فصلان من رواية “الأصل” للكاتب دان براون: صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون

 

الأصل
ORIGIN
بيلباو إسبانيا
يصل روبرت لانغدون أستاذ هارفارد في علم الرموز إلى متحف غوغنهام للفن الحديث في بيلباو لحضور إعلان كبير سيتم فيه كشف النقاب عن اكتشاف “سيغير وجه العالم إلى الأبد”. أمّا مضيف ذلك الحدث فهو إدموند كيرش، الملياردير والعالم المستقبلي البالغ من العمر أربعين عاماً والذي جعلت منه ابتكاراته وتوقعاته الجريئة في مجال التكنولوجيا الفائقة شخصية عالمية شهيرة ينوي كيرش، الذي كان من أوائل طلّاب لانغدون في هارفارد قبل عقدين من الزمن، الكشف عن اختراق علمي مذهل. سيجيب عن سؤالين من الأسئلة الأساسية للإنسان.
مع بدء الأمسية، يستغرق لانغدون وبقية الضيوف البالغ عددهم بضع مئات في عرض رائع سرعان ما يدرك لانغدون أنّه سيكون أكثر إثارة للجدل ممّا تخيل بكثير لكنّ الحدث المنظم بدقة بالغة يغرق فجأة في حالة من الفوضى ويصبح اكتشاف كيرش الثمين على شفير الضياع إلى الأبد. في أعقاب ذلك، يواجه لانغدون تهديدات خطرة تجبره على الفرار من بيلباو، ومعه أميرا فيدال، مديرة المتحف الأنيقة التي كانت تتعاون مع كيرش للتحضير لذلك الحدث الاستفزازي معاً. يفران إلى برشلونة في بحث عن كلمة سرّ مشفّرة من شأنها أن تكشف سرّ كيرش.
ينتقل لانغدون وفيدال في الممرات المظلمة للتاريخ المخفي والمعتقدات المتطرفة هرباً من عدوٍ يائس يبدو أن سلطته تنبع من القصر الملكي الإسباني نفسه. ولن يردعه رادع لإسكات إدموند كيرش على طريق محفوف بالفن الحديث والرموز الغامضة. يكشف لانغدون وفيدال أدلّة ستضعهما في نهاية المطاف وجهاً لوجه أمام اكتشاف كيرش المذهل. والحقيقة المدهشة التي لطالما غابت عنّا.
“الأصل” من أكثر روايات دان براون تشويقاً ومتعة. صادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت (2018). نقلتها إلى العربية المترجمة “زينة إدريس″، وهي الرواية السادسة للروائي الأكثر شهرة وشعبية في العالم. مؤلف رواية “شيفرة دافنشي”.

ننشر هنا الفصل الأول من الرواية بالتفاق مع الناشر

الفصل 1

حدّق البروفيسور روبرت لانغدون إلى الكلب الجالس في الساحة، والذي يقارب طوله أربعاً وأربعين قدماً. كان فراء الحيوان عبارة عن سجّادة حية من الأعشاب والأزهار العطرة.
قال في سرّه: أنا أحاول أن أحبّك، أحاول ذلك حقّاً.
تأمّل لانغدون ذلك المخلوق قليلاً بعد، ثمّ تابع سيره على طول الطريق المعلّق ليهبط شرفة مدرّجة واسعة صُمِّم سطحها غير المستوي بطريقة تدفع الزائر إلى تغيير وتيرة مشيته المعتادة. لقد أُنجِزت المهمّة. كاد يتعثّر مرّتين على الدرجات غير المنتظمة.
وعند أسفل الدرجات، توقّف فجأة، وحدّق إلى شيء ضخم لاح أمامه.
الآن رأيتها بأكملها.
ظهر أمامه تمثال لأرملة سوداء هائلة الحجم، حملت أرجلها الحديدية النحيلة جسماً مستديراً يرتفع نحو ثلاثين قدماً في الهواء. وقد عُلّق ببطن العنكبوت كيس بيوض من الشبك السلكي يحتوي على كرات زجاجية.
قال صوت: “اسمها مامان (الأمّ)”.
