إيلي عمير، فصل من رواية “المطيرجي” ترجمة علي عبد الأمير صالح، تصدر قريبا عن منشورات الجمل

عن المؤلف:
وُلد إيلي عمير في بغداد العام 1937، وهو روائي عراقي غادر بلاده مع أسرته متوجهاً إلى إسرائيل في العام 1950. نال عمير عدة جوائز أدبية، وهو، فضلاً عن موهبته في حقل الكتابة الروائية، ناشط في المجال الاجتماعي، وقدّم برامج عدة في الإذاعة والتلفزيون الإسرائيلي.
كتب عمير أربع روايات، هي: “ديك الفداء”، “ياسمين”، “المطيرجي”، و”حب شاؤول”، وقصة طويلة بعنوان “لقاء بين مجهولين”.
فور صدور “المطيرجي”، احتلتْ لائحة الكتب الأكثر قراءةً. وهي تأخذ القارئ إلى أزقة بغداد وشواطئ دجلة والطبيعة الخلابة. وترد في الرواية الطقوس الدينية التي كان يمارسها اليهود العراقيون الذين أُتهموا دوماً بإنحيازهم للأفكار الشيوعية والصهيونية. كما تكشف لنا الرواية مدى تعلّق اليهود بتراثهم الغنائي العراقي، ولا غرابة أن ينتمي إليهم ملحنون وموسيقيون ومغنون مشهورون، ومنهم المطربة سليمة باشا، والملحن صالح الكويتي.
وترد في هذا العمل الروائي كلمات بغدادية كثيرة، وأسماء الحارات والشوارع البغدادية، وأمكنة أخرى، والأكلات البغدادية الأصيلة، وتلك الخاصة بالشعائر والأعياد اليهودية ؛ وهذه كلها ظلتْ عالقةً بذهن الكاتب فيما هو يدوّن روايته هذه التي استغرق عشرة أعوام في كتابتها.
ذات مرة، قال عمير في القاهرة: ” كيف يُمكن أن يحل السلام من دون أن يعرف أحدنا الآخر؟”

1

مع أنه كان يتعين علينا أن ننام على السطح كما اعتدنا أن نفعل أثناء فصل الصيف ببغداد، لم تحضرْ أمي الأسرّة بعد، وتثّبتْ شِباك البعوض عليها، وتضع جرّة الماء الفخارية في الشرفة كي تبرد. ربما كانت تكره الاعتراف بتغيّر الفصول أو لعلها كانت تخشى العواصف الرملية التي تهب في أواخر الربيع، تلك العواصف التي تجعل سماوات المدينة تصطبغ بالاحمرار.
أبي، هو الآخر، شاهد تحذيرات العاصفة أيضاً، التي ثارتْ كما لو كانت سيفاً منطلقاً بسرعة منذ حادثة شنق التاجر اليهودي الثري شفيق عدس. كان أفراد الشرطة السرية العراقية “شرطة الأمن ” (1 ) يداهمون المنازل بحثاً عن الأسلحة، وأجهزة المذياع المزوَّدة بمُرسلين مستقبلين، والكتب المدرسية العِبرية التي وزعتها ” الحركة “، كما كنا نسمّي الأنشطة السرية الصهيونية. كان مئات اليهود يُجرون بقسوة وعنف إلى ردهات التعذيب ويُرغمون على الاعتراف أثناء محاكمات صُورية موجزة يقدمها النظام العسكري للجمهور لتبرير أفعاله الشنيعة.
لم يكنْ شفيق عدس مواطناً عراقياً. كان مواطناً سورياً ظهر ذات يوم في البصرة، ” مدينة النخيل “، وانهمك في تجارة توريد السيارات التي كسب منها ثروةً طائلةً تناهز ملايين الدنانير. كان من بين ضيوف قصره الفخم المنتظَمين وزراء، أمراء، شيوخ، ضباط جيش، وحتى الوصي على العرش عبد الإله. كانت عدس يعني للبصرة مثلما كان عماري الكبير، ابن عم أبي، يعني لبغداد. كانت ثقته المفرطة هي التي برهنتْ على سقوطه المفاجئ. بدلاً من أن يختار – كما كان يفعل عماري الكبير – مسلماً ينحدر من عائلة مرموقة لكي يدير شؤونه، ويتعامل مع موظفي الحكومة ويقدّم لهم الرشى كلما كانت هناك ضرورة لأن يفعل ذلك، كان عدس هو الذي يدير مهنته بنفسه ويتصرف بوصفه نداً لأي رجل مسلم. كان موضع حسد الآخرين وخلق له خصوماً كثيرين، وحتى عزلته عن زملائه اليهود وحتى حياته التي كان يعيشها باعتباره رجلاً عراقياً مخلصاً، لم تكونا قادرتين على إنقاذه في خاتمة المطاف.
