قصائد للشاعر الإسباني دانييل رودريغيث مويا ترجمة خالد الريسوني

Daniel Rodríguez Moya

 

ليلية (منذ يونيو)

أنا لا أعرف لِمَاذَا تَبْدُو اللَّيَالِي مُنْذُ حُزَيْرانَ
كمَا لوْ أنَّهَا تُذَكِّرُنا بقاعَاتِ الانْتِظارِ،
أرَاضِي العُبُورِ،
سَرِيرُ نُزْلٍ عَلَى الطَّرِيقِ
خَرِبٍ قلِيلاً بِسَبَبِ الحُبِّ المُخْتَلَسِ.
يُثْقِلُ عَلَيَّ الهَوَاءُ الكَثِيفُ لِلإقامَةِ
الَّتِي كَانَتِ المَأوَى الوُدِيَّ لِألَاعِيبِي،
أحْلامُ الأنَا الأُخْرَى الَّتِي تَبْدُو الآنَ
اللُّعْبَةً المُلْغِزَةَ الَّتِي فِي حُضْنِ الدُّولابِ
تَتَبَدَّى فَقَطْ قِطَعاً بِلا تَرْتِيبٍ ظَاهِرٍ.

***

فِي هَذَا الوَقْتِ العَدَائِيِّ المُنَاسِبِ لِلكرْهِ
أنخيل غونزاليث

 

لكَ مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ بِالمَطَرِ.
قُمْتَ بِقِيَاسِ نَبَضَاتِهِ عَلَى سُقُوفِ الشِّتَاءِ
وَعَلَى الزُّجَاجِ
جَفَّفْتَ دُمُوعَهُ.

أنْتَ تَعْرِفُ البِرْكَةَ الَّتِي بِالكَادِ تَتَشَكَّلُ،
وَالَّتِي تُغَطِّي المَدِينَةَ، وَتُحَوِّلُهَا
إلَى مِرْآةٍ غَرِيبَةٍ.
وَالكُلُّ انْعِكَاسٌ
لِحَيَاةٍ لامُسْتَقِرَّةٍ،
قَابِلَةٍ لِلتَّصْدِيقِ عَلَى الأقَلّ، وَيُمْكِنُ تَحَمُّلُهَا.
فِي هَذَا الوَقْتِ العَدَائِيِّ الَّذِي صَارَ الآنَ عَادَةً
تَعْرِفُ كَلِمَةَ اللَّايَقِينِ،
لَكِنْ عَلَى وَجْهِ العَجَبِ
تُحَافِظُ عَلَى أمَلٍ خَالِصٍ تَقْرِيباً
فِي آتٍ أبْهَى.

 

 

اللَّيَالِي

 

إلى دافيد فرنانديث بارون

 

عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أنَّ اللَّيَالِي
هِيَ فَقَطْ كِنَايَةٌ لَطِيفَةٌ عَنِ المَوْتِ،
مَلْجَأٌ لمُدْمِنِي الكُحُولِ،
لِخَطَوَاتٍ غَيْرِ دَقِيقَةٍ عَبْرَ الشَّارِعِ،
فِي فَجَوَاتِهَا نَحْيَا الحَيَاةَ
الأكْثَرَ عُذُوبَةً.
نَشْرَبُ الأقْدَاحَ المُرَّةَ
كَمَا لوْ كَانَتْ فَقَطْ
كُؤُوسَ شَرَابٍ تَصِيرَ حَامِيَةً
بَعْدَ أنْ نَكُونَ قَدْ تَحَدَّثْنَا كَثِيراً.

 

سوف أنكر أني كتبت لك هذه القصيدة

إلى دانييلا كلاريبيل

 

عِنْدَمَا تَفْهَمِينَ صَوْتِي،
عِنْدَمَا تَتَمَلَّكِينَ وَعْياً، سَتَرْفُضِينَ نَصَائِحِي
وَسَتُصِرِّينَ عَلَى مَعْرِفَةِ كُلِّ شَيْءٍ تَقْرِيباً
سَوْفَ أنْكِرُ أنِّي قَدْ كَتَبْتُ لَكِ هَذِهِ القَصِيدَةَ.