أخفض لانغدون نظره فرأى أمامه رجلاً نحيلاً يقف تحت تمثال العنكبوت. كان يرتدي شيرواني أسود مزركشاً، ولديه شارب ملتفّ على طراز شارب سالفادور دالي؛ فبدا مظهره كوميدياً إلى حدّ ما.
تابع قائلاً: “اسمي فرناندو، وقد أتيت لاستقبالك في المتحف”. ثمّ حوّل الرجل انتباهه إلى مجموعة من بطاقات الأسماء الموضوعة على طاولة أمامه، وسأله: “هل يمكنني الحصول على اسمك رجاء؟”.
“بالتأكيد. روبرت لانغدون”.
فوجئ الرجل، ونظر إليه مجدّداً ثم قال: “آه، أنا آسف جدّاً! لم أعرفك!”.
بالكاد أعرف نفسي؛ فكّر لانغدون في ذلك وهو يتقدّم نحوه بسترته الطويلة السوداء، وقميصه الأبيض، وربطة عنقه البيضاء. أبدو مثل أحد أعضاء مجموعة ويفنبوف. كانت سترة لانغدون الكلاسيكية ترجع إلى ثلاثين عاماً مضت تقريباً، فقد احتفظ بها من أيّام عضويته في نادي آيفي في برينستون. ولكن، بفضل التزامه بنظام السباحة اليومية، ما زالت السترة تناسب مقاسه تماماً. فنظراً لعجلة لانغدون وهو يحزم أمتعته، تناول البذلة الخاطئة من خزانته عوضاً عن بذلته الرسمية المعتادة.
قال: “بحسب الدعوة، ينبغي ارتداء الأبيض والأسود. أرجو أن تكون السترة الطويلة مناسبة”.
“السترة الطويلة كلاسيكية! أنت تبدو مذهلاً!”. ثمّ سارع الرجل إلى تعليق بطاقة الاسم بعناية على طيّة الصدر في سترته.
قال صاحب الشارب: “إنّه لشرف لي أن ألتقيكَ يا سيّدي. لا شكّ في أنّك زرتنا من قبل”.
حدّق لانغدون من بين أرجل العنكبوت إلى المبنى الذي تضيئه الشمس أمامهما، ثم قال: “في الواقع، يحرجني القول إنّني لم أفعل”.
تظاهر الرجل بالسقوط من هول المفاجأة. “حقّاً! ألستَ من محبّي الفنّ الحديث؟”.
لطالما استمتع لانغدون بتحدّي الفنّ الحديث، لا سيّما استكشاف سبب اعتبار أعمال معيّنة تحفاً فنّية. وكمثال على ذلك، لوحات جاكسون بولوك المرسومة بتقنية التنقيط، وعلب حساء كامبلز لآندي وارهول، والمستطيلات الملوّنة في أعمال مارك روثكو. مع ذلك، كان لانغدون يرتاح أكثر بكثير عند مناقشة الرمزية الدينية في أعمال هييرونيموس بوش أو ضربات فرشاة فرانسيسكو دي غويا.
أجاب لانغدون: “أنا أكثر ميلاً إلى الفنّ الكلاسيكي، وأفضّل دافنشي على دي كونينغ”.
“لكنّ دافنشي ودي كونينغ متشابهان جدّاً!”.
فابتسم لانغدون قائلاً: “إذاً، من الواضح أنّه عليّ تعلّم المزيد عن دي كونينغ”.
“في هذه الحال، أنت في المكان المناسب!”. وأشار الرجل بذراعه إلى المبنى الضخم وتابع: “في هذا المتحف ستجد إحدى أجمل مجموعات الفنّ الحديث في العالم! أتمنّى أن تستمتع بزيارته”.
أجاب لانغدون: “هذا ما أنويه. غير أنّني أتمنّى فقط لو أنّني أعرف سبب وجودي هنا”.
فضحك الرجل بمرح وهو يهزّ رأسه: “شأنك شأن الجميع! مضيفكم متكتّم جدّاً حيال حدث هذه الليلة. حتّى إن موظّفي المتحف لا يعرفون ما يجري. لكنّ الغموض يشكّل نصف المتعة، والشائعات كثيرة! ثمّة عدّة مئات من الضيوف في الداخل، والكثير من الوجوه المعروفة، ولا أحد يدري شيئاً عن برنامج الليلة!”.