في تلك الليلة هبتْ ريح صحراوية حارة. كنتُ مستلقياُ في الـ ” كابشكان ” (2 )، غرفتي الصغيرة في العِليّة، لكنني لم أستطعْ النوم. كان الطقس حاراً وخانقاً، وكنتُ قلقاً. والأنكى من ذلك، أن مس سيلفيا كانت قد اختارتْ اليوم التالي لكي تختبرنا في مقولة هاملت ” أن تكون أو لا تكون “، وكنتُ أود بنحوٍ سيء أن أتفوق على جورج في الأداء. أن تكون أو لا تكون. ما هو الخيار هناك ؟ كنتُ يافعاً جداً بحيث لم يكنْ بوسعي أن أتمعن في قضية الموت إلا إن مصير شفيق عدس حرمني من النوم، وبقيتُ يقظاً خلال تلك الليلة. دوران سريع لعجلة الحظ وحتى رجل محتشم من مثله، فعال في أوج مسيرته، كان مجرد يهودي آخر في وضعٍ لا يُحسد عليه. مع أنني لم أرَ ذلك، إنما كان بوسعي أن أتخيّل الغوغاء الزاعقين المحتشدين في الساحة. كان العجوز حياوي وعمي حسقيل هناك، وهما اللذان أخبراني بما جرى هناك.
حصل ذلك في مدة تقل عن العام، مباشرةً بعد عيد الفصح الخاص باليهود، أثناء موجة الاعتقالات التي أعقبتْ تأسيس دولة إسرائيل. كان وزير الدفاع الجديد صادق البصام، أو صادق البصام اللعنة على روحه كما كنا ندعوه نحن اليهود، يريد أن يلقننا درساً. كان شفيق عدس لُقيةً مرسلةً من الله. كان محرر جريدة ” الناس ” البصرية قد طلب منه” مساهمةً ” من ألف دينار عراقي إلا أن عدس لم يذعنْ له. كان قد دار بخلده : ماذا يُمكن أن يفعل محض صحفي له هو الذي عقد صلات صداقة مع جميع الأشخاص في الحكومة والشرطة ؟
الآن، وأنا مستلقٍ في سريري، لم أتمالكْ نفسي من التفكير في مسألة : كيف أن خيار” أن تكون أو لا تكون ” يُرسم لك أحياناً من دون علمك. بعد انقضاء يومين نشر المحرر مقالةً شديدة اللهجة يتهم فيها عدس ببيع الأسلحة لـ ” العصابات الصهيونية “، وبالتجسس لصالح ” الدولة المزعومة “، كما كانتْ تُدعى إسرائيل حينذاك. طالبتْ الجريدة بفتح تحقيق، وحالما وصلتْ نسخ منها إلى بغداد حصل تذمر صاخب وطالب المتذمرون برأس عدس. كانتْ تلك، فعلاً، حرباً مقدسة ؛ لم يكنْ البلد بأسره يتحدث عن شيءٍ آخر سواه. الشخص الوحيد الذي بدا أنه غير متأثر بالقضية هو عدس نفسه، الذي – أو كما بدا الآن – كان قد فقد غريزته في البقاء حياً. في الليلة التي سبقتْ اعتقاله، كان قد زاره سراً حاكم اللواء (3 ) فخري الطبقجلي الذي حثه على الفرار إلى إيران في زورق بخاري سريع كان في انتظاره ليأخذه بأمان عبر شط العرب وبعيداً عن الخطر في غضون نصف ساعة. لم يُصغِ عدس لنصيحة الطبقجلي. ” ليس لديهم شيء ضدي “، كان يصر على القول في كل مرة يقتبس فيها حاكم اللواء المثل القائل ” الهزيمة غنيمة “، أي أن ” الشخص الذي يفر من أجل حياته يأخذها معه بوصفها غنيمته. “
أُعتقل عدس في اليوم التالي. استغرقتْ المحاكمة ثلاثة أيام. محاموه الثلاثة استقالوا واحداً إثر الآخر لأن القاضي، عبد الله النعسان، ضابط الجيش الكاره لليهود، رفض الاستماع لأيٍّ من شهود الدفاع. وقع صادق البصام مذكرة الإعدام حالاً، وبعد صدور هذه المذكرة ظل الوصي يراوغ مدة ثلاثة أيام. كانت تربطه علاقة صداقة بعدس، وكان يعرف أكثر من الجميع كم كان الرجل المُدان محباً للعراق ومتحمساً للدفاع عنه. ومع ذلك، حين ركعتْ زوجة عدس أمام الوصي، لم يكنْ بمستطاعه سوى أن يُحدق إلى الأرض ويرد عليها قائلاً إن القضية لم تعدْ في متناول يديه.
