”
أجابت وهي تخفي بالكاد ضحكة عصبية: “أنت عديم الحيلة”
ابتسم . اضاف: “ربما أنا كسول “.
«أنا لا أعرف ذلك.”
«هذا من حسن حظي الجيد.”
«لا أعرف شيئا عنك كلياًّ.” شعرت بقشعريرة تعتري عمودها الفقري. عيناه القاتمتان وترتاها، كان مهيباً. لم يردّ. هزّ رأسه. أبعدت نظراتها عنه لعدة ثوان. عندما التقت نظراتهما مرّة أخرى كانت ملامحه معتدلة، كما لو كان يستمع بصبر إلى نكتة مملّة.
في خلال العشاء الذي طال ساعة ونصف، لم يتباريان في الحديث والصّمت، تحدثتْ هي حول نفسها. كان أكبر منها، وقدرت أنّه ربما في نهاية خمسيناته، لا في أواخر الأربعينات. لم ترد أن تفكّر قط بأنّه كان وصل بالفعل السّتين من العمر. بينما كانت هي في السّادسة والعشرين، كان جدّها لأمّها في الرّابعة والسّتين. لم يكن السّيد فولكر يبدو كجدّها بأيّ شيء، كما أنّها لم تكن تتصوّره نظير جدّها قطّ.
شعرت في طريقة ما، على الأغلب أنّها حصلت على ما تستحقّ لأنّها تسمح لنفسها بدعوة رجال غرباء، لأنّ ظروف لقائهما يفترض أن تكون غريبة أيضاً، وكان هذا الاتّجاه في اللقاءات خطر حقيقيّ وشيء جديد عليها أن ترصده عن كثب.
في الّليلة الأولى لم يقترح أن يذهبا إلى أحد الفنادق. بدلا من ذلك قصد حانة أشبه بالكهف، حيث الثّلاثيّ الدّخان، والموسيقى النّحاسية المرتجلة المتنافرة، غير متماسكة، وأغانٍ كان تعجب بها أحد أخلّائها السّابقين، في تلك الحانة عازف بيانو فاشل يبدو وكأنّه موظف استقبال في محطة إذاعية شعبيّة .
سألها السّيد فولكر “لماذا تعيشين في هذه المدينة؟”
ابتسمت ، لم تدرِ لماذا أحست بالحرج. “ذهبتُ هنا إلى الكلّية. ليست مكانا سيّئا للحياة”.
«هل ستبقين إلى الأبد؟”
«إلى الأبد؟ أشكّ في ذلك.”
«لماذا تبقين إن كنت تعرفين أنك ستتركين المدينة في نهاية المطاف؟”
«لا أعرف مكان آخر للذّهاب الآن.”
«لكن في مرحلة ما عليك ستلتقين شخصا ما سوف يرغب برحيلك من هنا.”
أحمرّ وجهها: “ لا أعرف. ربما “.
«بالطّبع ، ليندسي. بطبيعة الحال.” ابتسم، حرك النّبيذ الأحمر في كأسه: “نحن غالباً ما نعتمد على الآخرين في اتخاذ القرارات المهمّة كثيراً، ليس هناك سبب للخجل من هذا”.
«لكنّني أظنّ أنّني لم أفعل ذلك. “أدركت أنّها ربما كذبت، لكنّها في تلك الّلحظة لم تكن تريده أن يعرف ذلك.
عندما غادر الحانة أوقف سيارتيْ أجرة، وضغط على نقود إجرة السّيارة في يدها ومسح خدها بشفتيه. حاولت أن ترفض المال، لكنّه انصرف فجأة بعيدا، اختفى في السّيارة التي أجرّها. أعطاها كثيرا، خمسين دولار مقابل اثني عشر دولار.