وَلَكِنِّي الآنَ بَعْدُ لمْ أنَاجِيكِ بِحُبِّي،
ولا جَسَدِي اهْتَزَّ لِهَشَاشَتِكِ،
أهْمِسُ فِي أسْمَاعِكِ، وَفِي رَحِمِ أمِّكِ،
ألا تُصِيبَكِ قَطُّ رَهْبَةٌ فِي أنْ تَقُولِي مَا تُفَكِّرِينَ فِيهِ،
وأنْ تُدَافِعِي دُونَ هوَادَةٍ
فِي المَعَارِكِ الَّتِي تَجْعَلِينَهَا مَعَارِكَكِ.

لا تَنْسَي جُذُورَكِ
فِي أرْضِ البُحَيْرَاتِ وَالبَرَاكِينِ،
أرْضِ النَّارِ وَالحُنُوِّ.
مِنْ هُنَالِكَ، بِالتَّأكِيدِ،
سَتَرِثِينَ عِشْقَ القَضَايَا الخَاسِرَةِ.

تَجَاهُلُ الكَلِمَاتِ، كَمَا قُلْتُ لَكِ يَوْماً مَا:
مَمْنُوعٌ، أبَداً، لا شَيْءَ،
الانْسِحَابُ، مُسْتَحِيلٌ.

عِنْدَمَا تَفْهَمِينَ صَوْتِي،
وَتُفَكِّرِينَ أنَّ أبَاكِ قَدِ اسْتَسْلَمَ،
عِنْدَمَا تَلُومِينَنِي عَلَى ذَلِكَ،
سَوْفَ أنْكِرُ أنِّي قَدْ كَتَبْتُ لَكِ هَذِهِ القَصِيدَةَ.

 

إلى رفائيل غيين

 

وَمَاذَا لَوْ حَرَّكَتِ الرِّيحُ خَطَوَاتِنَا،
تَجْعَلُهَا أخَفَّ، شِبْه ظِلالٍ،
كُلُّ الزَّوَايَا تَخْدِشُنَا،
أوْ تَلْدَغُ حَيَوَاتِنَا،
وَتَقْتَلِعُ الأمَلَ مِنَ الأجْسَادِ.

لا تَهُمُّ فِي قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ الأشْيَاءُ الَّتِي لا يُمْكِنُ لمْسُهَا،
الَّتِي لا تَمْتَلِكُ مُحِيطاً يَحُدُّهَا،
والَّتِي تَفْتَقِدُ الدِّفْءَ.
لمْ أكُنْ أبَداً لِأُحِبَّ شَيْئاً شَفِيفاً.

مَاذَا تَهُمُّ الرِّيحُ الَّتِي تَشْتَبِكُ
فِي اتِّجَاهٍ وَاحِدٍ وَتَتَدَافَعُ كُلَّ شَيْءٍ،
مَاذَا تَهُمُّ المَسَافَاتُ الَّتِي لا خَلاصَ مِنْهَا
بَعْدَ التَّغَلُّبِ عَلَيْهَا
إذَا لمْ تَكُنْ لدَيْنَا أشْكَالٌ حِينَ يَأتِي
المُنْعَرَجُ الأخِيرُ مِنَ الطَّرِيقِ.
سَيَكُونُ مِنَ المُسْتَحِيلِ حِينَئِذٍ
الإحْسَاسُ باللَّمْسَةِ، بِاحْتِكَاكِ اليَدِ.

 

SPLEEN

 

اليوم فقط عرفتُ أنني موجود وأن الفجر سينبلج
خابيير إيخيا 

 

إلى إيسابيل شيون

 