” كابي، ولدي “، قال حياوي، ” ماذا عساي أقول ؟ في اليوم الذي سبق الإعدام ذهبتُ إلى البصرة مع عمك حسقيل لكي أصوم وأصلي مع اليهود هناك كما طلب منا الحاخام باشي. في طريقنا إلى هناك أردتُ أن أرتل الصلاة عند قبر النبي حزقيال في الكِفل (4 ). كنتُ أخشى أن يرفض عمك هذا – إنك تعرف كم هو عصبي المزاج – لكنه لم يوافقْ على ذلك فحسب، بل قال إنه كان يفكر بذلك أيضاً. في وقت وصولنا إلى البصرة كانت هناك تظاهرات جماهيرية حاشدة في الشوارع. وحتى الأطفال الصغار كانوا يحملون صور عدس ويهتفون بإهدار دمه. وفي اليوم التالي – الويل للعيون التي رأتْ المَشهد ! – شُنق أمام منزله. لم يشنقوه مرةً واحدة ؛ كانوا قد شنقوه في الحقيقة مرتين. أنا رجل مُسن ولم يسبقْ لي أن رأيتُ أو سمعتُ شيئاً مماثلاً. أصبح الجمهور مهتاجاً كما لو أن النبي محمد قد عاد إلى الحياة. كان هناك آلاف المسلمين من البصرة والمنطقة المحيطة بها، وبعض الأشخاص كانوا قد أقبلوا من بغداد قاطعين تلك المسافة الطويلة بين المدينتين. أُسر كاملة جاءتْ إلى هناك. انتظروا طوال ساعات الليل، يرقصون ويهتفون ” الله أكبر “. كنا نخشى الذهاب إلى الخارج، وكنا نرى المشهد عبر شقوق النوافذ. كابي، ماذا بوسعي أن أقول لك ؟ نحن نعيش في بلدٍ يسخر فيه القضاة من العدالة وحكام الألوية (5 ) لا يعرفون الرحمة. “
في الفندق الذي سكنا فيه تلك الليلة لم ينمْ حياوي وعمي لحظةً واحدة. حسقيل، الذي سمعتُ منه القصة أيضاً، قال إن محاكمة عدس ذكّرته بـ ” قضية دريفوس ” (6 )، التي ألهمتْ هرتزل لكي يدوّن كتابه المعنون ” الدولة اليهودية “. كان عمي مؤمناً متحمساً بالصهيونية وخبيراً في تاريخها. بعد موت عدس كتب افتتاحية حملتْ عنوان ” اعترافات أنشوطة الجلاد “، وبسبب هذه المقالة أُغلقتْ الجريدة التي نشرتها. قال عمي في مقالته : ” كانت محاكمة شفيق عدس هي محاكمة أي يهودي. إذا كان بالمستطاع أن يُشنق عدس، فمَن ذا الذي يقدر أن ينقذنا نحن البقية من الموت المحتوم ؟ “
تقلّبتُ في سريري الخشب يميناً وشمالاً إلى أن أحسستُ كما لو أنني أتأرجح في أرجوحة شبكية. حلمتُ بحقولٍ أرجوانية وبنسرٍ ضخم يحملني صوب البوابات الأسطورية لأورشليم – القدس ويقرع عليها بمنقاره. ومن ثم، حالاً، عرفتُ بوصفها حقيقةً مُفزعةً بأن القرعات كانت على الباب الخارجي لمنزلنا. لا جدوى من أن أتجاهل تلك القرعات بأن أغطي رأسي بالبطانية. نهضتُ من الفراش وتطلعتُ بعمى في العتمة. إنهم هنا. سيعثرون علىالأسلحة. سيأخذون أبي.
حثثتُ نفسي ونزلتُ درجات السلّم متوجهاً إلى حجرة أبويَّ. كان النور مشتعلاً وأمي واقفةً بجانب السرير الثنائي، مكفهرة الوجه. كان أبي راقداً في الفراش. كان يعاني من الحمى طوال الأيام الثلاثة الفائتة، وتلوح انتفاخات داكنة تحت عينيه المحتقنتين بالدم. وبرزتْ خصلات من الشعر الأشيب الغزير من قبعته الصوفية أما شاربه الرفيع فقد توارى تقريباً من وجهه غير الحليق.
” إنهم هنا ! ” همستْ أمي بصوتٍ متردد.
” ماذا سنفعل، أبو كابي ؟ “
” افتحْ الباب لهم “، قال أبي.
توجهتُ صوب فناء الدار، وتوقفتُ في نهاية المجاز الطويل لكي أفتش عن نقطة الكهرباء. أخذتُ ألهثُ لهاثاً سريعاً مفاجئاً. القرع على الباب الخارجي جعلني أرتعد خوفاً.” أنا آتِ، أنا آتٍ “، حاولتُ أن أصيح بعربية مسلم، إلا إن كلماتي خرجتْ بلكنة يهودية. أدرتُ المفتاح الكبير ورفعتُ المزلاج الخشبي الثقيل الذي كان صنعه عمي حسقيل منذ مدةٍ وجيزة. وفي الحال ثبتوني على الجدار. اقتحم منزلنا أربعة جنود، وراحوا يجرون حسقيل الذي كان يقيم بجوارنا. كان وجهه المضرَّج بالدم قد أُشبع ضرباً مبرِّحاً. تبعته زوجته راشيل مسعورةً.
” أنظرْ ماذا فعلوا به ! ” قالت وهي تنتحب.
” سيموت شنقاً “، قال أحد الجنود الأربعة، وهو يمرر إصبعاً على حنجرته.
” كلا ! ” أطلقتْ راشيل صرخةً ووصلتْ إلى حسقيل، وراحت تتشبث بكتفه.
” أنتِ، ابتعدي عن طريقنا ! ” أعلن الجندي بصوتٍ أشبه بالنباح.

