“ماكياتو بالزعتر” قصة قصيرة للكاتب الليبي محمد العنيزي

 

أنا رومانسي جدا. أحلم وعيناي مفتوحتان. أتخيل كل مساء نجمة تشير إلي من بعيد. وأزور مدينة بيضاء اللون أسميها مدينة السلام. كلما وصلت إلى مشارفها لاحت من البعد مآذنها. وأحلم بأناس طيبين. يسألونني عن أحوالي. يزرعون في قلبي كلمات من نور. ويطمئنون نفسي. فيغمرني برد وسلام دائمان.
أتصور أن القمر وجه رجل أبيض. ينظر إلي من أعلى السحاب. دون أن يغمض عينيه. فيبعد عني الأشباح التي تزعج منامي.
أقف أمام بوابة خيالي المشرعة. وأنادي امرأة تشبه بطلة في رواية عالمية. كتبها روائي مشهور. ونال بها جائزة نوبل للآداب. إسمها وردة أو فلة أو ريحانة. أو أي اسم آخر لرائحة طيبة تنعش الروح. وشفرة الدخول إلى قلبها كلمة وطن. افتح الشفرة. تفتح بوابة قلبها. أحبها بكل كياني. فتتشبث بي. وتمسك معي عجلة الزمن حتى لحظة موتي. فأشعر أنني نبتة مروية. وأنني نشوان بالحب حتى الثمالة.
ومنذ زمن يبعد عن يومي هذا مسافة تقدر بثلاثة دواوين من الشعر. ومجموعة
قصصية. ورواية واقعية. قررت أن أطرد من قلبي كل شيطان يوسوس لي بارتكاب فعل الحب. وقلت لنفسي ليس مهما أن أعشق. المهم أن أعثر ذات يوم على العالم خارجا من حفلة تنكرية. ورحت أدخن السيجارة والنارجيلة والمارجوانا. وأشرب الشاي والقهوة والنبيذ والكونياك. وكنت دائما أتصور أن العالم حانة صغيرة مليئة بالسكيرين والحثالات والسماسرة والعاهرات. وأعبث بالجدية. وأتمرد كمراهق. وأرتكب بعض الحماقات التي ينكرها الآخرون علي.
لاأريد أن أعكر صفو أحلام يقظتي. أريد أن أمرح في فضاء عزوبيتي. أقسمت لأمي. وحلفت لأبي. لاأرغب في الدخول إلى قفص مطلي بالذهب. لاأحب الأقفاص. أنا لست دجاجة أوعصفورا. أريد أن أبقى طليقا.
أبي وأمي أصرا على تزويجي. أبي ألقى أمامي حزمة من نصائح مألوفة. وأمي دعت لي بالخير والصلاح. لاأريد أن يغضب مني أبي أو أمي. وافقتهما الرأي.
أبي دعا جدي. وأمي دعت أباها. اجتمع الجدان. وتبادلا الحديث. كانت عينا جدي القادم من الجبل تعكسان المحراث القديم. والطرق الترابية المؤدية إلى القرية. حدقت فيهما. رحلت عبر الطرق الترابية. فقادتني إلى الماء الطالع من الآبار. شربت وارتويت. حتى صرت أنطق بعبارات بها إمالة من لهجة البدو. وفاحت مني رائحة البطوم والزعتر وإكليل الجبل. التفت إلي جدي القاطن في المدينة. كان يرتدي جاكتة أنيقة. ويضع نظارة شمسية على عينيه. قال لي مبتسما:
ــ سأزوجك بفتاة من المدينة. ناعمة ومنعمة. تمنحك الدفء. وتصنع لك البسبوسة. وتعدل مزاجك بفنجان كابتشينو في المساء. وتنجب لك أولادا يلعبون بأصابعهم على أزرار الحاسوب

ونهض جدي القادم من الجبل واقفا. يلف عمامته حول رأسه. ومن صدره الكثيف الشعر تفوح رائحة حشائش الجبل. وقال بلهجة فيها إمالة :
ــ سأزوج حفيدي هذا من فتاة بدوية. حمرة خديها من لفحات شمس الغابة. وسوادعينيها من ليل الحقول. تمنحه الدفء وصحن الحساء بالزعتر. ولادة وتنجب له أولادا يحرثون الأرض.

اختلف الجدان في الرأي. أقسم جدي القادم من الجبل بأغلظ الأيمان. وأقسم جدي القاطن في المدينة متمسكا برأيه. وإرضاء لرغبة الجدين. تزوجت من امرأتين انجبتا لي دستة أبناء وبنات. وصرت إنسانا مشطورا. رأسي من الجبل. وقدماي من المدينة. كانت تفوح مني رائحة الزعتر والبطوم وإكليل الجبل. فيما تقودني قدماي إلى مقاهي الماكياتو والإنترنت.

 

ليبيا
lannaizy@gmail.com