ليْسَتْ بِدَايَةً جَيِّدَةً لِقَصِيدَةٍ، أعْلَمُ ذَلِكَ.
أنْ تَقُولَ إنَّ الوَقْتَ يَمُرُّ بَطِيئاً،
وَأنَّهُ ليْسَ ثَمَّةَ مَكَانٌ لِلرَّاحَةِ
فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدَّافِئَةِ الَّتِي تَبْدُو
سِيرْكَ أشْبَاحٍ،
صَوْتُ طِفْلٍ غَرِيقٍ يُسْمَعُ
فِي أعْمَاقِ الآبَارِ وَصَمْتِ
أمْسِيَاتِ الصَّيْفِ فِي المُنْتَزَهِ المَحْفُوفِ بِالحَوَرِ.
ليْسَ ثمَّةَ كَلِمَاتٌ حَتْمِيَّةٌ،
فِعْلٌ يَكْتَشِفُ فِي هَذِهِ الأَشْعَارِ
عُمْقَ مُفَاجَأةٍ أوْ أمَلٍ.
اليَوْمَ فَقَطْ عَرَفْتُ أنَّنِي مَوْجُودٌ وَأنَّ الفَجْرَ
المُلْتَبِسَ الَّذِي أحْسَسْنَاهُ
مُعْتِماً وَمُدَنَّساً سَوفَ يَنْبَلِجُ.
ليْسَتْ نِهَايَةً جَيِّدَةً لِقَصِيدَةٍ، أعْلَمُ ذَلِكَ.
أنْ تَقُولَ إنِّي مُتْعَبٌ، لا أرِيدُ
أنْ أفَكِّرَ أنَّ الوَقْتَ المُتَوَقِّفَ فِي هَذِهِ الغُرْفَةِ
خِلالَ أمْسِيَةِ صَيْفٍ
قدْ ثَلَمَ جُزْءًا مِنْ حَيَاتِي.

طِفْلَةٌ تَقْفِزُ تَحْتَ المَطَر

سَنَوَاتُكِ الخَمْسُ
تَقْفِزُ تَحْتَ مَطَرِ أكْتُوبَرَ،
فِي وَقْتٍ لاحِقٍ سَتَعْرِفُ أنَّ الحَيَاةَ
لَهَا شَكْلُ بِرْكَةٍ،
دُونَمَا حُدُودٍ دَقِيقَةٍ وَعَتمَةٍ لامِعَةٍ.

سَنَوَاتُكِ الخَمْسُ
الَّتِي كَانَتْ تَنْظُرُ إلَى السَّمَاءِ عَدِيمَةِ الوَزْنِ تَقْرِيباً،
تَأخَّرَتْ فِي مَعْرِفَةِ
أنَّهَا لمْ تَكُنْ لِبِيكِرَ
تِلْكَ السُّنُونُوَاتُ الَّتِي كَانَتْ تَعْبُرُ
شَوَارِعَ مُظْلِمَةً، وَمَحَجَّاتٍ مُسْهَدَةٍ.
وَألْفَ غَابَةٍ مِنَ الهَوَائِيَّاتِ حَيْثُ يُلْتَمَسُ المَأوَى.

سَنَوَاتُكِ الخَمْسُ
قَدْ بَقِيَتْ جَانِحَةً
عَلَى رَصِيفٍ ثَابِتٍ
بِمِينَاءٍ مَهْجُورٍ:
هُوَ الذَّاكِرَةُ.

 

VI

إلى ألفونسو كابيُّو بيرخيُّوس

 

يَتَبَقَّى فِي قُرَى السَّاحِلِ
صَدىً غَيْرُ دَقِيقٍ
لِلْمَوْجَاتِ البَعِيدَةِ مِنْ زَمَنٍ آخَرَ،
والَّذِي تَرَكَهُ فِي الحِجَارَةِ
مَشْهَدٌ دَائِرِيٌّ لِلَمْسَةٍ سَائِلَةٍ
وَصَوْتٍ جِدِّ بَعِيدٍ.
صَهِيلٌ خَفِيفٌ لِخُيُولٍ فِي اللَّيْلِ.

مِنَ المَاءِ، سَيَكُونُ مِنَ المَاءِ أوِ الرِّيحِ
ذَلِكَ الخُيَيْطُ المُصَوِّتُ الَّذِي يُسْمَعُ،
ذَلِكَ الفَارِسُ المُعْتِمُ الَّذِي يَدْنُو،
هَذِهِ السُّفُنُ المُحْتَرِقَة.

مِنَ الرِّيحِ أوْ مِنَ الضَّبَابِ
سَيَأتِي الخَوْفُ المَوْرُوثُ عَنِ الأسْلافِ
مُتَوَجَّساً فَوْقَ الرِّمَالِ العَذْرَاءِ.