2

استغرق التدمير ساعةً ونصف. في الرابعة صباحاً رجعتُ إلى الفناء مجدداً، مرافقاً الجنود صوب الباب الخارجي. كان حسقيل مستلقياً بالقرب من البالوعة. بدا وكأنه يحاول أن يبتسم لي بشفتيه المتورمتين اللتين هُرستا وأصبحتا في حالةٍ غير طبيعية. كانت راشيل جالسةً إلى جانبه، تبدو عليها علامات الخوف، تربتُ على جروحه كما لو أنها تسحبُ الوجعَ منها. أحد الجنود الأربعة، اسمه عدنان، كان في مزاجٍ رديء لأن مصباحاً زيتياً تهشم بين يديه بينما كان يفتش السرداب. نطح بقوةٍ الـ ” جِلاّلَة ” (7 ) ببندقيته إلى أن انشطرتْ طولياً ولم يهدأْ إلا بعد أن ركل حسقيل في أضلاعه. حاولتْ راشيل باستماتة أن تقف بينه وبين زوجها كي تمنعه من إلحاق المزيد من الأذى به لكنها نُحيّتْ إلى الوراء بضربةٍ على صدرها. كانت عيناها غارقتين بالدمع.
تفحص عدنان لطخة الزيت على بزته العسكرية. وددتُ أن أرمي عودَ ثقابٍ مشتعلاً عليها. هل يمكنني أن أنفذ واحداً من أخيلتي الجامحة ؟ لا، إلا في حالة تغلبي على خوفي من هؤلاء الجنود.
ظهر ضابط في ساحة الدار وأمر بأن يُؤخذ حسقيل بعيداً. وقبل أن يتمكن الأخير من الوقوف على قدميه كانوا قد جرّوه بقسوةٍ وعنف إلى سيارة ” الجيب ” المتوقفة في الخارج، حيث كانت عيناه نورين ساطعين بيضاوين في الزقاق المظلم.
” كُس أم اليهود، قفْ على قدميك ! “، صرخ عدنان.
حاول حسقيل أن يرفع نفسه بذراعيه المكبلتين، انهار، وحاول ثانيةً. في النهاية استطاع أن يقف على قدميه بمساعدة راشيل. تيبس حين رآني، أدار رأسه بعيداً عن الجنود لكي يُخفي تكشيرة ازدراء بدا كأنها تقول : صه لا تقلْ كلمةً أنتَ لا تعرف عنها شيئاً. ربما راشيل، التي لم تكنْ مطلعةً على السر، لم تكنْ تقصد أن ترى هي الأخرى. أسندته بينما كان عدنان يراقب بدقة جسدها النحيل في الضوء الساطع لمصباحيْ السيارة الأماميين. “
بدلاً من أن نضيّع وقتنا مع هؤلاء اليهود، يتعين علينا أن ننكح زوجاتهم “، قال عدنان.
” راقبه الآن “، قال الضابط بهزةٍ من أصبعه بينما كان يصعد إلى السيارة ” الجيب ” بجوار السائق. ” ليسهلّ عليك الله العقوبة هذه المرة. ” دفع جنديان حسقيل في المقعد الخلفي للسيارة وجلسا إلى جانبيه.
” حسقيل، حسقيل “، ولولتْ راشيل. توارتْ السيارة ” الجيب ” عن الأنظار بعد أن وصلتْ انعطافةً في الزقاق، تاركةً وراءها رائحةً نتنةً منبعثةً من أنبوب العادم. ردتْ راشيل رأسها إلى الوراء، ودفنتْ وجهها بين يديها وانفجرتْ بالبكاء. ” سوف يشنقونه كما شنقوا شفيقعدس “، قالتْ وجميع أوصال جسدها ترتعش. عضتْ على شفتيها.
” لا تفكري في ذلك أبداً “، قلتُ لها، وأنا أضع يدي على كتفها. ” سيرجع، إنني متيقن من ذلك. هيا بنا ندخل. “
” أريد الذهاب إلى منزلي “، قالت راشيل. لاحتْ في عينيها نظرةٌ غريبة، ساهمة. ” أريد أن أختلي بنفسي. ” انسلتْ وتركتني واقفاً هناك.
الآن فقط أحسستُ كم كنتُ مرهقاً بسبب كل ذلك التوتر والقلق. مَن يعرف ما يحتمل أن تكون عليه خطوتهم المقبلة أو ماذا سيفعلون بـ حسقيل ؟ ماذا سيكون مصيره ؟ إنهم متأكدون من أنهم سيعودون من أجل إلقاء القبض على والدي. لقد اعتادوا أن يأخذوا أرباب الأُسر. أغلقتُ الباب الخارجي وصعدتُ درجات السلم متجهاً صوب حجرة والديَّ. ” لقد انصرفوا ! ” صحتُ، كما لو أنني أتخلّص من الخوف الخانق.
” وماذا بشأن حسقيل ؟ ” جلس أبي على سريره.
” لقد أخذوه. “
” ليهبه الله القوة “، تمتمتْ أمي وعيناها مغرورقتان بالدموع.
