“البذور الشريرة” قصة قصيرة للكاتب الياباني ماساتسوغو أونو: ترجمة خالد الجبيلي

 

Masatsugu Ono

خيّم هواء ثقيل فاتر على الساحل. منذ زمن بعيد، كان بإمكان أهل القرية التنبؤ بما سيكون عليه الطقس في اليوم التالي من خلال جلدهم فقط، وكان بوسع صيّادي السمك أن يشعروا في الهواء إن كان هناك شيء قادم من العالم الخارجي في طريقه إلى الشاطئ: عاصفة، أمطار غزيرة، أمطار عابرة، طائرة أمريكية من زمن الحرب، حياة جديدة تنبعث من ولادة امرأة، ملاك الموت يأتي أخيراً لينتزع روح رجل عجوز طريح الفراش. لكن تشيوكو يوشيدا لا تتذكر شيئاً من ذلك. وإذا كانت تعرف ماذا كان الطقس في ذلك اليوم، فلأنها ولدت عندما كان صدى ذلك الزمن لا يزال يتردد في الهواء. ولم يعد على أي شخص أن يلمس تشيوكو بأصابعه أو بشفتيه، لكنّها تستطيع أن تحسّ بأن الهواء أكثر حرارة وأكثر دبقاً بقليل من الجلد، على قفا رقبتها وتحت ذراعيها وبين ساقيها. قالت لنفسها: إنها ستعود، زهور الشرّ. لا زهرة أو زهرتان فقط، بل أزهار تكفي لتغطي أرضية المطبخ التي لا تصلها الشمس في شقّتها المكونة من غرفتين التي تملكها البلدية.
عندما كانت تشيوكو تشعر بأن الزهور قادمة، كان يخطر لها تايكو. وعندما تتذكر أنه ذهب، يرتجف جسدها.
تايكو، تايكو. كان هذا هو الاسم الذي أطلقه أهل القرية على الابن الوحيد لأسرة واتانابي والذي كان اسمه الحقيقي ماساكيمي. وكأن القرويين يكتبون فوق أحرف اسمه التي لم يتمكنوا من قراءتها جيداً، ثم يمحونها وكأنهم لم يرتكبوا أي خطأ أساساً. أما الآن، فلم تتمكن حتى تشيوكو من تذكر الأحرف التي تقبع تحت اسم تايكو.
عندما بلغت تشيوكو الخامسة والسبعين من عمرها، بدأت ركبتاها تؤلمانها وأصبحت تجد صعوبة في المشي، لكن بما أنها كانت تتوقّف بين حين وآخر، كان بإمكانها أن تصل إلى المخزن الوحيد في القرية الذي لا يزال يبيع مواد البقالية. كانت تسير إليه دون أن تستخدم المشاية الفضّية – وهي عبارة عن عربة تسوّق وكرسي معاً – تعتمد عليها معظم نساء القرية العجائز. وإذا احتاجت تشيوكو إلى شيء لم تجده في المخزن، كان ميتسو وكوجي واتانابي يشتريانه لها عندما يذهبان إلى مركز التسوّق الرئيسي في الضواحي. وكان لا يزال باستطاعتها أن تطبخ، وكانت لا تزال تستطيع المطابقة بين الأسماء والوجوه. لم تكن بحاجة إلى مساعدة أحد، لا، بل كانت بحاجة إلى المساعدة في أمر واحد فقط: قبر أسرتها. فقد كانت قادرة على الذهاب إلى مقبرة المحاربين القدامى حيث يرقد شقيقها، بينما تقبع المقبرة العامة على تلّ يطل على الخليج. لكن صعود درج المعبد يسبب لها ألماً شديداً. وطوال سنة كاملة، ظل تايكو يعتني صباح كل يوم بقبر أسرة تشيوكو. ربما لهذا السبب بدأت تشيوكو تأتي باستمرار إلى مركز القرية بمناسبة يوم المسنين. فقد كانت ميتسو واتانابي، أمّ تايكو، تعمل في المركز، وكانت تطلب منها دائماً أن تذهب إلى المركز، فأصبحت تذهب لكي تدخل السعادة إلى نفسها.