 

XVII

 

من هذه الصخور العالية اللاتُسَمَّى يمكنُ أن يُرى البحرُ…
بابلو ديل أغيلا

 

مِنْ هَذَا المَنَارِ الأعْمَى مِنَ المُسْتَحِيلِ
أنْ يُرَى البَحْرُ،
أنْ تُلْمَحَ مَعَالِمُ السَّاحِلِ
مِثْلَمَا النَّاسُ الَّذِينَ يَمْضُونَ فِي المَرَاكِبِ
مُرَدِّدِينَ عِبَارَاتِ الوَدَاعِ،
وَتِلْكَ النَّوَارِسُ الَّتِي تَبْتَعِدُ،
زَبَدٌ شَفِيفٌ،
وَالآثَارُ الأشَدُّ زَوَالاً، تِلكَ الَّتِي تَسْحَبُ
مِزَقَ كَلِمَاتٍ،
أصْدَاءَ صَوْتٍ مِنَ المِينَاءِ
يُشْحَنُ بِالصَّبْرِ وَيَعُودُ إلَى القَرْيَةِ.

إلَى أيِّ مَدىً يَهْوِي مِنْ هُنَا الجُرْفُ البَحْرِيُّ
وَمَعَ ذَلِكَ،
كَمْ أسْتَشْعِرُ الدُّوَّارَ دَانِياً،
الإحْسَاسَ الغَامِضَ بِالسُّقُوطِ
بَيْنَ مُتْعَةِ التَّحْلِيقِ
وَالخَوْفِ مِنْ يَقِينِ المَوْتِ.

خَرَجْتُ إلَى اللَّيْلِ دُونَ أنْ أكْسُوَ ذَاتِي،
عَارِياً فِي رِيحٍ دَكْنَاءَ
تَجْعَلُ أسْمَاءَ كُلُّ الَّذِينَ غَرَقُوا
تَرْتَطِمُ بِي دَفَقَاتٍ.

غَداً سَوْفَ تَنْطَلِقُ ولنْ يَكُونَ ثَمَّةَ عَفْوٌ
لِآذَارَ عَلَى جُدْرَانِ المَطْبَخِ،
مَرَاقِدُ مُسَرْنَمَةٌ،
اسْتِشَارَاتُ مُحَامٍ وَمَكَاتِبَ.
سَيُقرَّبُ العَامَ أكْثَرَ قَلِيلاً
مِنْ مَاضٍ تَمَّ تَصْرِيفُهُ بِشَكْلٍ نَاقِصٍ.

سَيَكُونُ نِيسَانُ حُضُورِي
اللَّيْلِيَّ فِي بُرْجِ المُرَاقَبَةِ، فِي هَذَا المَنَارِ
مِنْ رُؤىً لا مُحْتَمَلَةٍ.
وَسَيُحِسُّ قَلْبِي أيْضاً نَسَائِمَ مَالِحَةً،
وَإنْ كُنْتُ أعْرِفُ غَيْباً إلَى أيِّ حَدٍّ هُوَ البَحْرُ نَاءٍ،
وَكَمْ مِنْ سَرَابٍ يَخْلُقُهُ المَطَرُ
عِنْدَمَا يَخْبِطُ جِلْدَ المُدُنِ.

 

الشَّجَرة

 

لا زَالَتْ تُؤْلِمُنِي
جِرَاحَاتُ الأرْضِ الَّتِي وَقدْ غَمَرَتْهَا المِيَاهُ
كُنْتِ تَطَئِينَ حَتَّى البَارِحَةَ
البُيُوتَ وَرَائِحَةَ الأوْرَاقِ المُتَسَاقِطَةِ فِيهَا.

الخَوْفُ الَّذِي مَا عَادَ يُرْهِبُ الأطْفَالَ
فهُوَ بُرْكَانٌ مَألُوفٌ.

تَغْدُو اللَّيْلَةُ قَارَّةً
وَأنْتَ تَعْرِفُ أنَّ هَذِهِ السَّمَاءَ
تَنْقُصُهَا النُّجُومُ أكْثَرَ مِنَ النَّظَرَاتِ.