ابتسم لانغدون، فقلّة هم الأشخاص الذين يملكون الشجاعة لإرسال دعوات في اللحظة الأخيرة لا تتضمّن سوى بعض المعلومات الأساسية: مساء السبت. كونوا هناك. ثقوا بي. كما أنّ عدداً أقلّ من الناس يستطيعون إقناع المئات من كبار الشخصيات بتأجيل كلّ أعمالهم، والسفر إلى شمال إسبانيا لحضور حدث ما.
مرّ لانغدون من تحت العنكبوت، وتابع سيره وهو ينظر إلى اللافتة الحمراء الضخمة التي راحت ترفرف فوق رأسه.

أمسية مع إدموند كيرش
فكّر لانغدون في سره بمرح: لا شكّ في أنّ إدموند لم يفتقر يوماً إلى الثقة بالنفس.
فقبل عشرين عاماً، كان الشابّ إدي كيرش من بين طلّاب لانغدون الأوائل في جامعة هارفرد. وكان الشابّ ذو الشعر الأملس المسرّح بعناية مهووساً بالكمبيوتر، وقد قاده اهتمامه بالرموز إلى الالتحاق بالحلقة الدراسية التي يعطيها لانغدون: الشيفرات ولغة الرموز. أُعجِب لانغدون كثيراً بذكاء كيرش وبراعته. ومع أنّ هذا الأخير ابتعد لاحقاً عن عالم الرموز القديم وانتقل إلى عالم المعلوماتية البرّاق والواعد، إلّا أنّ علاقة صداقة نشأت بين المعلّم والطالب، وبقيا على تواصل خلال الأعوام العشرين الماضية بعد تخرّج كيرش.
فكّر لانغدون، والآن فاق التلميذ معلّمه بعدّة سنوات ضوئية.
اليوم، أصبح إدموند كيرش شخصية ذائعة الصيت؛ فهو ملياردير وعالم كمبيوتر، وعالم مستقبلي، ومخترع، ورجل أعمال. فقد ابتكر الرجل البالغ من العمر أربعين عاماً مجموعة مذهلة من التقنيات المتقدّمة التي تشكّل قفزات هائلة في مجالات متنوّعة مثل الروبوتات، وعلم الدماغ، والذكاء الاصطناعي، والنانوتكنولوجيا. كما أنّ توقّعاته الدقيقة بشأن التقدّم العلمي كوّنت حوله هالة من الغموض.
خمّن لانغدون أن تكون موهبة إدموند الغريبة في مجال التوقّع نابعة من معرفته الواسعة جدّاً بالعالم المحيط به. فكما يذكر، كان إدموند قارئاً نهماً يقرأ كلّ ما تقع عليه عيناه. لا بل إنّ لانغدون لم يرَ مثيلاً له من حيث شغفه بالكتب وقدرته على استيعاب محتوياتها.
خلال السنوات القليلة الماضية، عاش كيرش بشكل أساسي في إسبانيا، عازياً اختياره لتلك البلاد إلى علاقة حبّ لا تنتهي مع سحر عالمها القديم، وهندستها المعمارية الطليعية، وحاناتها الغريبة، وطقسها المثالي.
كلّ عام، حين يعود كيرش إلى كامبردج لإلقاء محاضرة في مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ينضمّ إليه لانغدون لتناول الطعام في أحد مطاعم بوسطن الجديدة التي لم يسبق له أن سمع بها. وفي تلك اللقاءات، لم تكن أحاديثهما تدور حول التكنولوجيا على الإطلاق، بل كانت الفنون هي الموضوع الوحيد الذي يحبّ كيرش مناقشته مع لانغدون.
وغالباً ما كان يمازحه قائلاً: “أنت صلتي الوحيدة بالثقافة يا روبرت؛ أستاذي الوحيد في عالم الفنون!”.
وكانت الإشارة الطريفة إلى وضع لانغدون الاجتماعي ساخرة جدّاً، وتصدر عن شخص عازب مثله أيضاً؛ يرفض الزواج من شريكة واحدة، ويعتبر أن ذلك “إهانة للتطوّر”، لا سيّما وأنّه ظهر على مرّ السنين في صور عديدة مع مجموعة واسعة من عارضات الأزياء.