” هل آذوه ؟ قلْ لي الحقيقة “، سأل أبي. لم أحرْ جواباً.
” هل فتشوا السرداب ؟ “
كنتُ أعرف أن أمي لا تعرف شيئاً ولذلك قطبتُ حاجبيَّ كما لو أنني أقول : تقريباً. لم يعثروا على أي شيء.
” كان يتعين عليّ أن أهبط السلّم وأحاول رشوتهم. “
” كانوا سيأخذونك أنت أيضاً “، قالت أمي.
” لو كانوا يريدونني، كانوا سيأخذونني من فراش الاحتضار العائد لي. إنه من دمي ولحمي (8 )، اللعنة على كل شيء ! كان يلزمني أن أحاول رشوتهم. مَن يدري ما إذا ستكون لنا فرصةٌ أخرى ؟ إنه الخوف اللعين الذي يمنع المرء من أن يفكر تفكيراً سليماً. “
” إنني ذاهبة إلى منزل راشيل “، قالت أمي، وهي تثبت رداءها المنزلي بالحزام.
” أحرصي على الذهاب إليها، يا امرأة. وأخبريها على أن تبقى على اتصال بـ منشي زليخة، المحامي، وأن تعطيه اسمي. بوسعه أن يبعث لي فاتورة الحساب. كابي، رافقْ أمك مشياً على الأقدام وعدْ بعدها مباشرةً. “
ذهبتُ مع أمي. ” ما الذي جعلنا ننتقل إلى هذا المكان اللعين وهذه الحياة البغيضة “، غمغمتْ أمي بينما كنا نجتاز فناء الدار. كانت تعني أنه كان يجب علينا ألا نغادر منزلنا القديم في حارة المسلمين المُسماة ” المُعظّم ” متجهين إلى حي اليهود المسمّى ” تحتالتكية “. أنحتْ أمي باللائمة على كل شيء يتعلق باتخاذ قرار الانتقال. لو كنا بقينا هناك، لما وقع أبي في قبضة حفنة من الصهاينة الكسولين الذين كانوا يتظاهرون بكونهم أبطالاً. أي ضربٍ من الحياة كانت تلك بالنسبة لرجلٍ عمره أربعون عاماً ولديه زوجة وأولاد ؟ ” واويلي (9 )، الجميع أصابهم الجنون : اليهود، المسلمون، وسائر السكان ! “
كان الأمر خارجاً عن إرادتها. كان المسلمون على الدوام جيران جيدين. كانوا يعتنون بنا ويحموننا. كنا، جميعاً، قد شربنا من البئر ذاته. ومن ثم، قبل عشرة أعوام خلتْ، حصل الـ ” فرهود “، أعمال الشغب المناهضة لليهود، ولم يهدأْ الحال منذ ذلك الحين. لكن، بما أن الحياة اليومية قد عادتْ إلى وضعها الطبيعي، لماذا ننشئ مجموعاتٍ سرية ونخاطر من أجل بلد يهودي بعيد جداً ؟ إن هذا الأمر لا يؤدي إلا إلى المزيد من عمليات الشنق والمضايقات. ” الله رحيم “، قالت أمي بصوتٍ عال، وهي تقبّل الـ ميزوزا (10 ) المثبتة في الباب الأمامي لمنزل حسقيل بينما كنتُ أتبعها في طريقها إلى داخل المنزل.
” لماذا البيت غارق في الظلام ؟ ” سألتْ أمي راشيل، التي كانت جالسةً في حالةٍ من التأمل العميق على المصطبة الرخامية في ساحة الدار. أشعلتْ النور وقادتْ راشيل إلى الداخل. بدتْ ساحة البيت أشبه بميدان حرب. كانت اللحف ” جمع لحاف ” الممزقة والريش المبعثر لهما معنىً ، وحتى بعد أن رأيتُ منزلنا وقد فُتش تفتيشاً دقيقاً لم يكنْ بمستطاعي أن أفهم لماذا هشموا الأطباق، وبعثروا قطعاً منها في كل مكان. ولجتُ إلى الداخل ووقفتُ مشدوهاً في مدخل غرفة مكتب عمي وأنا أرى كتبه الممزقة، الموطوءة بالأقدام وأدراج منضدة الكتابة العائدة له التي أُسقطتْ على الأرض، وتلطختْ محتوياتها بقوارير الحبر المهشمة. دخلتْ راشيل وأمي إلى غرفة النوم وجلستا على الفراش.
” هل عثروا على شيء ؟ ” سألتْ أمي.
” كيف يمكنني أن أعرف ؟ أخذوا كل أصناف الكتب والصحف. ” كانت عينا راشيل تنم عن الصدمة التي ألّمتْ بها.
” أوه يا إلهي، في أي دهليز أدخلنا أنفسنا ؟ ” تمتمتْ أمي.