أصبح من عادته أن يعطيها الفلوس، بعد شهر ونصف من رؤيته، أرادت التّوقف عن محاولة العودة إليه. بلا شكّ جعلت نقوده حياتها أكثر راحة. إضافة إلى ظهوره العفويّ الواعد الذي يزيد اللقاء خصوبة. تصل مكالمته الهاتفيّة أشبه بنذير لما سيكون يوماً واحداً من حياتها، ولكن ليس بالضّرورة معه، هل سيأتي يوم تعيش فيه مرفّهة: لا مزيد من الشّقق الصّغيرة، ولا الدّيون التي تدفعها إلى هذه الجهة أو تلك والتي جعلتها أشبه بلاعبة جمباز تقفز على أطراف الحجلة، ولا مزيد من الحسد تشعر به نحو أولئك الذين يرتدون ملابس راقية. في نهاية المطاف، فإن حماية رجل قويّ لا يقهر من حيث توفير المال، والاحترام، والحبّ أيضا. كان من السّهل جدا بالنّسبة لها أن تفعل ما هو أسوأ من ذلك بكثير.
كان الاسم الأول للسيد فولكر ريجنالدّ، على الرّغم من أن ليندسي نادرا ما تستخدم هذا الاسم. وكان له ندبة تحت عينه اليمنى من أثر إصابته بجدري الدّجاج في طفولته، وجدتها ليندسي رائعة. كان هناك ندبة أخرى على صدره، في الانخفاض ما بين الضّلعين. بدا الأمر كما لو كان من أثر اطلاق النّار حيث تجعّد الجلد على شكل نجمة. تساءلت مع نفسها: رصاصة قريبة جداً من قلبه لم تقتله؟ لا، لا، ربما كان قد أحرق نفسه منذ سنوات عديدة، ربما أغفى والسّيجارة في يده. لابد أنّه أحسّ بالنّار على صدره العارية فجأة، فصحى مسعوراً. “لم أكن منتبها، كما في تلك المرّة طيلة حياتي، لم أكن مثاليّاً طيلة حياتي. الاشخاص العاديّون يمكنهم تجنب مثل هذه الحالات. ثم من الطّبيعي أن يأتي جميع أنواع الخداع والغش والمجاملات المتتابعة.
قالت له مرّة: “لماذا تعطيني نقوداً، لا يجب عليك ذلك.”
لم يحبّ ذلك السّؤال: “أرغب في القيام بذلك”، كان رده مقتضباً.
بدت علاقتهما وكأنّها ستستمر إلى أجل غير مسمى، حتى يتوفى أحدهما، أو تخفت حماسة أحدهما، لم يفشل في اصطحابها إلى الفراش في الليلة الأولى، كان قد دعاها إلى الفندق، سألها أولا إنْ كانت تريد الغرفة مطلّة على حديقة، ذات أنوار مطمئنة بعيدة، وبدت مستسلمة كما لو أنّها عاجزة عن صنع خيارات رهيبة وتحمّل معاناة عواقبها. عندئذ أغلقت عينيها وشعرت بدفء جسدهيما يمتزجان، حيث فاحت رائحة القرفة، ممتزجة بدخان، وعطر غريب لم تكتشفه من قبل.
من البداية كانت هناك فرصة لالتقاط الأنفاس، حيث الإحساس بالعار من جهة، والشّعور بمتعة مذهلة من جهة أخرى، كان بعيدا عن الشّباب، مع جسد وسيم لكنه متراخٍ. صدره وبطنه مثيران منذ أن بدا لها بعد اتصالهما أنّه قويّ وثابت، كان تريد أن تسأل كم امرأة لامست هذا الجسد؟ فتنتها بسعادة غامرة فكرة أنّه ربما ضاجع مئة امرأة أو أكثر. في ستين عاما، مئة أمرأة ليست كثيرة جدا، إذا كان بدأ نشاطه الجنسي مبكراً، هذا يعني ربما اثنتان أو ثلاثة في السّنة، وهذا غير طبيعي خاصة فيما يتعلق بالعلاقة الجنسية الحميمة. فالتّنوع فضيلة في سيرورة الإنسان وخبراته، ولعل أخذ عينات من التّاريخ المجهول للجنس البشريّ يكشف حالات جديرة بالثّناء.
قرّرت لأسابيع طويلة أنّها لن ترى السّيد فولكر، وعندما اتصل مالت إلى أنّها سترفض دعوته، لتدّعي أنّ لديها خططاً أخرى، وكانت في بعض الأحيان كذلك. في ليلة ما فعلت هذا، الأمر الذي جعله ينقطع عن المكالمة مدة ثلاثة وعشرين يوما. حدث ذلك بعد بدء علاقتهما ببضعة أشهر. كانت تواعد فيها شخصاً آخر تحبّه أكثر من المعتاد، ولكنّهما لم يتوصلا بعد إلى تفاهم ملائم مشترك كما حدث مع السّيد فولكر. دعاها الحبيب الجديد عندما أرادها، ولم يشعر أنّه مدين لها بالفضل بأيّ شكل كان.