نظراً إلى سمعة كيرش كمبدع في مجال علوم الكمبيوتر، يسهل تخيّله كشخص مملّ وجدّي مهووس بالتكنولوجيا. إلّا أنّه عوضاً عن ذلك جعل من نفسه أيقونة معاصرة؛ إذ راح يتنقّل في أوساط المشاهير، ويرتدي ملابسه على أحدث طراز، كما كان يصغي إلى الموسيقى الحديثة، ويهوى جمع الأعمال الفنّية الانطباعية والحديثة التي لا تقدّر بثمن. وغالباً ما راسل لانغدون لاستشارته بشأن تحف فنية جديدة ينوي ضمّها إلى مجموعته.
فكّر لانغدون، ثمّ كان يفعل العكس تماماً.
منذ عام مضى تقريباً، فاجأ كيرش لانغدون بسؤال لا يتعلّق بالفنّ، بل بالله. وكان هذا موضوعاً غريباً بالنسبة إلى شخص لا يُخفي إلحاده. هكذا، وأمام طبق من اللحم غير الناضج تماماً في مطعم تايغر ماما في بوسطن، تحاور كيرش ولانغدون حول المعتقدات الأساسية لمختلف الديانات العالمية، لا سيّما رواياتها المختلفة لقصّة الخَلق.
أعطاه لانغدون نظرة عامّة عن المعتقدات الحالية؛ بدءاً من قصة التكوين في الديانات اليهودية والمسيحية والإسلام، ووصولاً إلى قصّة براهما الهندوسية، وحكاية مردوخ البابلية، وغيرها…
حينها، سأله لانغدون وهما يغادران المطعم: “لكنّني مُستغرب، فما الذي يدفع شخصاً مثلك يهتمّ بالمستقبل إلى الاهتمام بالماضي؟ هل هذا يعني أنّ الملحد الشهير قد وجد أخيراً طريقه إلى الله؟”.
فانفجر إدموند ضاحكاً وقال: “مستحيل! أنا أقيس وحسب حجم المنافسة يا روبرت”.
ابتسم لانغدون وفكّر في سرّه: هذا نموذجي بالنسبة إليك. “في الواقع، العلم والدين ليسا متنافسَين، بل هما لغتان مختلفتان تحاولان أن ترويا القصّة نفسها. وفي هذا العالم مكانٌ لكليهما”.
بعد ذلك الاجتماع، انقطع الاتّصال بين إدموند ولانغدون لمدّة عام تقريباً. ومنذ ثلاثة أيّام، تلقّى لانغدون فجأة مغلّفاً عن طريق فيديكس يتضمّن تذكرة طائرة وحجزاً فندقيّاً ورسالة مكتوبة بخطّ اليد ومُرسَلة من إدموند يحثّه فيها على المجيء لحضور حدث هذه الليلة. وقد كتب في الرسالة: روبرت، سيسعدني كثيراً أن تتمكّن أنت من بين جميع الناس من الحضور. فالأفكار التي زوّدتني بها خلال لقائنا الأخير ساعدت في جعل هذه الليلة ممكنة.
ذُهِل لانغدون تماماً حين قرأ الرسالة. فما من شيء في ذلك الحديث بدا ذا صلة بحدث يستضيفه تلميذه المهتم بالمستقبل.
تضمّن مغلّف فيديكس أيضاً صورة بالأبيض والأسود لشخصين يقفان وجهاً لوجه. وكتب كيرش مقطعاً شعرياً قصيراً للانغدون.

روبرت،
حين تراني وجهاً لوجه،
سأكشف لك المساحة الخالية.
إدموند

ابتسم لانغدون حين رأى الصورة التي كانت تتضمّن إشارة ذكية إلى قضية عمل عليها روبرت قبل بضع سنوات. فقد ظهرت الكأس المبجّلة في المساحة الخالية بين الوجهين.
في تلك اللحظة، وقف لانغدون أمام المتحف وهو يشعر بالتوق لمعرفة ما سيعلنه تلميذه السابق. هبّ نسيم خفيف على ذيل سترته فيما كان يسير على الطريق الإسمنتي على ضفّة نهر نيرفيون؛ الذي كان في ما مضى شريان الحياة لمدينة صناعية مزدهرة، واشتمّ في الهواء رائحة نحاس خفيفة.