لوتْ راشيل يديها. ” ماذا يلزمني أن أفعل ؟ “
” أبو كابي يقول إن عليكِ الذهاب إلى منشي زليخة، المحامي. “
” أين كان هو ؟ لماذا لم يهبط السلّم لكي يساعد أخاه ؟ “
” أنا التي قلتُ له بألا يفعل ذلك. إنه مريض. كانت لديه حمى على مدى الأيام الثلاثة الماضية. الضرب كان سيقتله. “
” فقط حسقيل هو الذي أخرج عنقه. الآن سوف يشنقونه مثلما فعلوا مع شفيق عدس. ” قالتْ راشيل هذه الكلمات لنفسها كما لو أنها لم تكنْ قادرةً على منعها من ذلك.
” يلزمك ألا تتكلمي هكذا “، وبختها أمي. ” سيحميه النبي حزقيال من كل مكروه. “
بلوزات، حمالات صدر، وحتى سروال داخلي أرجواني، تبعثرتْ فوق البساط. رأتني أمي وأنا أتطلع إلى الأشياء المبعثرة.
” كابي، عُدْ إلى البيت حيث والدك “، قالتْ لي. احمررتُ خجلاً وغادرتُ المكان. كان والدي في طريقه صاعداً من القبو حين رجعتُ إلى منزلنا. ” لقد وصلتَ في أوانك “، قال لي. ” نسيتُ أن أجلب مصباحاً كهربائياً. اذهبْ وأحضرْ مصباحاً كهربائياً وانزلْ إلى الأسفل. “
ثبتنا المصباح الكهربائي وأشعلنا النور، وجعلنا الخفافيش ترفرف بأجنحتها متجهةً صوب جحورها. كانت ثمة رائحة زيت قوية منبعثة من المصباح المكسور. ” بسرعة “، قال أبي. ” علينا أن ننتهي من مهمتنا قبل رجوع أمك. من الأفضل ألا تعرف بالأمر. “
بذلنا أقصى طاقتنا كي نحرّك الفرن الحديدي القديم. رفعنا آجرات الأرض إلى الأسفل منه وفتحنا العلبة الخشبية التي صنعها حسقيل. تناول أبي صندوقاً مسطحاً مع قطع غيار رشاشة من نوع ” ثومسون ” وعدداً من علب الذخيرة. تذكرتُ كم كنتُ مزهواً قبل شهور قليلة خلتْ لما أخذوني إلى القبو حينما كانت أمي وشقيقاي الصغيران خارج المنزل وأروني المخبأ، فربما يتعين عليَّ أن أتخلّص من الأسلحة عندما يحصل طارئ.
” سآخذها إلى مكانٍ ما “، قال أبي.
” دعني أقوم بذلك “، قلتُ. ” قلْ لي أين هو هذا المكان. “
” لا. أريدك أن تذهب بحذر إلى السوق وتتأكد من عدم وجود الجيش أو الشرطة في هذه الأرجاء. “
كانت الشبابيك المواجهة للشارع مضاءة كلها. حدّقتْ إليّ عيون متشككة. فرحة، الأرملة ذات العينين الحولاوين التي نامتْ مع المطيرجي وكانت تعرف وتتكلم من دون كلفة عن كل شيء، كانت خارجة عن طورها. ” ماذا جرى ؟ ” سألتني، وهي تمسكني بقوة وعصبية. ” لماذا جاءوا إلى حسقيل ؟ “
” اهتمي بشؤونكِ “، قلتُ لها.
” أصغِ إليه ! ” صرختْ موجهةً كلامها للجيران. ” قبل يومين كان يتبرز في سرواله الداخلي “
تجاهلتها وتابعتُ سيري في الطريق. مع أنه كان من المفترض بي أن أفتش عن الجنود، في العتمة أخاف أكثر من الجن، أولئك الشياطين الذين يقارنهم بعض الناس بالنيران التي تومض وتخبو، ويقارنهم آخرون بأقزام شبيهين بالعلقة، بخفافيش مصاصة للدماء، بجرارات ضخمة، ذوات أزيز، كائنات غريبة الشكل ومخيفة ترقص على الريح. على الرغم من وجود بخور خاص يستخدمه الفقراء الهنود الذي يُقال بأنه يطردها، إلا إن أفضل طريقة لإبعادها وجعلها تسرع نحو مخابئها هو أن نطعن أشكالها الغريبة بسكين. بطبيعة الحال، كنتُ أعرف أن هذا كله محض خرافة، وقد أقلقني أبي أكثر من الجن. مع ذلك، حين دسستُ يديَّ في جيوبي، وددتُ ألا أكون قد تركتُ سكين الجيب العائدة لي في بنطلوني الآخر.
كان الوهج الرمادي الأول للفجر في السماء ضعيفاً جداً لكي يضيء الأزقة الضيقة التي تلوّتْ بين المنازل المزدحمة، التي بالمستطاع حملها على الظهر والكتفين. كنتُ قد بلغتُ حافة المنطقة السكنية الآن، بالقرب من الشارع المؤدي إلى السوق. مع أنهم على العموم يكونون مستيقظين في هذه الساعة، الخبازون، باعة الخضار والفواكه، وأصحاب الجايخانة أو المقاهي لم يظهروا للعيان بعد ؛ هم أيضاً سمعوا حتماً باعتقال حسقيل ولم يسعوا للقيام بأي شيء. فكرتُ بـ راشيل وهي جالسة بين أطلال بيتها، سروالها الداخلي الأرجواني عند قدميها. كانت نصف امرأة ولا تزال نصف فتاة، وكانت جذابة حتى حين بكتْ. أيها الأبله، حدثتُ نفسي، أيَّ ضربٍ من الأشياء هذا الذي تفكر فيه الآن ؟ هرعتُ إلى بيتنا. كان أبي قد لبس ثيابه، وشعره ممشط وتتدلى سلة تسوّق قش من ذراعه. ” هل الساحل خالٍ ؟ ” سألني.