وبتشجيع من العاملين في المركز، كانت تشيوكو تمارس بعض التمارين الرياضية مع أشخاص آخرين لوقف زحف الشيخوخة، وكانوا يغنّون ويلعبون بعض الألعاب. كان أحدهم يلمس الآخر. وكانت تشيوكو تنفجر ضحكاً فوراً، وعندما كانت تضحك، كان شيئاً أشبه بالدموع يترقرق في عينيها، كأن الزمن قد عاد إلى الماضي. إن الزمن شيء فظيع. إنه يمحو الجميع. كانت تلك النسوة قد قلن أشياء فظيعة عن تشيوكو في الماضي. ألم تعد تبالي بذلك؟ وقد بدا أن النساء السعيدات اللاتي يتحلّقن حول تشيوكو لم يكنّ يكرهنها قط. هل ستنسى تشيوكو كلّ تلك المرارة؟ هل عليها أن تكرههن أكثر، مع أن باستطاعتها أن تكرههن؟ أصبحت تشيوكو والنساء الأخريات يشكلن دائرة الآن، يمسكن بأيدي بعضهن المتغضنة المبقعة، كأن تشيوكو قد تحولت إلى شخص آخر مختلف تماماً عن تلك الشابّة التي كانت ذات يوم.
بدأت تبدو مختلفة كثيراً الآن. فقد كانت نحيلة ومتغضنة مثل سمكة سردين مجفّفة، وعقدت شعرها الأبيض الذي يشبه أسلاكاً والذي تساقط معظمه، إلى الوراء. وكانت عيناها المنتفختان تبدوان تحت جبهتها الضيّقة مستاءتين من كلّ شيء قد رأتاه. وكان سيخيّل إليك بأنها لن تفاجئ عندما أصبح تايكو رجلاً في متوسط العمر، لكنّها فوجئت حقاً. فقد خفّ شعره بشكل غير منتظم، كأن بعض الشعيرات قد اقتلعت من بقع معينة في رأسه، ولوّحت الشمس وجهه كثيراً فأصبح يصعب تبيّن ملامحه الرقيقة. وكان من الواضح أن نظارته ذات الإطار المعدني هي نفس النظارة التي كان يضعها منذ فترة طويلة. كان ذلك الصبي الذي يمشي بخطوات أبطأ من الآخرين، ويتكلّم ببطء أكثر من الآخرين. وقد سبّب ذلك قلقاً كبيراً لوالديه الشابين، ميتسو وكوجي. ولم يكن عريض الصدر مثل بقية الرجال، وكانت ذراعاه نحيلتين، أما بطنه فكانت ممتلئة.
عندما أنهى تايكو دراسته الإعدادية، بدأ يعمل عاملاً مع أبيه في شركة بناء محليّة. وعندما أنهت الشركة أعمالها، وجدا عملاً في مركز تكرير النفايات. وعندما ساءت ظروف العمل، فقدا عملهما أيضاً. كان كوجي أكثر اهتماماً بالعمل مع ابنه من اهتمامه في الحصول على راتب جيد، لكنه لم يجد عملاً آخر يرغب في أن يشغلهما معاً. كان تايكو لا يزال في منتصف الأربعينات من العمر. كانت تشيوكو تعرف أن هذا ما يجري، فأرادت أن تشكر تايكو على رعايته للقبر. لذلك كانت تضع كلّ شهر ألفي ينّ في مغلف بني اللون وتكتب عليه عبارة اشتر حلوى، وتضعه في صندوق بريد أسرة واتانابي. لكن تايكو لم يلمس النقود قط، وكذلك والديه. وفي أحد الأيام، عادت ميتسو إلى البيت فوجدت تشيوكو واقفة هناك، تحمل بيدها مغلفاً. قاومت ميتسو عندما دست تشيوكو المغلف المجعّد بقوة في راحة يدها. لا، احتفظي به. إنه لا يفعل ذلك من أجل هذا، إنه يحاول أن يساعد فقط طالما لا يوجد لديه عمل الآن، قالت ميتسو. من الجيد أن يكون لديه شيء يفعله، قالت تشيوكو. ثمّ قالت ميتسو بزلّة لسان: ما دمنا نحن هنا فإنه سيكون على ما يرام ، لكن ماذا سيحدث له عندما نموت؟ ابتسمت ميتسو، ربما لتخفف من حدة ما قالته. كانت ابتسامتها تشبه زهرة جميلة لكنها حزينة. أرادت تشيوكو أن تقول: لا بأس. سأعتني به أنا، لكنها بدلاً من أن تقول ذلك، ضحكت. كانت تقارب الثمانين، وليس من المحتمل أن تعيش أكثر من ميتسو. ما المشكلة يا تشيوكو، قالت ميتسو. لا تبك. ظنت تشيوكو أنّها تضحك. غطّت عينيها بيديها. كانت ميتسو قلقة لأن يصبح تايكو عبئاً على الآخرين إذا ماتت هي وكوجي، لكن تشيوكو كانت تفكّر بشيء آخر الآن: من سيعتني بالقبر إذا لم يكن تايكو موجوداً؟ من سيقتلع زهور الشرّ إذا لم يكن تايكو هنا؟
لا تبك يا تشيوكو، قالت ميتسو.