وبينما كان لانغدون ينعطف على الطريق المؤدّي إلى المدخل، سمح لنفسه أخيراً بالنظر إلى المتحف الضخم البرّاق. كان من المستحيل رؤية المبنى كله في نظرة واحدة. وعوضاً عن ذلك، جال نظره على طول البناء الطويل والغريب ذهاباً وإياباً.
فكّر لانغدون في سره: هذا البناء لا يكسر القواعد فحسب، بل يتجاهلها تماماً. إنّه بقعة مثالية بالنسبة إلى إدموند.
بدا متحف غوغنهايم في بيلباو بإسبانيا أقرب إلى هلوسة غريبة؛ إذ ظهرت أشكال معدنية مشوّهة تمّ إلصاقها بعضها ببعض بطريقة عشوائية تقريباً، فيما امتدّت كتلة الأشكال الفوضوية وغُلّفت بما يزيد عن ثلاثين ألف بلاطة من التيتانيوم التي راحت تلمع مثل حراشف السمك، مُضفيةً على البناء انطباعاً بأنّه عضوي ومن خارج هذا العالم في الوقت نفسه؛ كما لو أنّ سفينة مستقبلية ضخمة خرجت من الماء لتتشمّس على ضفّة النهر.
عندما تمّ الكشف عن المبنى للمرّة الأولى عام 1997، أشادت صحيفة نيو يوركر بالمهندس المعماري فرانك غيري، وقالت إنّه صمّم “سفينة خيالية رائعة ذات شكل متموّج في عباءة من التيتانيوم”. في حين قال نقّاد آخرون في العالم إنّه “أعظم بناء في زماننا!”، وإنه “متألّق!”، و”إنجاز معماري مذهل!”.
منذ بدايات المتاحف، تمّ تشييد عشرات المباني “التفكيكية” الأخرى، مثل قاعة ديزني للحفلات الموسيقية في لوس أنجلوس، وعالم بي إم دبليو في ميونيخ، وحتّى المكتبة الجديدة في جامعة لانغدون. وجميعها تمثّل تصاميم وأبنية غير تقليدية على نحو جذري. لكنّ لانغدون شكّ في أن يضاهي أيّ منها متحف غوغنهايم في بيلباو بطابعه الصادم.
مع اقترابه من المتحف أكثر، بدت واجهة التيتانيوم وكأنّها تتحوّل مع كلّ خطوة، وتُقدِّم للزائر شخصية جديدة من كلّ زاوية. وأصبح الخداع البصري الأكثر دراماتيكية للمتحف مرئياً الآن. فمن هذه الزاوية، بدا البناء هائل الحجم وكأنّه يطفو فعليّاً على سطح المياه، يجرفه بحر واسع لا نهاية له، أمواجه تتلاطم وتضرب جدران المتحف الخارجية.
توقّف لانغدون للحظة متأمّلاً المشهد، ثمّ شرع بعبور النهر سالكاً جسر المشاة البسيط الممتدّ فوق المياه البرّاقة. لكنّه ما إن وصل إلى منتصف الجسر حتّى سمع هسيساً قوياً أجفله. كان الهسيس صادراً من تحت قدميه. توقّف في مكانه، بينما بدأت سحابة من الضباب تنبعث من تحت الجسر. ارتفع الضباب الكثيف وأحاط به، ثمّ اندفع من فوق المياه باتّجاه المتحف، وأحاط بقاعدة المبنى بأكمله.
منحوتة الضباب.
كان قد قرأ عن هذا العمل للفنّان الياباني فوجيكو ناكايا. كانت “المنحوتة” ثورية من حيث تكوينها من الهواء المائي. إذ يظهر جدار من الضباب ويتلاشى مع مرور الوقت، وبسبب اختلاف النسيم والظروف الجوّية بين يوم وآخر، فإنّ المنحوتة تكون مختلفة في كلّ مرّة تظهر فيها.
توقّف صوت الهسيس، وراقب لانغدون جدار الضباب وهو يتلاشى بصمت فوق المياه، ويدور ويزحف كما لو كان لديه عقل خاصّ به. كان التأثير أثيرياً ومربكاً على السواء. إذ بدا المتحف بأكمله الآن وكأنّه يحوم فوق الماء، ويستقرّ على سحابة؛ مثل شبح سفينة ضائعة في البحر.