إذَا رَفَضْتِ الأصْوَاتَ الَّتِي تُهَدِّدُ حُلْمَكِ
وَاكْتَشَفْتِ أنَّ المَطَرَ الآنَ
هُوَ مُجَرَّدُ ذَرِيعَةٍ
لِتَحْيَيْ وَقْتاً مَعَ تَنْغِيمِ الصَّوْتِ
سَتَرَيْنَ أنَّ العَوَاصِفَ
أنَا أنْظُرُ إليْهَا مِنْ بَعِيدٍ،
كَمَا يُنْظَرُ إلَى طِفْلٍ وَأحْزَانِهِ.

لا تَخَافِي أنْ تُدِيرِي ظَهْرَكِ إلَى التَّنَاقُضَاتِ،
فَالحَيَاةُ هِيَ بِالتَّحْدِيدِ ذَلِكَ.

هُنَاكَ شَجَرَةٌ تَنْمُو دُونَمَا رَهْبَةٍ مِنَ العُلُوِّ.
لِنُعَانِقَهَا.
فالأحْرَاجُ لا تَمْنَعُ مِنْ مُلامَسَةِ السَّمَاءِ.

قلبُ رَجُلٍ أُعْدِمَ رَمْياً بِالرَّصَاصِ

قلْبُ الرَّجُلِ الَّذِي أُعْدِمَ رَمْياً بِالرَّصَاصِ
يُشْبِهُ الغَابَاتِ الَّتِي تَنْمُو بِاتِّجَاهِ الدَّاخِلِ
ثُمَّ تَصِيرُ مُعْتِمَةً.

لا أحَدَ يُرِيدُ أنْ يَتَوَغَّلَ،
أنْ يَطَأ الأغْصَانَ البَلِيلَةَ،
الجُذُورَ الَّتِي يَأكُلُهَا الطُّحْلُبُ
فِي مَسَارَاتٍ مُتَطَابِقَةٍ
تَضْمَنُ الضَّيَاعَ،
عَدَمَ العُثُورِ عَلَى المَخْرَجِ.

قَلْبُ الرَّجُلِ الَّذِي أُعْدِمَ رَمْياً بِالرَّصَاصِ
دَرْبٌ غَرِيبٌ سَيَكُونُ عَلَى رِجَالٍ آخَرِينَ
أنْ يَعْبُرُوهُ مَرَّةً وَحِيدِينَ
دُونَ أدْنَى مُسَاعَدَةٍ
سِوَى الخَفَقَانِ العَنِيدِ لِلذَّاكِرَةِ.

شَاهِدَةُ قَبْرِ الشَّاعِرِ المَجْهُولِ

لمْ يُنْقِذْ قَطُّ وَطَنَهُ،
وَلا مَنَحَهُ حَيَاتَهُ
فِي حَرَكَةٍ بُطُولِيَّةٍ.
تَحْتَ هَذَا الثَّرَى يَضْطَجِعُ
رُبَّمَا بِضْعَة أمْتَارٍ أخْرَى إلَى الجَنُوبِ،
رَجُلٌ مُلاحَقٌ
مِنْ قِبَلِ أشْبَاحِهِ الخَاصَّةِ.

 

الصُّحُفُ

 

الصُّحُفُ أوْرَاقٌ بَطِيئَةٌ.
تَحْكِي لنَا أنَّنَا غَداً
كُنَّا سَنَدْفُنُ يَوْماً جَدِيداً
لنْ يَتَكَرَّرَ.

وَهَكَذَا تَمُرُّ صَفَحَاتُهَا،
مِثْلَ الشَّظَايَا، مَاءٌ يُسوِّدُ بِالحِبْرِ
عَنَاوِينَ، أخْبَارَ النَّعْي، إعْلانَاتٍ بِالكَلِمَاتِ.

أنَا لَسْتُ أعْرِفُ مَا سِحْرُهَا،
إِنْ كَانَتْ رَائِحَةُ الحِبْرِ، بُقَعُهُ عَلَى الأصَابِعِ
أوْ رُبَّمَا الصُّوَرُ، الَّتِي لا تَكُونُ وَاضِحَةً عَلَى الإطْلاقِ
مِثْلَ فَجْرِ مِينَاءٍ فِي الضَّبَابِ.