دار في خلدها أنّها بعد تشغيل المبلغ الذي أعطاها إياه في بعض الأحيان دون سابق إنذار، خلال أحد عشر شهرا: ثلاثة آلاف ومئتين وثمانية وستين دولاراً، ماعدا العشاء، والهدايا وغرف الفنادق. بنقوده استطاعت أن تردّ دين إحدى بطاقات الائتمان، والطّيران إلى أمّها وأختها في عطلة نهاية الأسبوع، ودعوتهما إلى مسرحيتين. ولما سألاها كيف استطاعت تحمل المصروفات قالت أنّها يانصيب بطاقات خدش الرّقم الرّابح، وأضافت ذلك حظ المبتدئين نظرا لأنّها لم يسبق لها أن صرفت نقودها على أشياء سخيفة حمقاء مثل هذا القبيل.
عندما كلمها السّيد فولكر خلال زيارتهما، تذرّعت لأمّها وأختها بأنّها ستتركهما لزيارة “صديق مريض. لمدة ثلاث ساعات، وربما أربعة في الأكثر: أنا آسفة لذلك.”
في وقت متأخر من ذلك المساء، في طريقها للخروج من غرفة الفندق، أعطاها السّيد فولكر ظرفاً سميكاً بشكل مفرط. شاهدت في سيارة الأجرة التي أقلتها أنّه ملأ الظّرف بأوراق نقدية من فئة دولار وخمس دولارات. شعرت ببرودة شديدة في عمودها الفقريّ، وحرج حادّ، كما لو أنّها تتعامل مع هاتف عموميّ يعمل بنقود من فئات قليلة القيمة. أمام مارّة يضحكون عليها أمامها لجشعها التّافه.
عندما عادت إلى شقتها مع بقعة صغيرة حمراء طوليّة لاحظته أختها في وجهها، علّقت حادسة ما حدث: “صديق مريض! أتمنى لو كان لدي صديق مريض.”
قال السّيد فولكر، بعد مرور عام من اللقاءات الغراميّة: “أود أن تخرجي من هذه المدينة”، “سوف ارتّب الأمور. يمكن أن تكوني أقرب إلى عائلتك إذا كنت ترغبين”.
حدّقت في وجهه. “لا أريد الانتقال.”
«أعرف شخصا يمكن أن تعطيك وظيفة أفضل بكثير إذا سمحت لي بوضع الخطط لتغيير سكنك. لا أظنّ انّك ستخسرين شيئاً.
ثم حدّق بها ثانية: “ما لم يكن هناك شخص عزيز لديك”
«معظم أصدقائي هنا.”
«ستحصلين على أصدقاء جدد.” توقف هنيهة: “ أنتِ نفسك قلتِ “عليّ أن ابتعد في نهاية المطاف” ليس لديك سبب للبقاء، يمكن أن تنتقلي في الشّهر المقبل”.
هزّت رأسها: “لا، شكراً. هل تحاول التّخلّص مني؟”
«بالطّبع لا. أريد أن أراك كما في السّابق”.
«لا أريد أن انتقل في الوقت الحاليّ.”
تنهّد: “ فكّري لبعض الوقت. سوف يتضاعف راتبك”.
حدّقت في وجهه ذاهلة: “ماذا تود أن أفعل؟”
«ما تفعلينه هنا نفسه.”
«لا أعرف إذا كان ينبغي لي أن أصدقك.”
«يمكنك تصديقي. سأرتب إجراءات الحصول على عقد من صاحب العمل الجديد”.
قالت بتضرّع: “يا إلهي!”، أحست بالمغص.
ابتسم: “ليس اقتراحا سيئا، لن يصف سوى القليل من معارفك خطوتك بالحمقاء”
« لم أحسم أمري بعد.”
« إذاً، سوف أراجع الموضوع معك في الصّباح.”