وعندما أوشك لانغدون على الانطلاق مجدّداً، اضطرب سطح المياه الساكن بسلسلة من الانفجارات الصغيرة. وفجأة، انطلقت خمسة أعمدة نارية من النهر نحو السماء، وهي تهدر مثل محرّكات صواريخ اخترقت الهواء المحمّل بالضباب، وألقت شراراتها الضوئية البرّاقة على بلاط التيتانيوم الذي يكسو المتحف.
كان ذوق لانغدون المعماري أكثر ميلاً إلى المتاحف الكلاسيكية مثل اللوفر أو برادو. ولكن، بينما كان يشاهد الضباب واللهب فوق المياه، لم يجد مكاناً أفضل من هذا المتحف العصري لاستضافة حدث دعا إليه رجل محبّ للفنّ والإبداع، وقادر على استراق نظرة واضحة إلى المستقبل.
مشى لانغدون عبر الضباب، وحثّ خطاه في طريقه إلى مدخل المتحف الذي كان عبارة عن ثقب أسود مخيف في البناء الضخم. ومع اقترابه، راوده إحساس مزعج بأنّه يدخل فم تنين.

 

الفصل 2

جلس أميرال البحرية لويس أفيلا على مقعد في نادٍ ليلي مهجور في بلدة غريبة. كانت الرحلة قد أنهكته. فقد أتى إلى هذه المدينة جوّاً بعد يوم عمل تنقّل فيه آلاف الأميال خلال اثنتي عشرة ساعة. تناول رشفة من كأس الماء المنشِّط الثانية، وحدّق إلى مجموعة الزجاجات الملوّنة التي تزيّن الجدار.
فكّر في سرّه: بإمكان أيّ رجل أن يحافظ على اتّزانه في الصحراء، ولكن الأوفياء هم وحدهم الذين يستطيعون الجلوس في واحة من دون أن يفتحوا أفواههم.
لم يفتح أفيلا فمه للشيطان منذ سنة تقريباً. رمق انعكاس صورته على سطح البار أمامه، ومنح نفسه لحظة نادرة من الرضى عن الصورة التي تبادله النظر.
كان أفيلا واحداً من أولئك الرجال المتوسطيين المحظوظين الذين بدا لهم التقدّم في السنّ امتيازاً وليس عائقاً. فعلى مرّ السنوات، تحوّلت لحيته القصيرة السوداء القاسية إلى لحية مميّزة بلون الملح والفلفل، بينما بدا الاسترخاء في عينيه السوداوين الناريتين بفعل الثقة والهدوء اللذين شعر بهما، وأصبحت بشرته زيتونية اللون والمشدودة سمراء ومغضّنة؛ ما أضفى عليه هالة رجل يحدّق إلى البحر دائماً.
حتّى في سنّ الثالثة والستّين، ما زال جسده نحيلاً ومشدوداً، وقد زاد زيّه الرسمي المفصّل على مقاسه من جاذبيته. في تلك اللحظة، كان أفيلا يرتدي زيّه البحري الأبيض الكامل؛ وهو عبارة عن بذلة ملكية المظهر تتألّف من سترة بيضاء مزدوجة الصدر، عليها شارات كتف عريضة سوداء، ومجموعة كبيرة من الميداليات، فضلاً عن قميص ذي ياقة بيضاء، وسروال أبيض مطرّز بالحرير.
ربّما لم تعد الأرمادا الإسبانية أقوى سلاح بحرية في العالم، ولكنّنا ما زلنا نعرف كيف نُلبِس الضبّاط.
لم يكن الأميرال قد ارتدى هذا الزيّ منذ سنوات، ولكن هذه الليلة مميّزة. وبينما كان يذرع شوارع هذه البلدة المجهولة منذ برهة، استمتع بنظرات الاستحسان التي كانت النساء يلقينها عليه، وبالتقدير الذي أولاه إيّاه الرجال.
الجميع يحترمون من يعيشون وفقاً للقانون.
سألته النادلة الجميلة بالإسبانية: “هل ترغب في كأس أخرى؟”. كانت في الثلاثينيات من عمرها، ممتلئة الجسم، تعلو وجهها ابتسامة لعوب.