تايكو. لم تكن تشيوكو تستطيع عدم مناداته كلما رأته. لم يكن صوت تشيوكو واضحاً كما كان في السابق، ولم يعد الرجل الذي يحمل ذلك الاسم ذلك الصبي الحليق الوجه الذي كان ذات يوم، لكن الاسم ظل نفس الاسم، ولم يتقدم في السن، ولم يتغيّر كأنه كان يرفض الزمن نفسه. وشعرت تشيوكو بأنه لا بد أن يكون هناك تايكو آخر في مكان ما، لكنها لم تكن تعرف أين. لكنه لم يكن يشبه ذلك الرجل المتوسط العمر الذي يمشي مترنحاً على الدرب الصلب الضيّق المفضي إلى المقبرة -تايكو الذي يستحق هذا الاسم. وحتى لو أنهم لم يكونوا يعرفون ذلك، عندما كان أهل القرية ينادون تايكو، تايكو، فقد كانوا ينادون شخصاً آخر، شخصاً سليماً. كانوا ينادون تايكو، تايكو، تلك الكلمة التي تشبه جوهرة لم يصبها سوء مهما لاكتها أفواههم. لم يكن أهل القرية محقّين في أمور كثيرة، لكنّهم كانوا محقّين بشأنه، حتى كان على تشيوكو أن تعترف بذلك.
الآنسة تشيو، قال تايكو لتشيوكو. كانت منحنية تقتلع الأعشاب في الحقل الصغير المستأجر بجانب المدرسة الابتدائية. كان في ذلك اليوم، كما كان في السابق. لم تر أيّ شيء مختلف فيه. كان يمشي كأن جرواً ينبش بساقيه ويرفع يديه إلى الأعلى، كأن طيوراً صغيرة ستنقضّ من السماء لتلتقط بذرة، وكان وجهه يبدو كما لو أنه ابتلع ملعقة من دواء مرّ المذاق. إنه ذاته دائماً. ساقاه، يداه، وجهه – كلها ثقيلة على تايكو؟ لماذا؟ لأنه يتساءل عن العالم حوله. كانت تلك الصدمة التي تبهت عادة مع مرور الزمن على هذه الأرض، لا تزال ترتسم على وجه تايكو.
ثمّ كان يوماً مختلفاً. ومن الحقل الذي يزرع فيه القرويّون القلقاس والبطاطا الحلوة، رأت تشيوكو شخصاً يجلس وحيداً على الدرجات الخرسانية المكسوة بالأشنة التي تؤدي إلى مقبرة المحاربين القدماء.
لم تتذكر تشيوكو متى كان ذلك. ربما كان ذلك الرجل الذي رأته يمشي، ثمّ جلس فجأة – يكاد يكون مقرفصاً – في أعلى تلك الدرجات الثلاث القديمة، هو ذات الرجل الذي أُرسل من القرية ليقاتل في الحرب ثم يموت. لعله شقيق تشيوكو. أما الرجل الجالس لا يأتي بحركة – كان يبدو أنه يتألّم، أو أنه منهك، أو ربما كان مصاباً بدوار – فقد كان نحيلاً أكثر من شقيقها الذي كان يتضور جوعاً ومات من الملاريا في جزيرة مينداناو. لا، كان ذلك واضحاً. حتى أنها لم تكن بحاجة إلى أن تحاول أن تتذكر وجه شقيقها في الصورة بالأبيض والأسود المحاطة بإطار والمعلقة في أعلى جدار بيتها. إنه تايكو. لكن تشيوكو لم يسبق لها أن رأته جالساً وصامتاً هكذا. حتى عندما كان يقف، لم تكن يداه تتحركان باستمرار. كان يسير بطريقة خرقاء، لكن كان يسير الآن بخطوات أسرع. لم تره قط يخفض رأسه من الألم. وكعادته كان اندهاشه بالعالم يحوم حوله، لا يدعه، لكنه لم يكن يترك وراءه آثاره المعتادة من البراءة. لم تكن الآن سوى أفعى متلهفة لالتهام فريستها. لو ابتلعت تايكو بكامله، فهل سيصبح حرّاً؟ إلى أين ستأخذه؟ إلى عالم آخر؟
لا تقلقي، سمعت تشيوكو تايكو يقول لها. عادت إلى نفسها، لكن إلى أين؟ إلى أيّ عالم؟ إلى هذا العالم أم إلى العالم الذي يأخذها تايكو إليه؟ أحسّت بأنها ضاعت بين هذين العالمين.