لا أحد يعرف أنّها عاشت حياة جديدة كهذه، انقسمت مشاعرها قسمين، نصف مليئ بالافتتان به، ونصف بالفزع منه، ذلك أنّها بالرّغم من علاقتها القوية به لم تكن تعرف شيئا عنه، غير حميمة اللقاء الجسدي، وأسلوبه في ممارسة الحب، وبعض التّفاصيل السّطحية الأخرى. تعرف صوته جيدا من أول مقطع تسمعه في الهاتف، وتعرف بعض الأطعمة المفضلة لديه: “سمك السّلمون فوق خاصرة لحم البقر، وجبن الكويل على الدّجاج”. لم تره يقود سيارة، ولم تدرِ فيما لو كان في وسعه ذلك، وكان يعتريها العجب لكونه لا يحمل مفاتيح. كلّ ما كان يخرجه من جيوبه قبل أن يخلع سرواله محفظة مع بطاقاتي ائتمان، بضع وصولات قوائم شراء متغضّنة؛ عدد قليل من القطع النّقدية؛ منديل من الكتان، عادة ما يكون بلون أزرق فاتح. لم يظهر عنوانه على أيّ شيء كان يحمله. أقدمت عدة مرات على التّدقيق في تلك الأشياء، حينما كان يستخدم الحمام، وكانت تلك مخاطرة آثمة. المرة الوحيدة التي رأته غاضبا فيها كانت عندما حاول لصّ شاب سرقة محفظة صغيرة مطرّزة من الجزء الخلفي من كرسيها، في مكان هادئ ليلاً، في مطعم راقٍ. نهض السّيد فولكر من المنضدة، أومأ إلى النّادل. أوقف اللصّ في الباب مع محفظة ليندسي مخبأة تحت معطفه.
استشاط السّيد فولكر غضباً، وهو ينظر إلى اللصّ المتخاذل: أنت تعرف ماذا يقال في هذه الحالة “اقطع يدك إن أساءت” قال ذلك بينما كانوا ينتظرون الشّرطة مع حرّاس المطعم، لاحظت أنّ اللصّ وسيم أكثر من المعتاد. رغبت بالمغادرة، وهي ترى اللصّ خائفاً ومهاناً، مثلها بالضّبط، لكن السّيد فولكر أبقاها معه حتى وصلت الشّرطة. أصرّ: “إنّهم سوف يحتاجون شهادتك،” نقل نظره بينها وبين اللصّ: “متأكّد من أنّ هذه ليست أوّل جريمة له. يعرف ما كان يقوم به. كما أعرف ما أقوم به أنا”.
لم تحترم، أو تفكّر أو تنطق بعض الكلمات: محظيّة، عاهرة، وقحة. في وقت مبكّر من علاقتهما فكّرت فيما يمنحها، كهديّة. لو كان والدها يرسل لها مرّة واحدة في الشّهر لأنّه قلق بشأن رفاهيتها، ستحتفظ بالمال، لن يعيب ذلك سوى عدد قليل. لكنّ السّيد فولكر وحده كان قلقاً على رفاهيتها، وكان من المفترض أن يجعلها ماله سعيدة، وربما لم يكن في ذلك ضير. أصرّ، وكان قويّا، مقنعاً في العديد من الملاحظات التي أدلى بها أثناء علاقتهما. كانت ستواصل لقاءه إذا توقّف عن إعطاءها أيّ شيء. في الأقلّ، اعتبرت هذا صحيحاً لأنّها لا يمكن أن تتصوّر انقطاعه عن رؤيتها. الاتصالات الجنسيّة مرضية، وغالباً ما تكون مثيرة. والمال ببساطة شيء اضافيّ. ربما يقول الكثير، المواعظ مظاهر للخداع، لكنّهم يرددون: أنّها محظوظة جدا.
العمل الجديد على السّاحل، بعيد عن بيتها التي تعيش فيه حاليّاً، بدلا من برمجة المسرح كان عليها أن تصمّم الاعلانات المطبوعة للأفلام الرّوائيّة. والداها على مسافة ثلاث ساعات فقط إذا وافقت على قبول عرض السّيد فولكر. لكنّها لم تنم ليلة العرض.
