“قارئ العتمة” قصة قصيرة للكاتب المغربي سعيد بودبوز

على هامش مكتبه، انكمش مدير السجن كالعنكبوت يمتصّ لحظات الراحة من أوقات عمله.. حتى صار هذا العمل شاحبَ الجودة وجافّ الجدوى. كان كثيراً ما يختلي بذهنه ويقرأ “تلك العتمة الباهرة” للطاهر بنجلون، وهي رواية باهرة حقاً كأنّ مقهوراً حفر كلماتها بأظافره في جدار من الأحجار والأسمنت المسلّح بالظلم والظلام. كان المدير يقرأ الكلمات وشيء ما بداخله يقرأ شيئاً بداخل الطاهر بنجلون.. “أهي الرغبة في القبض على بنجلون؟.”. تساءل المدير وهو يقرأ بنهم. ولو لم يكن يقرأ ما انفلت منه ذاك التساؤل الصبياني، لكن القراءة قللت تركيزه على ما يقول في دفينة نفسه، والمهم أنه استمتع أيما استمتاع بهذه الرواية.. استمتع بأحداثها الشيقة في سجن تازمامرت. استمتع بمعاناة المعتقلين إلى حد البكاء والنحيب.
لقد كان المدير يبكي من المتعة.. وكان يتمنّى لو أمكنه أن يبكي من الرحمة والشفقة. لكن لمّا يئس من جدوى التفكير في ذلك، تمنّى لو يراه الناس يبكي وهو يقرأ هذه الرواية بغض النظر عن التفاصيل، شريطة ألا يبلّغوا عنه فيفتضح تعاطفه مع المعتقلين، حتى وإن لم يكونوا ينتسبون إلى السجن الذي يديره ولم يعودوا ينتمون إلى الزمن الذي يعيش فيه. تمنّى أن يراه الناس ينتحب كالطفل. أراد أن يبدو كأنه توّاق إلى أيام البراءة. كان يقرأ منتحباً، وبين حين وآخر يحرّك رأسه ذات اليمين وذات الشمال، وهو يحوقل ويردد “حسبنا الله ونعم الوكيل”. كان في أوقات فراغه المشروع يحمل “تلك العتمة” ويذهب بها إلى حديقة عمومية أو إلى مقهى محاولاً إقناع نفسه بأنه يريد أن يشهر إنسانيته من خلال القراءة الباكية.
وكان يرفض أن يعترف، ولو لنفسه، بأنه ربما يريد منهم أن يتصوّروا بأنّ له يداً طويلة في صنع أحداث تلك الرواية. بيد أنه لم يعرف ماذا يريد بالضبط من الناس أن يظنّوا عندما يشاهدونه يقرأ ويبكي على رؤوس الأشهاد. وبيد أنّ رأسه كان يؤلمه عندما يفكّر في أنّ من واجبه أن يعرف ماذا يربطه بـ “تلك العتمة الباهرة” على وجه التحديد. عندما يقرؤها، كان يرتطم في جوفه حزن هزيل مقهور بمتعة مطلقة.
لم يعد يقرؤها كما تُقرأ الروايات، بل أصبح يرتّلها ويلحّنها بصوت مجهور ومخيف كأنه يحاول أن يقلّد الشيطان في محرابه. صار يقرأ ما تيسّر منها في كل فرصة سانحة كما لو كانت كتاباً مقدّساً. لقد قرأها مراراً حتى كاد يحفظ العديد من صفحاتها.
هاهو يجلس في الحديقة العمومية قبالة زمرة من النساء تتوسّطهن امرأة متقدّمة في السن، وحولهن فوج من الأطفال يلعبون، أو-في الواقع- يأكلون العشب كالماعز، ويحطّمون المصابيح الكهربائية بالأحجار وشظايا النفايات الصلبة ضاحكين مستمتعين، ويقطعون رقاب شجيرات الجوري ويجعلون ورود الحديقة كعصف مأكول. كل ما يتراءى لهم في الحديقة صالحاً يحطّمونه كما لو كانوا يقومون بواجبهم في تخريب الممتلكات العامة. في البدء لم ينتبه مدير السجن لما يفعله أولائك الأطفال. كان يقرأ، وأجهش بضحكة هستيرية على إثرها تفجّرت من عينيه دموع حارّة مالحة كمولاي يعقوب لمّا قرأ قول السارد: “وجُعلَ الموت في بطئه الرشيق موتاً متمادياً في تأنّيه، مستنفداً كل وقت البشر، البشر الذين ما عدنا منهم، وأولائك الذين يحرسوننا، وأولاء الذين حللنا في نسيانهم التامّ”.