الصُّحُفُ لا تَتَذَكَّرُ أبَداً
لَكِنَّهَا تَمْلأ رُفُوفَ ذَاكِرَةٍ نَاقِصَةٍ.
هِيَ شَيْءٌ تَعَلَّمْتُهُ بُعَيْدَ اليَوْمِ
الَّذِي مَاتَ فِيهِ الجَدُّ تُومَاسَ بِقَلِيلٍ.
هُوَ الَّذِي عَلَّمَنِي أنْ أتَصَفَّحَهَا، وَأنْ أقْرَأ مَا بَيْنَ السُّطُورِ،
وَأنْ تَجْعَلَ أيْضاً ذَاتَهَا ضَرُورِيَّةً.
تِلْكَ الأوْرَاقُ البَطِيئَةُ الَّتِي لا أثِقُ بِهَا.

 

اللُّعَبُ المَكْسُورَة

 

الدراجات المكسورة. توم وايتس

 

عَلَى تِلْكَ الجُدْرَانِ البَيْضَاءِ الَّتِي كَانَتْ جُزْءاً مِنْ طُفُولَتِي
تَتَكَدَّسُ أطْلالُ السَّعَادَةِ،
تُرُوسٌ مُعَقَّدَةٌ،
بِغُبَارِ زَمَنٍ يَكَادُ يَكُونُ غَيْرَ مَمْسُوسٍ،
تَوَقَّفَتْ عُزْلَةُ لُعَبِي المَكْسُورَةِ.

قَدْ مَرَّتِ العَدِيدُ مِنْ أشْهُرِ آذَارَ عَلَى جِلْدِي السَّاذَجِ
وَكَمْ مِنْ لَفَّةٍ عَمْيَاءَ دَارَتْ عَجَلَةُ
تِلْكَ الدَّرَّاجَةِ،
هَيْكَلٌ عَظْمِيٌّ مَنْزُوعُ السِّلاحِ يَنَامُ الآنَ
حُلْمٌ غَيْرُ عَادِلٍ
حُلْمُ الحَيَاةِ الحِقَّةِ.
مَنْ سَيَعْرِفُ أنَّ تِلْكَ المَحَاوِرَ الصَّدِئَةَ
قَدْ دَارَتْ بِنَفْسِ
سُرْعَةِ حُلْمٍ.
مِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ نَسْمَعَ صَوْتَ الزَّمَنِ
الَّذِي بَقِيَ فِي الخَلْفِ.
مُسْتَحِيلٌ الرَّكْضُ، الإحْسَاسُ بِالهَوَاءِ الدَّافِئِ
لِنِهَايَةِ الصَّيْفِ فَوْقَ الوَجْهِ
حِينَئِذٍ مَعَ دَهْشَةٍ أمَامَ الطَّرِيقِ.

 

ذَهَبُ الأيَّام
انتهى ذَهَبُ الأيام
جورج تراكل

يَمُرُّ يَوْمٌ هُوَ مُنْحَدَرٌ.
مَنْ مِنَّا نَحْنُ الَّذِينَ
نُمْسِكُ هُنَا الهَوَاءَ وحُكْمَهِ،
كَمَا لوْ كُنَّا نَنْظُرُ إلَى الزَّمَنِ
الَّذِي تَسْتَغْرِقُهُ حَافِلَةٌ
فِي عُبُورِهَا المَدِينَةَ ثُمَّ عَوْدَتِهَا،
يُحِسُّ بِالقُوَّةِ
الَّتِي يُطَالِبُنَا بِهَا الخَوْفُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالاتِ.
نُعَانِقُ ذَهَبَ الأيَّامِ
وَلا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ مَزِيداً مِنَ الأحَادِيثِ
أوْ تِلْكَ الفَجْوَةِ مِنَ الوَقْتِ المُتبَقِّي،
الَّذِي يُجْبِرُ عَلَى تَأخِيرِ كُلِّ الجُمَلِ
وَيَفْرِضُ عَلَى كُلِّ شَفَةٍ
خَوْفاً مِنْ أنْ يَتَحَوَّلَ كُلُّ شَيْءٍ إلَى صَمْتٍ.