محتويات شقتها الصّغيرة “الاستوديو” فاخرة: أريكة جديدة، شاشة صينية أنيقة، مشجب القبعات المصنوع من خشب الجوز مزخرف بشكل رائع. تجلس أمام النّافذة، تنظر باستياء إلى السّيارات تتدفّق من وإلى وسط المدينة. نشأت وهي تطمئن إلى الأمكنة الصّغيرة، وتحبّها، لم تشعر بوجوب التّمكّن من الانتقال بسرعة، على الرّغم من الوعد بالرّاتب المضاعف. تعرف أن السّيد فولكر لم يكذب عليها؛ عرضه “بلا شكّ” مستمرّ، لكنّها لم تكن تعرف أنّها ستقبله حتى اتصاله بها في الصّباح، في الثّامنة تماماً، بدا الأمر خطأ لها، لكنّها لم تعرف لماذا؟ ثم واتتها فكرة مرعبة، ربما كانت المرحلة الأولى من الجنون. بالرّغم من أنّها تحاول أن تكون منطقيّة دائماً، إلا أنّها تعرف أنّ المنطق والجنون يتساويان.
إذا سنحت لك فرصة مذهلة فسيكون من الغباء عدم اقتناصها.
«يجب أن توافقي اليوم. يتوقع المكتب الجديد منك أن تنتقلي، وأن تكوني مستعدة لبدء العمل فيه خلال أربعة أسابيع”.
اشتدّ ذعرها، مع ازدياد دقّات القلب: “قلت في شهر؟.”
«زيدي أو أنقصي بضعة أيام. أربعة أسابيع لا أقل من شهر”.
أحسّت أنّها غلبت:« أفترضُ أنّك على حق”، أضافت: “لكن ذلك قريب.”
«ربما ، لكن يمكن السّيطرة على الأمر. ستكونين على ما يرام”.
بعد انتهاء المكالمة جلست على سريرها، بكت. كان كلّ شيء سخيفاً جداً. تسلّمت وظيفة جديدة تُحسد عليها ومع ذلك شعرت بالحزن بالرّغم من هذا الحظّ الجيد.
كانت تظن نفسها واقعيّة، تقوّم الأمور بشكل منطقيّ بارد، وتطبّق عمليّاً ما يستحق الاهتمام في نظرها. وكان الرّجل الذي تراه باستمرار لا يزال لم يوضّح موقفه منها، ولكنها عندما قالت له مساء اليوم التّالي أنّها سوف تتنقل في جميع أنحاء البلاد، قال إنّه لا يريدها أن تذهب.
سألها:« هل هناك أيّ طريقة يمكن أن تبقي هنا فترة أطول قليلا؟ ربما بضعة أشهر”.
هزّت رأسها، رغبت بشرح كلّ شيء، لكنّها لم تستطع، وثق فيها، على الرّغم من أنّهما لم يوضحا خطط مستقبلهما لبعضهما”.
«أنتِ لم تخبريني قطّ، أنك كنت تبحثين عن عمل آخر.”
قالت: “لم أخبرك، جاءت الفكرة هكذا.”
غمغم: “هل أنتِ متأكدة أنك تريدين ذلك؟”
قالت وهي تبتسم: “نعم، أعتقد ذلك.”
فرحت عائلتها، وباركت انتقالها، لتصبح أقرب إلى المكان الذي نمت فيه، بعد سنين من المكوث في مدينة معروفة بأنّها خطرة، وعرضة لطقس بغيض لمدة نصف سنة إن لم يكن أكثر. الوظيفة الجديدة بدت مثيرة للاهتمام، وبالتّأكيد هناك فرصة أنّها قد تلتقي بعض نجوم السّينما؟ ولكن العائلة لم تكن تريد لها أن تكون في موقع يعرضها للغواية من قبل المّمثلين، وإغراءاتهم، وأنماط حياتهم الطّائشة، عليها أن تقضي وقتا طيّبا ولكن عليها أيضاً أن تتحلى بالحذر والدّهاء.
لم تكن ليندسي تعرف مَن مِن الرّجال في المؤسسة التي اشتغلت فيها، يعرف السّيد فولكر. لذا خاطرت ببعض الاستفسارات الخرقاء، لكنّها لم تلقَ سوى نظرات فارغة. لم يكن أحد قد سمع عن أيّ شخص يدعى السّيد فولكر. لم تكن متأكدّة، ربما Fellsted أو Fulstein؟ سألت عن الاسمين، بربطهما باسمه الأول فقط. ثم بـ: ريجنالدّ أو رونالدّ، أو جيرالدّ. عبثاً.