لا تقلقي. أراح صوته تشيوكو. لم تعد قلقة الآن. لا، لم تعد قلقة على وضع تايكو، بل قلقة من أجل شيء آخر.
لا تقلقي، قال، لقد غيّرتُ الماء.
في ذلك اليوم، مثل كلّ يوم، كان تايكو يذهب لزيارة القبر من أجلها، يغيّر الماء حول غصن شيكيمي في الإناء المتصل بقطعة الحجر.
شكراً، لا أعرف ماذا أفعل من دونك، قالت تشيوكو.
لوّح تايكو بيده كأنه يقول لستِ بحاجة لأن تشكريني. هل كانت تلك ابتسامة خجولة على وجهه، يلوي فمه هكذا؟ كان يهمّ بالمغادرة عندما نادت تشيوكو اسمه. حرك كتفيه، التفت نحوها.
لقد عادت تلك… الزهور.
أطلق تايكو نَفَسَاً. ارتعش وجهه مثل زهرة التهمت الحشرات نصفها.
حسناً، سأعود لاحقاً.
هذا يعني الكثير بالنسبة لي، قالت تشيوكو.
لا أعرف إن كنت أستطيع أن أجلبها كلّها يا آنسة تشيو، لوى تايكو وجهه معتذراً. مهما اقتلعت منها فإنها تعود وتنمو باستمرار.
أعرف، أعرف، قالت تشيوكو وهي تهز رأسها. أشعر بالسعادة إذا أخذتَ ما تستطيع. سأنتظرك.
حسنا، سأعود لاحقاً.
كان هذا ما قاله، لكنّه لم يأت. انتظرت تشيوكو طويلاً، لكنّه لم يعد قط. كانت تلك آخر مرّة رأت فيها تايكو. متى كان ذلك؟
عندما ولد تايكو، كانت تشيوكو تعمل مشرفة في المدرسة الابتدائية. وبالرغم من أن المدرسة قد أُغلقت، يوجد فيها حالياً قاعة درس واحدة لكلّ صف دراسي. وفي جميع الصفوف الستّة، لم يكن عدد الطلاب يتجاوز المائة. كانت تشيوكو قد أُعطيت طاولة صغيرة وكرسياً في زاوية غرفة المدرسين. في الصيف كانت تعدّ شاي الشعير في إبريق شاي كبير، وفي الشتاء كانت تعدّ الشاي الأخضر. وكان تنظيف قاعات الدروس والممرات يقع على عاتق الطلاب، وكانت تشيوكو مسؤولة عن ترتيب غرفة المدرسين.
كانت المدرسة عبارة عن مبنى قديم بطابق واحد، ومع أنها تقع في الطرف الجنوبي الدافئ من أويتا، فقد كانت تهب عليها في الشتاء رياح شمالية باردة تتسرب عبر شقوق النوافذ ذات الأشرطة اللاصقة. كانت الريح تتسلل من جميع الجهات. وفي أحد الأيام، كان بعض الأطفال يجثون على ركبهم وأيديهم في الممر، يلصقون وجوههم بالأرض. كانوا كأنهم ينصتون إلى خطوات بعيدة أو أنهم كانوا يصلون صلاة ما. سينسي، قال أحد الأطفال، عندما رفع وجهه عن الأرض ونظر إلى تشيوكو: الريح الباردة تهبّ من هنا. من أين تأتي؟ سألت تشيوكو وقرفصت بجانب الأطفال، ووضعت يدها على الشق الفاصل بين ألواح أرضية الممر. فأحسّت بالهواء المتجمّد، ثمّ رفعت عينيها ونظرت إلى الأطفال. لقد أحسستِ بها، أليس كذلك يا سنسي؟ ردّدت أصواتهم المبتهجة بصوت مرتفع.