 

قصيدةُ حبٍّ

لِلإحْسَاسِ بِدِفْءِ
السَّاعَاتِ الأخِيرَةِ مِنْ أيْلُولَ
كَانَ ثَمَّةَ زَمَنٌ مُنْطَفِئٌ
فِي الهُوَّاتِ السَّحِيقَةِ
مِثْلَ الضَّوْءِ الَّذِي يَنْحَدِرُ
وَيَغْرَقُ دُونَمَا صَرْخَةٍ
فِي بَحْرٍ مِنَ البَازَلْتِ.
لَنْ يَعُودَ الهَمْسُ المَائِيُّ
وَلا الصَّرِيرُ العَنِيفُ لِلنَّوْرَسِ.
لمَّا يَصِيرُ الشِّتَاءُ
الحَقيقةَ الأخِيرَةَ الَّتِي يُتَعَلَّقُ بِهَا
وَكُلُّ المُدُنِ تُغْلِقُ فِي وَجْهِنَا جُدْرَانَهَا،
حِينَئِذٍ سَأقُولُ لَكِ
ألْفَ مَرَّةٍ وَمَرَّةٍ،
عَنِ الخَطَوَاتِ ذَاتِهَا،
مَعَكِ سَأُكَرِّرُ الحَيَاةَ.

 

هَمْسٌ

كلُّ جَلباتِ العالم
تُشَكِّلُ صمتاً عظيماً.

خواكين باسوس

 

لا يَهُمُّ إنْ كَانَ فِي حَانَةٍ
أوْ فِي حِمَايَةٍ مِنَ النَّارِ
فِي بِدَايَةِ زَمَنِ الإنْسَانِ.
كَانَ ثَمَّةَ هَمْسٌ يَلُفُّ كُلَّ شَيْءٍ دَوْماً:

أصْوَاتُ القَبِيلَةِ تَحْتَلُّ الكَهْفَ،
هُتَافُ المُحَارِبِينَ بَعْدَ الصَّيْدِ،
الصَّخَبُ المُشْتَعِلُ فِي الثَّوَرَاتِ،
الصُّرَاخُ المُلْتَهِبُ فِي مَلْعَبٍ،
التَّصْفِيقَاتُ وَالهُتَافَاتُ عَلَى شَاشَةِ التِّلْفَازِ،
ضَحِكُ الأطْفَالِ الَّذِينَ يَلْعَبُونَ فِي المُنْتَزَهَاتِ.

الطَّنِينُ الحَاضِرُ خِلالَ الوَقْتِ كُلِّهِ،
مِثْلَ مُحَرِّكٍ مُشْتَغِلٍ لا يَتَوَقَّفُ أبَداً.
ولا حَتَّى فِي اللَّيْلِ يَتَوَقَّفُ،
اِرْتِعَاشَةُ ضَوْءٍ كَهْرَبَائِيٍّ ودُوَّارٌ.
هِيَ جُمَلٌ غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ تُعَانِقُ إيقَاعَ
التَّمَوُّجَاتِ المَائِيَّةِ
إذَا أُلْقِيَ حَجَرٌ وَسَطَ البُحَيْرَةِ.

شَخْصٌ مَا يَطِنُّ أنَّ ثمَّةَ صَمْتٌ لِلتَّوِّ
قَبْلَ طَلْقَةِ الرَّحْمَةِ أثْنَاءَ الإعْدَامِ رَمْياً بِالرَّصَاصِ،
لَكِنَّ الصَّدَى يُرْجِعُ الابْتِهَالاتِ الأخِيرَةَ
مُكرَّرَةً لأولَئِكَ الَّذِينَ أُعْدِمُوا.

قَدْ كَانَ هُنَالِكَ دَوْماً هَمْسٌ يَلُفُّ كُلَّ شَيْءٍ،
ضَوْضَاءٌ دَائِمٌ.

أكْثَرُ مِنَ الخَوْفِ، مِنَ الصَّمْتِ،
الخَوْفِ مِنَ الإحْسَاسِ
بِالأشْيَاءِ الَّتِي تُقَالُ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ.