سرعان ما استوت ضحكته بكاءً مبيناً فأثار انتباه أولائك النسوة قبالته. ولما أثار بكاء أحد أطفالهن على سبيل التقليد الأعمى، جاءت إليه المرأة المتقدمة في السن، وقالت له في خليط من الخجل والرحمة والتعاطف: “السلام عليكم سيدي، هل أنت بخير؟..لماذا تبكي؟”. ردّ عليها وهو يمسح دموعه بجناح سترته السوداء كالغراب: “وعليكم السلام. أنا بخير يا سيدتي، أشكرك.. إنما أتفاعل مع أحداث هذه الرواية التي أقرؤها لا أكثر ولا أقل”. ابتسمت المرأة، وحمدت الله. ثم عادت إلى مكانها. فكّر المدير في أنه كان من المناسب أن يقول لها: “لقد جئتُ لأبكي على براءتي التي افتقدتها في طفولتي الغابرة، ولكن عندما رأيت هؤلاء الأطفال يتصرّفون كالمغول، بكيتُ لأنّ البراءة لم تعد-وربما لم تكن يوماً-مقترنة بالطفولة”.
غاص في “تلك العتمة الباهرة” من جديد. وعندما وصلت المرأة المتقدمة في السن إلى رفيقاتها، جلست وهمست إليهن: “مسكين.. يا له من رجل رقيق وعطوف.. يقول إنه يبكي بسبب أحداث روائية ملفوفة في ذلك الكتاب الذي يقرؤه..إيه.. إذا كان هذا حاله مع ما يقرأ، فكيف يكون حين يشاهد أحداثاً مأساوية في الواقع؟.. إيه.. لله ذره”. لم يكن أحد من تلك النسوة يعلم بأن القارئ هو مدير للسجن. ذات صباح فوجئ باستدعاء من النيابة العامة. ذهب من فوره إلى المحكمة، فقال له النائب العامّ: “لقد بلغنا أنك تقرأ رواية من تأليف المدعو الطاهر بنجلون تحت عنوان “تلك العتمة الباهرة”..هيه.. وأنك تبكي جهاراً كالثكلى، فما قصتك؟”. ابتسم المدير، وقال له: “الحق أن هذه القصة لها بداية واحدة، لكن يبدو أنّ لها نهايتين على الأقل”.
حملق فيه النائب العام، وقال له: “دعنا من كلام الصبيان، ولا تنس أنك مدير للسجن، فلا يعقل أن تظهر للناس حزنك الشديد لمجرّد أننا لم نلق القبض على كاتب السوء هذا المدعو الطاهر بنجلون..لا داع لتشرح لي شيئاً، فأنا أعرف قصتك باختصار، وأقدّر قسوتك التي تشفع لك عندنا، لكنها قد تبدو ضعفاً أمام الآخرين.. قد يسيؤون فهمك، فيظنّوا بأنّك أصبحتَ رحيماً وهذا لا يليق.. نعم، لا يليق أن يتصوّروا بأنّ سجوننا لم تعد ذات هيبة و…أنت تعرف الباقي…”. ابتسم مدير السجن، وقال له بصوت متناعس: “إنما أقرؤها كأنني مصرّ على التمسك بنهاية واحدة”. استغرب النائب العام هذا الكلام، وقال له بعد لحظة من الصمت والتأمل: “وما هي النهاية التي لا تريدها يا رجل؟”.
أجابه المدير: “أريد أن تنتهي قصتي كما تنتهي هذه الرواية بين يديّ”. ازداد النائب العام استغراباً، وقال له: “تعني أنك ترغب في دخول السجن أم ماذا؟”. اشتعل بريق غريب في عيني المدير وكأنه استبشر خيراً في محلّ شر، فقال له: “يا ليتكم تأخذونني من هنا إلى السجن”. . احتار النائب العام في أمره، وقال له: “ماذا تقصد؟”. أجاب المدير: “أقصد أحد السجون التقليدية طبعاً”. قال له النائب العام: “أنا لا أفهمك…أفصح”. ابتسم المدير، وقال بعد برهة من الصمت بصوت بدا مخيفاً للنائب العام: “إنني أقرأ هذه الرواية بسرعة كي أخرج من أهوالها، لكني لم أستطع بعد، وأخشى ما أخشاه أن تحرموني منها فأبقى في قبري هذا وحيداً بلا أحداث ولا شخوص ولا سارد”..