كان الأطفال يعرفون أن بعض الأساتذة في المدرسة لا يحبون أن تُنادى تشيوكو باسم سنسي، لأنه لا يوجد سبب لمناداة مشرفة بهذه العبارة. لكن لم يكن هناك أحد جدير بهذا اللقب أكثر منها. وظل الأطفال ينادونها “سنسي”. بالطبع، لم تكن تشيوكو تطلب منهم أن ينادونها بهذا اللقب، ومن الأفضل ألاّ يفعلوا ذلك.
بعد أن طُلقت، عادت تشيوكو إلى القرية لتعيش وحدها في شقّتها التي تمتلكها البلدية. مات والدها وهي لا تزال في بطن أمّها، ثم مرضت أمّها وماتت عندما كانت تشيوكو صغيرة. وقد ربتها جدتها هي وشقيقها الذي كان لا يزال في الرابعة من العمر. وقد أُخذ شقيقها الذي كان يعمل صيّاد سمك إلى الجيش وقُتل في الفلبين قبل أن تنتهي الحرب بشهر واحد. وعندما كانت تشيوكو في التاسعة عشرة، تزوّجت رجلاً اختاره لها جدّها. كان الرجل يكبرها باثنتي عشرة سنة، وكان يعيش في القرية القريبة من قريتها، وبالرغم من ذلك، فلم يكن هناك طريق يصل بين القريتين، وكان القارب الوسيلة الوحيدة للانتقال من قرية إلى أخرى. وعاشت تشيوكو مع زوجها لمدّة سنة، سنتين، ثلاث سنوات، لكنّها لم تحمل. كان زوجها يعاملها معاملة جيدة، لكن بعد سبع سنوات من الزواج بلا أطفال، حثّته أمّه على أن يطلّق تشيوكو. كان ابنها البكر، وكانت العائلة بحاجة إلى وريث، ولم تكن بحاجة إلى امرأة لا تنجب أطفالاً. في الواقع، كانت تشيوكو زوجته الثانية، وشأن تشيوكو، فإن زوجته الأولى – التي كانت تشيوكو تعرفها باسم تومي فقط – لم تنجب له طفلاً أيضاً، ومثل تشيوكو فقد طُلّقت. لا، كانت تشيوكو مثلها، لا العكس. كانت مثل هذه الأفكار تزعج تشيوكو. فعندما طُلّقت تومي، عادت إلى بيتها في ذات القرية، وكانت تشيوكو تصادفها في الطريق أحياناً خلال أيام زواجها الأولى. كانت تشيوكو ترى أن هذا الأمر فظيع. ربما كانت تومي تجعلها تشعر بالذنب، وربما لهذا السبب لم تحبل. كانت تشيوكو ترتجف وتدرك أن في داخلها مرارة. وكانت السؤال: ماذا لو وضعت تلك المرأة لعنة عليّ؟ يراودها ويغمر قلبها مثل سائل دبق داكن، وكان يخيّل إلى تشيوكو بأن هذا السائل لا بد أنه يصدر من نفس المكان الذي يقبع بين ساقيها والذي بلّل، في بداية زواجها، أصابع زوجها ولسانه لكنه جفّ عندما لم توقف عن حبّها. ربما كانت تلك الأفكار الدبقة المظلمة عن تومي هي التي قتلت بذرة زوجها. ومثل زوجته الأولى، لم تنجب تشيوكو طفلاً، لذلك لم تكن أسرة زوجها بحاجة إليها. إن فكرة أن تسير على خطى تومي أثارت فزع تشيوكو. ففي أحد الأيام، ذهبت تومي إلى الغابة وراء بيت أهلها وشنقت نفسها. هل ستنتحر تشيوكو أيضاً؟ عندما عادت إلى قريتها ووجدت عملاً كمشرفة، قالت لنفسها: أنا أموت؟ لماذا يجب أن أموت؟ لم يكن القرويون يعرفون شيئاً عن انتحار تومي، لكنّهم ظلوا ينحون باللائمة على تشيوكو. كان بإمكانها أن تشعر بها طوال الوقت وتراها بوضوح شديد في بريق العيون المفترسة التي ترمقها عندما كانت تلتفت بسرعة.