حافظ السّيد فولكر على وعده، بدأ يدعوها بعد استقرارها بفترة ليست طويلة. أخذها إلى المطاعم والفنادق الأنيقة الجديدة التي تم بناؤها في سفوح الجبال الوارفة الخضراء.
قالت له بعد لقائهما الثّالثّ في المدينة الجديدة: يمكننا الذّهاب الى شقتي بدلا من الفنادق، أنّها اكثر اتساعا من شقتي القديمة.”
« أنا متأكدّ من ذلك.” قال ذلك واضاف: “لكنّها ملجأك الخاص بك، لا لي.”
« أنا لا أمانع في المشاركة.”
ثم هزّ رأسه: “ أنا أفضل الفنادق.”
«لماذا ؟ “
حدّقت في وجهه، وجه متعب أكثر من المعتاد: “الاحتمالات”.
لم ترض عن إجابته، بوظيفتها الجديدة، ومع الشّعور بالوحدة: “ أين زوجتك؟”
تركت المفاجأة انطباعها في ملامحه لفترة وجيزة: “قلت لك إنني مطلق.”
نظرت إليه في شكّ.
« لا أهمية لذلك، ليندسي”.
«لذلك أنا مجرد واحدة؟”
استغرق وقتا طويلا للرّد.” بطريقة ما، نعم.”
«لماذا جعلتني أنتقل؟”
«لم أجبرك على شيء. أنت اخترت النّقل.”
«أنت بالأساس اضطرتني أن أنتقل.”
هز رأسه بانطباع متسامح: “الميدان مفتوح، وأعرف أنّها ستكون مباراة جيدة بالنّسبة لك. لا يمكنك أن تعارضي”.
« لا أحب هذا المكان.”
«ليس بعد”.
«أريد أن أعود.”
تنهّد. “ أنت هنا لمدة أربعة أسابيع فقط. أشبه بغمضة عين قياساً إلى حياتك كلها”.
***

عشيقها الآخر طار بسرعة لرؤيتها، سعادته معها في الوضع الجديد جعلها تفكّر في استيائها.” قال: حقّقت ما صبوت إليه. سأنتقل إلى هنا، إذا حصلت على عمل واستقررت هنا”.
«ربما تستطيع. أستطيع أنا أن أسأل هنا وهناك”.
قال: سنرى. سأدرس الأمور في الأوّل.
«ربما يمكن أن استفسر في جميع الأنحاء هنا”.
«سنرى سأقوم بقليل من البحث قبل كلّ شيء.”
غادر، لم تسمع منه شيئا عدّة أيام، اعترف عندما تكلّما أنّه لم يبدأ البحث عن شيء قريب إليها.
بدا فولكر صامتاً بغرابة. مرّ شهر، ثم آخر. ربما كان قد رآها مع عشيقها أثناء زيارته وشعر بالغيرة، أغضبَ لأنّه وجدها تمتع نفسها مع رجل أصغر سنا منه بكثير؟ مرّات لا تحصى كانت تتساءل حينما تمرّ من أمام متجر أو مبنى سكني فيما لو كان السّيد فولكر واقفاً يراقبها. من الممكن دائما أنّه يتجسّس عليها، أو يستأجر شخصاً آخر للقيام بذلك نيابة عنه، ولكن بالطّبع لم تلقّ أو لاحظت أيّاً يتبعها أو يراقبها.
بدأت بالاستيقاظ في منتصف الليل، شاعرة تماما بعبثية العلاقة بينهما. لا يمكن أن تستمرّ. وأخيراً عندما اتصل بها بعد عشرة أسابيع من الصّمت ، قالت له أنّها تريد أن يتوقّف كلّ شيء بينهما.
«لا”، قال ذلك ببساطة.
تساءلت: “لماذا لا؟ “
« لأن هذا يتطلّب منك لا شيء، لم أكن بخيلاً. وقد وافقت”.
«لكنّي لا أريد ذلك بعد الآن. أصبحت منزعجة جدا”.
«أصبحت حمقاء” ذكر اسم أحد الفنادق، أعطاها العنوان. “تعالي هذه الليلة، أعلم أن مشاعرك ستكون أفضل.”