” لقد انصرفوا. لم أرَ أيَّ جندي أو رجل شرطة. “
” انتظرني هنا “، قال لي، ” سأعود حالاً. “
تنفستُ الصعداء حين رجع بسلام وأمان بعد مضي عشرين دقيقة، من دون الرشاشة.
” تذكّر، كابي “، قال لي، ” إذا حصل أي شيء لي، اذهبْ إلى ( أبو صالح ) الخباز. سيكون هو المسؤول. ” (11 )
في الوقت الذي رجعتْ فيه أمي من منزل راشيل، كان أبي قد لبس ثانيةً منامته و” روب دو شامبر” العائد له.
“هي حتى لم تسمحْ لي بأن أرتب المنزل “، قالت أمي متذمرةً. ” اعتادتْ دوماً أن تفعل كل شيء بنفسها. “

3

حالما طلع النهار مضيتُ كالعادة لشراء الخبز والـ كَيمر. في الشارع قابلتُ العجوز حياوي وهو في طريقه إلى الكِنيس ” معبد اليهود “، وتحت أبطه كيس مع شال الصلاة وبعض التعاويذ.
” آ، كابي “، قال لي. ” لم لا تأتي معي ؟ بعد ما حصل في الليلة الماضية، نحتاج إلى أداء الصلاة. ” أومأ بذقنه إلى منزل حسقيل. ” يا للمسكينة. “
” مَن ؟ “
” كأنكَ لا تعرف. إنها امرأة رائعة، رائعة بحق. لقد وقعتْ عليهما لعنة فرعون، لعنة الله على أرواحهم ! الحال الآن أسوأ مما كان عليه في زمن الأتراك. ” كان حياوي يتحدث دوماً عن زمن الأتراك بحنين مَرضي. ربّتَ على خدي بيده العظمية. ” لا تكترثْ، يا بني. [ لأن الله لن يتخلى عن شعبه ولن يهجر إرثه. ] “
” آمين “، تمتمتُ، وأنا أخشى من أن يرش بصاقه على وجهي. ” سأذهب صباح هذا اليوم لمقابلة الحاخام باشي، ليحفظه الله. سأرى ماذا يستطيع أن يفعل من أجل حسقيل. “
” ليمنحك الله حياةً طويلة الأمد “، قلتُ.
” فقط الحاخام يستطيع أن يخرجنا من هذا المأزق. إنه قائدنا وأميرنا. ما من أحدٍ من رجالكم المتمردين والمغرورين المناوئين له يساوي الغبار الذي يكسو قدميه. “
” عمي حسقيل ليس مغروراً. “
” لا تتظاهرْ بالبراءة، يا ولدي. عمك لا يقدّر الحاخام. إنني أشفق على زوجته، مع ذلك. تعال معي إلى المعبد. الصلاة تعمل الأعاجيب للروح. إنها تُعيد الإنسان إلى ربه. “
” لقد أخبرتني بذلك من قبل. “
” وجوابك هو ليس ثانيةً، إيه ؟ أعتقد أن لديك الكثير من الأعمال المُلّحة. “
” في الواقع، لدي عمل مُلّح. “
” حسناً، اشتري لي رغيفين من الخبز والله سيبارك يومك. ” تناول حياوي بعض النقود من ردائه. ” وأحرصْ، يا بني، على أن تكون هذه الأرغفة لينة “، قال، وهو يشير إلى أسنانه المتآكلة.
” حسناً، حسناً “، قلتُ له. ” لا حاجةَ لأن تذكّرني بذلك في كل مرة. “
أمسكتُ بسلتي ومشيتُ من دون أن ألتفت إلى الوراء. لو كان يتعقبني شخص ما، فمن الأفضل ألا أُظهر أنني شككتُ بذلك. في الساحة الصغيرة المرصوفة الواقعة أمام السوق راقبتُ إسماعيل المسلم، قائد عصابة الشارع الذي كان يعمل، أحدهم قال لي، لصالح الشرطة السرية ” شرطة الأمن “. ربما هذا هو مبرر أسئلته الكثيرة جداً التي يوجهها لنا في كل مرةٍ يكون فيها في محلتنا لكي يتحدانا في معارك الأحزمة التي كان يفوز فيها على الدوام.