لن أموت. لن أنتحر. تركت تشيوكو تلك الكلمات تجول في رأسها، مع أن الأطفال المتحلقين حولها الذين كانوا يصيحون سانسي، سانسي، لا يعرفون أن هذه الأفكار تجول في رأسها، وكانوا أيضاً لا يعرفون، عندما كانوا جاثين على الأرض وأخبروا تشيوكو عن الريح الباردة – والرائحة المقززة المنبعثة من قطّة نافقة كانت قد زحفت تحت المدرسة ونفقت هناك – أنّهم أول من أراها تلك الزهرة. وعندما أخذ الأطفال ضحكاتهم وأصواتهم الصاخبة معهم إلى بيوتهم، وعاد جميع المعلمين إلى بيوتهم وإلى وأسرهم، انحنت تشيوكو على الأرضية المتربة عند مدخل المدرسة وراحت تنظر عبر الشقوق. رأت زهرة هناك. بدت مثل قرنفلة صفراء، ثم بدت مثل وردة اليابان الأرجوانية، ثم تحولت إلى زهرة منغوليا بيضاء مائلة إلى اللون الوردي. كانت ألوانها تبدو أحياناً براقة وقوية مثل الأزهار التي لم ترها إلاّ في الكتب المصورة، ذلك النوع من الأزهار التي تنمو على الدوام في الغابات الاستوائية الغريبة. ومنذ ذلك الحين، بدأت الزهرة تتخذ أشكال وألوان عديدة، لكنّها كانت تعرفها كلما رأتها. وفي أي مكان كانت تراها، كانت تشعر بدفء يغمرها ويغلّف أعضاءها الحميمة.
عاشت تشيوكو، وبعد أن ماتت تومي، مات زوجها السابق. لم تكن تشيوكو تعرف الكثير عن ذلك، ولم تكن تريد أن تعرف. قالوا جميعاً أنه انتحر، وترك أمّه العجوز النحيلة التي تعقد شعرها إلى الخلف. شعرت تشيوكو بالأسف عليها. كانت تلك المرأة العجوز تنتمي إلى سلالة طويلة من النساء اللاتي يعملن في الطبّ، وكانت تقطف النباتات من الجبال لمعالجة التواءات المفاصل والأمراض الجلدية التي تصيب القرويّين. وعندما تجد إحدى الأمهات صعوبة في الشفاء بسرعة بعد أن تلد، كانت تحضر لها دواء خاصاً وترتيلة. كان يخيّل إلى تشيوكو أن نظرة تلك المرأة المعالجة العابسة مثبّتة عليها – لكنّها لم تكن كذلك، بل كانت تتجه إلى مكان بعيد. حتى أن حماة تشيوكو لا تنظر إلى امرأة لا تنجب أطفالاً، وكانت تشيوكو تبلل وسادتها بالدموع بعد أن تشعر بالرطوبة بين ساقيها وتطارد زوجها بيأس. عرفت تشيوكو الآن إلى أين تنظر المرأة العجوز. إنها تنظر إلى وراء موتها، إلى عشرات السنين في المستقبل، إلى امرأة عاقر تتشبث بالحياة بعناد. كانت تشيوكو تعرف ذلك عندما تنظر في المرآة. كان شعرها الأبيض كله معقوداً إلى الخلف، عيناها متورمتان، وتجاعيد عميقة تملأ طرفي فمها – وفي انعكاس صورتها، كانت تشيوكو ترى المرأة العجوز، وكانت المرأة العجوز ترى تشيوكو. كانت هاتان العينان المنتفختان تندهشان عندما تريان تشيوكو لا تزال حية، ومنذ ذلك الحين، أصبحت تشيوكو تخاف أن تنظر في المرآة.
بعد أن مات زوجها، لم تعد تشيوكو تستحق لقب سنسي. لا، فقد جعلها أهل القرية تصبح هكذا. فقد كانوا يروون أن تشيوكو سرقت زوجها ودفعتها إلى الانتحار. لقد دفنت الإشاعات جذورها الملتوية في عقول القرويّين، وحولوا تشيوكو إلى شيطانة مهووسة بالجنس، دفعت زوجها إلى حافة اليأس ثم إلى الموت. عندما كانت عروساً شابة، فتحت ساقيها لرجال أصغر سناً من زوجها بكثير، وقد حبلّها أحدهم، فذهبت إلى حماتها وطلبت إعطائها شيئاً تتخلّص بواسطته من الطفل غير الشرعي، وعندها أصبحت عاقراً، وأصبح الرجال أكثر سعادة لأنها لم تعد تستطيع أن تحبل، واستمروا في لقائها حتى اضطرت أخيراً إلى العودة إلى قريتها كامرأة ساقطة. كانت تعرف كلّ القصص التي يرويها القرويون لأحدهم الآخر عنها. وما كان يقلق تشيوكو هو أنها عندما كانت تنظر في المرآة، كان انعكاسها يقول لها ذات الشيء. كانت تشيوكو تلتفت فترى وراءها زهرة صغيرة في المطبخ، بجانب الثلاجة، وراء كيس الرز البني.
