“‘إنترميسّو” قصة قصيرة للكاتب النرويجي شيل آسكيلدسن ترجمة كامل السعدون

Kjell Askilds

لم تنبُس بكلمةْ طوال النصف ساعة الأخيرة ولا زالت صامتةٍ، فكرّ مع نفسه، إنها هي المُلامةْ، إنها عرَفتْ جُزء من واحد بالمائة مما لم أقله بعد، وليتها تعرف الأمر كله.
“أنتِ جعلتِ الأمر برمته يسيرٌ عليّ” أدرك أن قوله كان غريبا عليه ذاته، لقد تدفق بسرعة جعلته هو ذاته لا يصدق ما يقول.
“نعم أنا أعني ما أقول، تجعلين مُجمل الأمر سهلا جداً”.
“أفعلت أنا ذلك، كيف؟ أخبرني من فضلكْ” هتفت بلهفةٍ وهي تبتسمْ.
“أي لعنة هذه، أتعرفين ما أنتِ، أنتِ فتاة وسخة، من منبع قذر.”
“حقا؟ ” قالت ببرود مُرفق بابتسامة نقية تماما”
“حسنا.. أصغي بانتباه، ركزي ذهنكِ وأُذنيكِ جيدا، لكي تحصُلي على مجمل التفاصيل.”
“حين ذهبنا الى البار، ذهبنا في البدء لبيتها مباشرة” نظر لها بطرف عينه، وجدها تصغي بانتباه مفتعل دون أن تفارق وجهها وشفتيها الابتسامة.
“قلت لها أحبكِ، أنا أحبك قُلت لها” أعاد الجملة مرة ثانية للتأكيد
“ثم قبلّتها” أضاف “هي من جانبها اعترضت في البدء، قالت لي “وجيردا”، أجبتها لا تبالي بـ “جيردا”.
“ثم ضممتها الى صدري بقوة” نظر لها محاولا أن يرصد رد فعل منها ثم أضاف ” فكري بهذا، تصوريه، تخيليه”.
لمح شحوبا يعلو وجهها، صفرةٍ. اطبقت شفتيها على بعض بقوة، لم تنظُر له.
من جانبه.. لم يستطع أن يضيف المزيد، نهضتْ، عضّت بقوة على شفتيها، بقوة حتى خُيل للراصد الكامن قبالتها عند طاولة المطبخ، أن الشفةَ السفلى توشكُ أن تُقضم.
وجلستْ ثانيةٍ..”لقد انتصرت… انتصرت” هتف في داخله وترجم هذا في الخارج بابتسامة صغيرة، سارع لطّيها بزم شفتيه مجدداً، أشعل سيجارة، ارتجفت أصابعه.
“هل تتكرم بقدح ماء رجاءٍ” قالت وقد بان في صوتها وضوحا جلياً.
ذهب الى البرّاد لجلب الماء، “شكراً ” قالت له وهي تتناول القدح بيد لم تعد راجفة.
“والأن؟” تساءل بتوتر ظاهر.
“بخصوص ماذا؟” قالت وقد عاد لشفتيها نور الابتسام.
“اللعنة.. جيردا، قولي شيئاً؟”
“بشأن ماذا؟” قالت وهي تنهض متوجهةً صوب المذياع. تململ في مكانه، أحمرّ وجهه، تملّكه غضبٌ هائل، أجتهد في أن يسيطر عليه.
“كلا، أنا المنتصر” همس لذاته “لا يمكن أن اسمح لها بسلبي هذا النصر.. لا يمكن إنها محطمةٌ الآن بلا شك”. لكن ماذا لو إنها لم تصدقْ، يا إلهي الرحيم، أيُعقلُ هذا، أيوجد امرأة لا تريد أن تصدق اعترافات زوجها؟”.
ادارت عجلة تشغيل المذياع، وضعته على قناة الموسيقى الكلاسيكية، ابتسمت حين كانت القطعة الموسيقية التي تذاع هي، أوبرا “إنترميسو” لشتراوس، وهي القطعة المحببة والتي لا تمُل من سماعها، ولا تكف المحطة ذاتها عن إذاعتها بشكل شبه يومي. أشرق وجهها مع إشراقة الموسيقى، أما هو فقد أفلَ النور من عينيه وغمره أسى بالغ.
بدأ خوفه يتنامى أكثر، اعتلجت في قلبه المخاوف من عدم التصديق “رباه.. إنها لا يمكن أن تصدق ما أقول.. هي قالتها بذاتها. بلسانها، بعيونها.. قالتها مرات عدّة، هي قالت” أنا لا أصدق ما يقوله لسانك، لأني أقرأ ما في عينيك، وأعرف أن اللسان يمكن أن يكذب، لكن العيون لا تكذب”…
“اللعنة أيمكن أن أمكث في مستنقع الكذب حتى أتعفن” فكر بصوت خافت. تسرب الهدوء ثانية الى نفسه.. لا بأس سأنتظر وأرى ما يكون ردها هذه المرة.
“كُنت أعرف في داخلي أن الحقيقة يجب أن تقال يوما، نعم، أدركت هذا، لأنه في الأساس، في صميم روحي كنت أريد الحقيقة، لكي أستريح، في كل مرة كنت فيها أكذب، كنت أندم.. يتملكني حزنٌ وخوف وخواء في داخلي.
كنت أعرف أن تواتر الكذب، تكراره المستمر، سيلتهم روحي من الداخل.. اللعنة” تابع التفكير المرعب المحبط في داخله.
نهض من مقعده، أقترب من النافذة، فتحها.. سحِبَ نفساً نقياً من هواء الخارج، أشعل سيجارة.. لحظات وإذْ بيد تستقر على كتفه، التفت.. نظر في عينيها، رفعت يديها الى رأسه، غرست أصابعها في شعره، سرحته بحنان بأصابعها الرقيقة.
“حبيبي… في كل مرة تأتيني بخبر مثل هذا، أنظر في عينيك…أعرف.. أنك….”
وأُسقِطَ في يده.. “لا جدوى.. لا جدوى “
أما هي فكانت كما كُلِ مرة.. هي المنتصرة أخيراً.

الترجمة عن النرويجية

  • انترمبسو = اللحن الفاصل.

قاص ومترجم عراقي، النرويج
kamilfahad@hotmail.com