في غرفتهما، وجدت “درزنين” من زهور الجوري الورديّ في انتظارها. قضى فوق جسدها وقتاً أكثر من المعتاد. بدأت في البكاء، دفن وجهها في كتفه.
«هل تريدين المزيد من المال؟ “سأل، انسحب عنها بعيداً. “هل هذا يجعل الأمور أسهل؟”
هزّت رأسها، غطّت نفسها بالملاءات: “لدي ما يكفي.”
غمغم: “ أشكّ في ذلك.”
«علينا أن نوقف ذلك قبل أن أجن.”
جلس، تصلب وجهه باستياء. انتصب قسم من شعره الرّمادي، في جانب من رأسه، ليظهر أشبه بممثل ساخر بالرّغم من تجهمّه. مسحت بسرعة وجهها الرّطب المبلّل بالدّموع، على أمل أن لا تفسد زينتها.
قال: “ نوعية الحياة تحسنت كثيراً بالنّسبة لك منذ التقينا”.
« لا أعرف إذا ما كنت أوافق على ذلك.”
قال بأحترام: “لا تكوني ميلودراميّة.”
«لماذا لا أستطيع أبدا مكالمتك؟ لماذا تنتظر شهرين لتكلمني؟”
«كنت بعيدا في رحلة عمل طويلة.”
« ماذا تفعل؟”
تردّد: “ لا أهتم لماذا يشعر النّاس بالحاجة إلى معرفة كلّ شيء عن بعضهم البعض. ماذا سيتغيّر لو قلت لك كيف أقضي وقتي عندما لا أكون معك؟”
« لن أشعر بأنّي أنام مع شخص غريب.”
هزّ رأسه. “من الواضح أن لديك صعوبة في الاستمتاع معي.”
«عازمة على القول لا، في المرة القادمة إن استدعيتني”.
ظّل جامداً: “سنرى.”
«ماذا تفعل للعيش؟ “
تنهّد: “ أبيع الملابس. أملك العديد من المصانع. بعضها في آسيا، بعضها في أوروبا الشّرقية. هذا كلّ شيء.”
«ألا يمكن ان أسافر معك في وقت ما؟ “
أعطاها نظرة صريحة: “لا أعتقد ذلك، ليندسي. لن يكون ذلك جيداً، لن تتمتّعي، دائما عند اجتماع”.
بعد مرور بعض الوقت، عادت الأمور مرّة أخرى روتينية، انحسر التّحسر على حياتها السّابقة والأسف لخسارتها. حضرت عشاء في مناسبة مع عدد قليل من النّاس أصبحوا أصدقاءها، رأت أصدقاء آخرين من المدرسة الثّانويّة ممن عاشوا في المدينة أو زاروها في بعض الأحيان. بدأ حبيبها على السّاحل الآخر رؤية فتاة أخرى. التقت الرّجل الذي عمل في فيلم الاستوديو والذي صمّمت ملصقاته.
كان السّيد فولكر يتّصل بين كلّ اسبوعين أو ثلاثة، ممارستهما للجنس متوقّعة، ممارسة الجنس تساعد على التّنبؤ به، مرضية له في الأقل. بعد عشرة أشهر، طلب منها رجل فيلم الاستوديو أن تتزوّجه. وافقت. أخبرت السّيد فولكر أنّها سوف تضطر إلى التّوقف عن رؤيته بسبب خطبتها.
مرة أخرى قال: لا.
شعرت بيأس أكبر من أيّ وقت مضى خلال علاقتهما.
قال: “يجب أن يتوقف كلّ شيء.” قالت: “سأرجع لك كلّ شيء أعطيتني إياه.”
«لا أهتم في استرداد أيّ شيء.”
«أريد أن أتزوج هذا الرّجل.”
«لن امنعك من الزّواج، لكن سنظلّ، أنت وأنا، نرى بعضنا، بعد زواجك. هذا كلّ ما يلزم”.
«رجاء، إعثر على شخص آخر.”
هزّ رأسه: “أنت تناسبيني تماما. لن يكون الأمر ممتعاً مع شخص آخر”.