كانت تلك الزهرة، ذات الزهرة، لكنّها لم تكن هي ذاتها. إنها زهرة الشرّ، قالت لنفسها. كان ذلك اسم الزهرة. لعل الزهرة أطلقت غبار الطلع في الهواء، وأطلقت أيضاً شيئاً غير مرئي في داخل تشيوكو. نعم، لقد استيقظ شيء ما في رحمها، لكنّها لم تشعر بتلك الرغبة القذرة القديمة في أن تفرك فخذها بفخذها الأخرى. مجرد حنين جعل عينيها تمتلأ بالدموع.
جففت تشيوكو دموعها ورفعت رأسها. لقد عاد العالم المضطرب من حولها كما كان من قبل، وهو أن تايكو لم يعد بعد. وقفت تشيوكو في باحة منزل واتانابي حيث توجد فيه حظيرة وحديقة يزرعون فيها الكرّاث والباذنجان والقرع في صفوف صغيرة جميلة، وكان يوجد بجانب الحظيرة كرسي قابل للطيّ يكسوه صدأ شديد بما كان كوجي قد انتشله من كومة قمامة. فتحت تشيوكو الكرسي، وجلست في الظلّ. لا بدّ أنها غطت في النوم. لم تكن قد رأت تايكو منذ أكثر من شهر. ساور تشيوكو القلق، فسارت إلى بيت واتانابي. لم يكن تايكو فقط غير موجود، بل ميتسو وكوجي أيضاً. لم يكن يوجد أحد في البيت. تساءلت تشيوكو هل كان ذلك بسببها، وهل سبب غيابهم لأنها طلبت منه أن يعتني بالزهور. هل حذّرته بأسلوب لطيف؟ قال لها تايكو: حسناً، لقد فهمت. وحتى لو لم يكن قد فهم جيداً، فقد قال إنه فهم. حسناً، حسناً، قال وهو مشغول في اقتلاع العناقيد الحمراء والوردية التي نمت خلف خزانتها الرخيصة الثمن. كان قد وضع الأزهار – التويجات والأوراق وقصاصات الجذوع والجذور – في كيس تقدمه البلدية. لم يكن تايكو يجيد أي عمل بيديه، فلم يتمكن من ربط الكيس بإحكام. قال لتشيوكو إنه سيأخذ الكيس معه، كما لو أنه لا يزال يعمل في مركز تكرير النفايات. اعترت تشيوكو رغبة في البكاء. تناثرت بعض أجزاء الأزهار من الكيس عندما كان يغادر. ضمت يديها بإحكام وراحت تراقبه وهو يغادر. ربما سال قليل من عصارة الأزهار على يديه وهو يقتلع الأعشاب. ماذا لو كانت تلك العصارة سمّاً؟ لقد لامتها حماة تشيوكو. إنه خطأك. لو حدث له شيء، فالذنب ذنبك. لم تعلّمها حماتها تشيوكو شيئاً عن السحر. لم تقبلها قط. ذهبت تشيوكو إلى المركز الاجتماعي في يوم المسنين تبحث عن ميتسو، لكنّها لم تجدها. سمعت بأنّها مريضة، قال أحدهم بصوت خفيض. وقال آخر: ميتسو؟ لا، إنه تايكو؟ إنه في مستشفى الجامعة في أويتا. ويقيم كوجي وميتسو في فندق قريب من المستشفى ليكونا قريبين منه.