فهزّ أفيلا رأسه رافضاً. “كلّا، شكراً”.
كان هذا النادي خالياً تماماً، حيث استطاع أفيلا أن يشعر بنظرات الإعجاب في عيني النادلة. من الجميل أن يلفت المرء الأنظار مجدّداً. لقد عدتُ من الهاوية.
سيبقى الحدث المروّع الذي دمّر حياته قبل خمس سنوات متوارياً في أعماق عقله، لحظة مرعبة انشقّت فيها الأرض وابتلعته كاملاً.
كاتدرائية إشبيلية.
صباح الفصح.
تسلّلت شمس الأندلس عبر الزجاج الملوّن، وألقت مشكالاً من الألوان الزاهية على جدران الكاتدرائية الداخلية. وراح الأورغن الأنبوبي يصدر ألحانه المرحة في احتفال ديني ضمّ آلاف المصلّين.
ركع أفيلا أمام درابزين المناولة، وقلبه مليء بالامتنان. فبعد حياة من الخدمة قضاها في البحر، أنعم الله عليه بأعظم النعم؛ بأسرة. ابتسم ابتسامة عريضة، ثم التفت إلى الخلف لينظر إلى زوجته الشابّة ماريا التي كانت لا تزال جالسة على مقعدها، لأنّ الحمل لم يسمح لها باجتياز المسافة الطويلة عبر الممرّ. وإلى جانبها جلس ابنهما بيبي، البالغ من العمر ثلاث سنوات، والذي لوّح لأبيه بحماسة. غمز أفيلا الصبيّ، فيما ابتسمت ماريا لزوجها بحنان.
قال أفيلا لنفسه وهو يلتفت مجدّداً لقبول الكأس: الحمد لله.
بعد لحظة من ذلك، هزّ انفجار عنيف جدران الكاتدرائية العريقة.
وفي غمضة عين، التهمت النيران عالمه بأكمله.
أدّت قوّة الانفجار إلى دفع أفيلا بعنف إلى الأمام، حيث ارتطم جسده بدرابزين المناولة، وسُحِق بالشظايا والأشلاء البشرية المتطايرة. وحين استعاد وعيه، كان عاجزاً عن التنفّس بسبب الدخان الكثيف، ولم يعرف للحظة مكانه أو حقيقة ما جرى.
بعد ذلك، ما لبث الصراخ أن طغى على صوت الطنين الذي صمّ أذنيه، فنهض وقد بدأ يدرك برعب المكان الذي يتواجد فيه. شعر أنّه في كابوس رهيب، وأخذ يسير في الكاتدرائية التي يعمّها الدخان مترنّحاً، ومتعثّراً بالضحايا المشوّهين الذين راحوا يئنّون ألماً. حاول بصعوبة الوصول إلى المنطقة التي كانت زوجته وابنه يجلسان فيها قبل لحظات وحسب مُبتسميّن له.
لم يجد شيئاً هناك.
لا مقاعد، ولا أناس.
مجرّد بقايا دامية على الأرض الحجرية المتفحّمة.
فجأة، قُرِع باب المقهى، محطّماً الذكريات المروّعة. فتناول أفيلا كأسه، وأخذ منها رشفة سريعة؛ في محاولة لينفض عنه ظلام تلك الذكريات، كما اضطرّ أن يفعل مرّات عديدة من قبل.
فُتِح باب المقهى، فالتفت إليه أفيلا، ورأى رجليْن ضخمَي الجثّة يدخلان منه. كانا يغنّيان أغنية قتال إيرلندية خارج اللحن تماماً، ويرتديان قميصَين أخضرين من قمصان كرة القدم لا يغطّيان بطنيهما. من الواضح أنّ مباراة هذا المساء قد انتهت لصالح الفريق الإيرلندي الزائر.
قال أفيلا في سرّه وهو ينهض: سأعتبر هذه إشارة للرحيل. ثم طلب الفاتورة، ولكنّ النادلة غمزته ولوّحت له للانصراف، فشكرها واستدار ليغادر.
فجأة، صاح أحد الوافدَين وهو يحدّق إلى زيّ أفيلا: “تبّاً! ملك إسبانيا هنا!”.