تركته تلك الليلة، فكّرت أنّها يجب أن تنتقل، طلبت هاتفاً سريّاّ، لا يدرج رقمه في دليل الهواتف. غيّرت لون شعرها، حاولت الابتعاد عنه، سألت خطيبها إن كان بإمكانهما أن ينتقلا بعيدا، والبحث عن وظائف جديدة. قالت له أنّها تعبت من حركة المرور الصّاخبة، ودرجة التّلوث، غير الصّحية، وأنّه من الأفضل أن يتركا منطقة السّاحل، وإن يحاولا أن يعملا من المنزل إذا كان ذلك ممكناً.
ولكنها عندما بدأت تشرح لخطيبها السّبب في قيامها بهذه التّغييرات، بدأ خطيبها يظنّ أنّ القصة فيها ثغرات، وأن هناك شيئاً مخفيّاً بعيداً عن الحقيقة. وعندما علم أنّها واصلت علاقتها مع السّيد فولكر أثناء خطوبتهما، أنهى الخطبة، موضّحا أنّه قد يكون من طراز قديم يختلف فيه عن الطّراز الحاليّ الذي يتساهل مع تصاعد موجة الإباحيّة السّائدة، وأنّ مثل هذا التّصرف يزعجه، لأنّه شخصيّاً يصون احتشامه الفطريّ عندما يصبح الأمر قريباً من الكفر. تعجب من قدرتها على التّعامل معه بمثل ذلك الهدوء المخادع أثناء فترة الخطوبة. متسائلاً هل أحبّته لحظة ما؟
قال السّيد فولكر: “أنّه ببساطة رجل واحد من بين العديد من الآلاف الذين ستلتقيهم، عندما علم بكسر الخطوبة. “لن أعيش إلى الأبد. أو ربما لا أمانع إن أحببت رجلاً آخر”.
وضعت خططاً لمغادرة المدينة، إلى التّحرك شمالا إلى ولاية أخرى. لا يبدو أيّ شيء آخر ممكن، واعترفت بهذا بشكل خفيّ، وهستيريّ. عندما عبأت محتويات شقتها في صناديق، وعلب، وباتت مستعدة للذّهاب على شاحنة نقل، استولى عليها يأس عميق. وطلبت من الرّجال الانصراف. ثم قذفت صندوقاً من نافذة شقتها من الطّابق الثّاني، أخطأ بمسافة ضئيلة إصابة أمرأة تمشى وبيدها كيس من المشتريات.
صرخت الإمرأة: “ أود أن استدعي الشّرطة”،
رفعت رأسها وحدقت بليندسي من الرّصيف في خوف ودهشة، ونصف ما تسوّقته تبعثر على الأرض بجانب صندوق محطم من أواني الطّبخ.
بكت ليندسي: “ كان حادثا،” أرتجفتْ من الرّعب. “آسف لذلك.”
صرخت المراة غاضبة: “كان بالإمكان أن تقتليني، ما مشكلتك السّخيفة؟”
لم لا يفهم لماذا بقيت غير سعيدة. لم تكن فقيرة. أو مهددّة بمرض خبيث يقتلها قبل الأوان، أو مسجونة بتهمة خطأً، أو معوّقة بشكل خطير ومحزن، أو هي زوجة لزوج يسيء معاملتها في مكان يسيطر فيه متدينون ينظرون إلى الطّلاق كأمر مستحيل. لماذا تضيّع الوقت بشعور مثقل بالأسف على نفسها؟ لديها الكثير من الحريّة ولا يوجد من يعرضها للتّساؤل والمتطلبات! أنّها بضع ساعات فقط! لم يكن الأمر يبدو كما لو كان يفسدها بالدّلال.
كانت لديه حججه، يقشعر بدنها من منطقه، لا شيء يمكن تعويضها. لن يتمّ إطلاق سراحها، حتى لو أنّها هددت بإيذاء أحدهما أو كليهما، حتى لو كان ما يفعله معها اغتصاباً. ماذا كان أفظع ما في حالتها؟ أنّه يريد أن يعرف. بقيت شابة وجميلة؛ لديها وظيفة جيدة، منزل جميل، أصدقاء، عائلة محبة. من الواضح أنّ هناك أسباب أسوأ بكثير للنّواح والنّحيب ورثاء نفسها، لو أنّها ستنفق لحظة أو اثنتين في النّظر إلى الأهوال خارج إطار إقامتها، ومحيطها. ربما ستكون سعيدة بالطّبع مرّة أخرى. أنّه خيارها وحدها.