منذ ذلك الحين، بدأت تشيوكو تذهب إلى بيت واتانابي كلّ يوم تقريباً، تحمل بيدها مغلفاً أبيض في داخله ورقة نقدية جديدة من فئة ألف ينّ كتبت عليه “كن بخير”. كانت تجلس في الكرسي وتنتظر ميتسو أو كوجي حتى يعودا إلى البيت. كانت تغط في النوم. وعندما تستيقظ، كانت تأمل عبثاً بأنّ يكون كلّ ذلك مجرد حلم. كان يخيم فوق القرية هواء فاتر ثقيل، لكن تشيوكو لم تعرف أن هذا يعني ينذر بهبوب عاصفة، لذلك افتقدت كوجي عندما عاد إلى البيت ليجهز عاصفة البيت. كانت تعرف فقط أن أحداً كان هناك عندما رأت البيت مغلقاً في اليوم التالي. كان المغلف الذي تحمله تشيوكو في يدها مجعّداً، وقد سال حبر حروف عبارة كن بخير بماء المطر. لم يكن أحد قد ذهب إلى المقبرة منذ أمد بعيد. ربما تطايرت أوراق شجرة ساكاكي على القبور، لكن ليس هناك أحد يمكن أن ينظفها. لماذا لم يفعل أسلافها شيئاً لحمايته؟ كان طيباً تجاههم على الدوام. لقد أغضبها ذلك فشدت يدها على المغلف المبلل بقوة أكثر.

طوت تشيوكو الكرسي وسارت إلى البيت. مشت صعوداً في الطريق المحاذي لحاجز الأمواج. لم تكن المسافة تزيد على مائة متر، لكنه بدا بعيداً. التفّ الهواء حول تشيوكو، ربما كان ذلك أمراً مألوفاً أيضاً. بينما ملأت كلّ الأحزان الهواء حولها حتى أضحى حاراً ودبقاً. لم ارغب في أن تعود إلى البيت. فقد كانت تعرف ماذا بانتظارها. سارت في الدرب وعبرت حاجز الأمواج إلى الرصيف. جثت على يديها وركبتيها وراحت تنظر إلى الماء. لم يعد يهمها الآن إن كانت المرأة التي تحدّق فيها من الماء هي تشيوكو أم حماتها. لم يعد يهمها إن كانت جميع الصخور القابعة في قاع المحيط مكسوة بزهور الشرّ. عندما نظرت إلى الماء، رأت مطبخها منعكساً في السماء خلفها. كانت زهرة بيضاء صغيرة تتمايل وراء كيس الرزّ بجانب الثلاجة، وفي بالوعة المغسلة رأت زهرة لها خمس تويجات حمر. كانت مغلقة بإحكام، كأنها تتأمّل. زهور صفراء تتساقط من خزانة مفتوحة. تضرعت تشيوكو بأن تأتي يدّ وتوقف تمايل الزهور، وإذا جاءت فإنها ستمسك بتلك اليد وتقول: توقّفي، يمكنك أن تتوقّفي الآن. لم تكن تشيوكو تعرف مزاولة أيّ سحر. كان كلّ ما بإمكانها أن تفعله هو أن تنادي اسمه، وقالت لنفسها أنها إذا ذكرت الاسم الذي لا يستطيع حتى الزمن أن يغيّره، فإن ذلك قد يعيد تايكو آخر، تايكو لا يشبه تايكو الذي تعرفه. ربما تايكو رائع يشبه جوهرة، أو ربما تايكو فيه عيوب أكثر مما لدى تايكو السابق. لماذا عليها أن تكترث بهذا أو بذاك، إذا عاد؟ تايكو، تايكو، تايكو … تضم الزهور التي لم تتوقّف عن المجيء، نادت تشيوكو اسمه مرات ومرات وراحت تراقبها وهي تتموّج في الماء الداكن في الأسفل.

هذه القصة نشرت بالانكليزية في مجلة غرانتا
granta.com

ماساتسوغو أونو (مواليد 1970) استاذ وباحث جامعي في مادة الادب الفرنكوفوني. درس اونو في جامعة طوكيو وحاز على شهادة الدكتوراه من جامعة باريس الثامنة. نالت روايته الاولى “قبر مغطى بالماء” بجائزة اساهي للكتاب الجدد ونالت روايته “مركب في خليج عاصف” جائزة ميشيما يوكيو وفيها يتناول الكريول- تلك اللغات والثقافات التي تولد من اختلاط سكان البلاد الاصليين بثقافة اجنبية. وبالأضافة الى أعماله الروائية مثل “عند حافة الغابة” و«ميكروباص”، نشر أونو ترجمات لبعض من أعمال ادوارد غليسانت وماري ندياي. في اوكتوبر (تشرين الأول) حصل على أرفع جائزة أدبية في اليابان وهي أكوتاغاوا.

 

خالد الجبيلي، مترجم سوري يقيم في اميركا
khaljbaili53@gmail.com