وفي تلك الأثناء، قُرع الباب بشدة. جحظت عينا النائب العام وكأنه يتساءل مفزوعاً: “ماذا يجري في الخارج؟ ! ومن هذا الذي جرؤ على قرع الباب بهذه الشدة؟ !”. وفي حركة لا إرادية نهض مدير السجن، دون أن يأذن له النائب العام. فتح الباب بسرعة وقلبه يرفرف رعباً في قفص صدره، فإذا بحارس من حراس معتقَل تازمامرت يصوّب إليه سبابة حادّة موبّخاً إياه ومتوّعداً بالويل والثبور فيقول بصوت يشبه قعقعة السيوف: “إذا لم تقلّل من الشخير، فقد نضطرّ إلى اتخاذ إجراءات مناسبة في حقك.. لا تنظر إليّ هكذا ! أنت تعرف جيدا ماذا بوسعنا أن نفعل بك.. قد نعرقل طريق الموت إليك أكثر مما كنا نفعل في السابق، ولن نسمح له بتخليصك من هذا السجن بالسرعة التي تتمنّى”..
التفت المدير إلى مكتب النائب العام، فإذا به مصطبة أسمنتية بالكاد يمكن رؤيتها في عتمة مرعبة وروائح كريهة كأنّ باباً من أبواب جهنم قد فتح في الجدار وتسرّب منه فيض من العذاب الأليم !. ومن أعماق تلك العتمة يتصاعد أنين النائب العام وكأنّ بينه وبين من يسمعه عشرات السنين. أحسّ المدير بالموت بارداً يلتهم قدميه صعوداً إلى قلبه ثم يخرج من أعلى رأسه ويرتطم بطبقة سميكة من البقّ والصراصير التي يبدو أنها قد أخفت السقف الأسمنتي منذ سنوات. ذهب الموت وترك مدير السجن بلا موت ولا حياة. تركه جزءً من أسمنت الزنزانة، وسرعان ما أدرك بأنّه لم يعد بوسعه أن يُسعف النائب العام الذي بدا أنه يقاسمه الزنزانة. أحسّ بأنّ هذا النائب العام لن يحتاج إليه بعد اليوم حتى للتيمّم.
بعد لحظة قصيرة صُفق الباب بقوة مرعبة، وأطبق الظلام على المكان. اتصلت سكرتيرة النائب العام تستنجد بالإسعاف، وبعد نصف ساعة وصل حبيبها الذي طالما كان يسرقها بسيارته (ميرسيدس كلاس ذات بشرة بيضاء ناعمة) في أوقات فراغها فيظنّ أهلها بأنها في المحكمة، بينما تظن المحكمة بأنها عند أهلها. تتوقّف السيارة أمام الحديقة العمومية. ينزلان منها وعيونهما تستطلع المكان بحذر قصد التأكد مما إذا كان خالياً من أقارب السكرتيرة. يجلسان إلى جانب زمرة من النساء حولهن فوج من الأطفال يلعبون لعبة تدمير الشأن العام. النساء يتهامسن بكلام مريب ويسرقن نظرات متقطعة نحو رجل يبدو من طبقة ميسورة، وقد نزل قبل قليل من سيارته (ميرسيدس كلاس ذات بشرة بيضاء ناعمة)، لكنه رغم ذلك يبكي وينتحب وهو يمسك بكتاب بين يديه. دُهِشت السكرتيرة !.
جحظت عيناها كما لو كانت تعاني مخاض الموت. هرعت إليه. وقالت له بصوت مرتجف: “مابك؟.. ألهذا اتصلتَ تستنجد بي؟.. ما هذا الكتاب الذي تقرؤه؟”. نظرت إلى غلاف الكتاب، فإذا به رواية تحت عنوان “تلك العتمة الباهرة”. ! .

saidboudabbouz@gmail.com