ثم انفجر الرجلان ضاحكين وهما يندفعان نحوه.
حاول أفيلا تجاوزهما للرحيل، ولكنّ الرجل الأضخم أمسك بذراعه وأعاده إلى مقعده وهو يقول: “مهلاً يا صاحب الجلالة! لقد قطعنا كلّ هذه المسافة للمجيء إلى إسبانيا، ولن نغادر قبل أن نتناول كأساً مع الملك!”.
رمق أفيلا يد الرجل القذرة على كمّ بذلته المكوّية حديثاً وقال بهدوء: “دعني أذهب، عليّ الرحيل”.
“كلّا، بل عليك البقاء لتناول كأس من الشراب يا صديقي”. وشدّ الرجل قبضته على ذراع أفيلا، بينما بدأ صديقه يكز بإصبعه القذرة الميداليات المعلّقة على صدر أفيلا. “يبدو أنّك بطل كبير يا سيّدي”. وشدّ الرجل أحد أثمن شعارات أفيلا. “أهذا صولجان من القرون الوسطى؟ إذاً، أنت فارس بدرع برّاقة؟!”. وقهقه ضاحكاً.
عندها، ذكّر أفيلا نفسه: كن متسامحاً. إذ كان قد التقى عدداً لا يُحصى من أمثال هذين الرجلين؛ أشخاصاً بسطاء- أرواحاً بائسة- لم يتحمّلوا مسؤولية شيء قطّ، لا بل استغلّوا بشكل أعمى الحرّيات التي قاتل آخرون لمنحهم إيّاها.
أجاب أفيلا بلطف: “في الواقع، الصولجان شعار وحدة العمليّات الخاصّة في البحرية الإسبانية”.
“العمليّات الخاصّة؟!”. وتظاهر الرجل بأنّه يرتعد خوفاً. “هذا رائع. وماذا عن هذا الرمز؟”. ثمّ أشار إلى يد أفيلا اليمنى.
نظر أفيلا إلى كفّ يده. ففي الوسط على الجلد الناعم نُقِش وشم أسود كان عبارة عن رمز يعود تاريخه إلى القرن الرابع عشر.

فكّر أفيلا وهو يرمق الشعار: هذا الوشم يحميني، مع أنّني لم أعد بحاجة إليه.
وأخيراً، ترك الرجل ذراع أفيلا قائلاً: “انسَ الأمر”. وحوّل انتباهه إلى النادلة: “أنت جميلة، هل أنت إسبانية مائة بالمائة؟”.
أجابت بلباقة: “أجل”.
“أليس فيك شيء إيرلندي؟”.
“كلّا”.
“أتريدين القليل؟”. ثمّ انفجر الرجل ضاحكاً بهستيرية وهو يضرب بيده على البار.
فأمره أفيلا: “دعها وشأنها”.
عندها، استدار الرجل وحدّق إليه.
فيما وكز الهمجي الآخر صدر أفيلا بقوّة قائلاً له: “هل تحاول أن تُملي علينا ما يجب علينا فعله؟”.
أخذ أفيلا نفساً عميقاً وقد شعر بالتعب بعد رحلة هذا اليوم الطويلة، ثمّ أشار نحو البار قائلاً: “تفضّلا بالجلوس أيّها السيّدان، سأقدّم لكما الشراب”.
—–
فكّرت النادلة في سرّها: أنا سعيدة ببقائه. فرغم أنّها قادرة على العناية بنفسها، إلّا أنّ الهدوء الذي تعامل به هذا الأميرال مع الرجلين جعلها تشعر بشيء من الضعف، وتمنّت أن يبقى حتّى وقت الإقفال.

تأليف: دان براون – ترجمة: زينة إدريس
الفئة: رواية
المقاس: 17 × 24 سنتم
عدد الصفحات: 464
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون
ردمك: 978-614-01-2425-7

الكتاب متوفر في كبرى المكتبات وعلى موقع NeelWaFurat.com عين التينة، شارع المفتي توفيق خالد، بناية الريم – ص.ب: 13-5574 شوران – بيروت 1102-2050 – لبنان
هاتف: (+961-1) 785107 – 785108 – 786233 –فاكس: (+961-1) 786230 –
البريد الإلكتروني:
jchebaro@asp.com.lb