 

 

دانييل رودريغيث مويا Daniel Rodríguez Moya

(غرناطة 1976) شاعر إسباني، نشر العديد من الدواوين الشعرية “مكتب الذوات الضائعة”، “الآن الجديد”، ” تغيير الخطط”، و”الأشياء التي تقال بصوتٍ خفيضٍ”، عضو فاعل في الحركة الشعرية “الشعر في مواجهة الارتياب” التي تضم شعراء من إسبانيا وأمريكا اللاتينية، حصل على عدة جوائز شعرية: جائزة فيديريكو غارسيا لوركا 2001، جائزة بيثينطي نونييث 2007، جائزة مدينة برغش الدولية للشعر 2013. في مجال الدراسة النقدية نشر كتاب: “شعر القرن العشرين في نيكاراغوا“.

 

خالد الريسوني، شاعر ومترجم مغربي، (الدار البيضاء، 1965) حصل على الإجازة في الأدب العربي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان سنة 1988، اشتغل سابقا أستاذا للغة العربية وثقافتها بالمعهد الإسباني سيفيرو أوشوا بطنجة. شارك سنة 1985 في المهرجان العالمي للشباب والطلبة بموسكو، كما ساهم في مهرجان الشعر المغربي بشفشاون خلال عدة دورات. التحق باتحاد كتاب المغرب سنة 1986. يتوزع إنتاجه بين الكتابة الشعرية والدراسة الأدبية والترجمة. نشر كتاباته بعدة صحف ومجلات ومغربية وعربية وإسبانية مثل: المحرر، العلم، البيان، القدس العربي، كيكا، شؤون أدبية، دبي الثقافية، العربي الجديد، الثقافة الجديدة، نوافذ، البيان، نزوى، الدوحة، مشارف مقدسية …إلخ.
يعد الاشتغال على الترجمة رهانا أساسيا في مشروع خالد الريسوني، إذ من خلاله يعبر عن رغبة في تشييد جسور التواصل بين ضفاف المتوسط، وقد أنجز عددا مهماً من الترجمات الشعرية لشعراء إسبان وشعراء من أمريكا اللاتينية إلى لغة الضاد. وممّا صدر له في هذا الصدد:
– الرسو على ضفة الخليج (بالاشتراك): أنطولوجية للشعر المغربي والإسباني، الجزيرة الخضراء، 2000
– عن الملائكة/ رفائيل ألبيرتي ، منشورات وزارة الثقافة 2005
– يومية متواطئة / لويس غارثيا مونطيرو، منشورات وزارة الثقافة 2005
– تلفظ مجهول ويليه: ابتداع اللغز، خورخي أوروتيا، عن منشورات(ليتوغراف) بطنجة 2007
– لالوثانا الأندلسية، رواية للروائي الإسباني فرانسيسكو ديليكادو، عن منشورات(ليتوغراف) بطنجة
– اليوم ضباب، خوسيه رامون ريبول، عن منشورات (ليتوغراف) بطنجة
– زوايا اختلاف المنظر يليه: كتاب الطير والسكون المنفلت، كلارا خانيس، عن منشورات (ليتوغراف) بطنجة.
– الأعمال الشعرية المختارة، لفيديريكو غارسيا لوركا، عن منشورات(ليتوغراف) بطنجة 2010
– الكتاب خلف الكثيب، لأندريس سانشيث روباينا، عن منشورات(ليتوغراف) بطنجة 2010
– مائة قصيدة وشاعر، خوسيه مانويل كاباييرو بونالد، (منشورات سليكي أخوين) 2012
– وصف الأكذوبة يليه: يشتعل الخسران، أنطونيو غامونيدا، منشورات بيت الشعر في المغرب، 2012.
آخر ما أنجزه الريسوني العمل الشعري الموسوم بـ: خلوات وأروقة وقصائد أخرى يليه: حقول قشتالة، للشاعر الإسباني المرموق: أنطونيو ماشادو، و “بإيجاز” للشاعر الإسباني ليوبولدو دي لويس، ويستحق العناء للشاعر الأرجنتيني: خوان خيلمان، وكسيريات، يليه: ملاك الظلمة وأسرار الغاب للشاعرة الإسبانية كلارا خانيس.