أردتُ أن أركض وأجبر نفسي على التظاهر بأنني رابط الجأش وغير مكترث. في مدخل السوق مرَّ بجانبي موكب كثيف من النادبين. رجال بعباءات سود وكوفيات منقّطة ونسوة يرتدين الحجابات ” جمع حجاب ” والثياب السود بدوا كأشباح من العالم السفلي، ابتلعوني كما لو كانوا سرباً من الغربان السود. النادبون المحترفون المتوشحون بالسواد، بوجوههم المحمّرة والرماد الذي يغطي رؤوسهم، ربما كانوا أشباحاً. بإشارةٍ من قائدهم، أطلقتْ جوقة من النساء صرخاتٍ مروِّعةً تنم عن الحزن والخوف من الموت. فكرتُ في العجوز الشمطاء الذاوية التي بكتْ طوال الأيام السبعة للحِداد على جدي والتي زرعتْ الخوف في فؤادي بسبب صرخاتها بحيث أنني هرعتُ راكضاً واختبأتُ في السرداب، تلك الصرخات لم تستطعْ حتى صرخات الخفافيش أن تحررني منها.
مشاهدون فضوليون، بعضهم يهود، كانوا مصطفين على السطوح، يصوبون أنظارهم إلى التابوت المكسو بقماش أسود الذي كان يتمايل بصورةٍ غير مستقرة على الأيدي التي تحمله. حسناً، لقد قلَّ عدد العرب واحداً، حدثتُ نفسي، وأنا أفكر بتأنيب ضمير بـ مس سيلفيا التي كانت تحبذ التكلم في درسها، درس الأدب الإنكليزي، عن محبة الخير العام ومحبة الجنس البشري. مرتْ الجنازة في الشارع. امرأة مكتنزة الجسد، غير مبرقعة، لا ريب إنها أم المتوفى، تتهادى خلف النعش كحمامةٍ عمياء، تلطم وتخمش وجهها. النادبون المحترفون يضربون على صدورهم بخفة، يمسونها مساً عابراً رفيقاً بقبضاتهم بينما هم يزعقون كما لو أن أصواتهم تخرج من بين أضلاعهم. كان يلزمني أن أُجبر نفسي على الامتناع عن الضحك. كنتُ أعرف أنها كانت مهنتهم أن يحرّكوا مشاعر النادبين الآخرين، إنما كانت تُذهلني طريقتهم الفريدة التي يؤدون فيها عملهم ذاك، كأنهم كانوا يتفجعون علىأولادهم. شيئاً فشيئاً أمستْ صيحاتهم أبعد فأبعد وعاد النهار إلى طبيعته.
” سوق حنون “، ساحة السوق اليهودي، نادراً ما يتوقف العمل فيها لالتقاط الأنفاس. كان نشاطها الصاخب يبدأ قبل شروق الشمس ويستمر بعد غروب الشمس بوقتٍ طويل. إن غياب ضوء الكهرباء هو السبب الوحيد الذي يمنع أغلب أكشاكها من أن تبقى مفتوحةً حتى حلول منتصف الليل. كانت هناك مئات الأكشاك، كل كشك له ألوانه وروائحه. الحمالون تحت سلال الفواكه التي يحملونها، يصيحون على المتبضعين بأن يفسحوا لهم المجال كي يمروا ؛ الحمير تنهق على الحشود التي تسد الطريق على عرباتها ؛ الزبائن الذين يساومون بضراوة ؛ المارة يتكلمون بأصواتٍ مرتفعة ؛ النسوة يطلقن صيحاتٍ حادةً ومبتهجةً حين يلتقين بصويحباتهن اللواتي لم يرهُن من زمنٍ طويل ؛ صيحات سائقي عربات النفط الأبيض التي توقفتْ عن الحركة بسبب شدة الزحام ؛ بقبقة مواقد الغاز في المقاهي ؛ الهدير العميق لأفران الخبز – لولا سمفونية أصواتها، لكان السوق كئيباً، موحشاً،عديم الحيوية كما هو حاله حين يُغلق في أيام السبت والعطل اليهودية.
” سمبوسة حارة، سمبوسة حارة ! ” رائحة الكمون والحمص في الزيت المبقبق دغدغتْ منخريَّ. توقفتُ عند كشك السمبوسة على جاري عادتي كل صباح، أنزلتُ سلتي على الأرض، ثنيتُ عضلات كتفي المتيبسة، دعكتُ يديَّ بأصابع ممدودة، تناولتُ قطعةً من الفطائر الحارة، وقضمتها، وفكرتُ للمرة الألف : لابد أن طعم الجنة يشبه هذا الطعم. بينما كنتُ أدس قطعة النقد العائدة لي في جيبي، رأيتُ شرطياً يتوجه إليَّ. بدأتُ أختنق، ورحتُ أنشر اللعاب، كالعجوز حياوي، والحمص في شتى الاتجاهات.
” على كيفك، إبني، مهلاً، تناولْ فطائرك ببطء “، قال بائع السمبوسة، وهو يمسح كشكه بخرقة قذرة. ” تحرك قليلاً، بُني، أفسح المجال للآخرين. “
الرجل بالبذلة النظامية اتخذ مكانه إلى جانبي. كنتُ مشلولاً ولم يكنْ باستطاعتي الحركة. وبدلاً من أن أحمل سلتي وأمضي في طريقي، وقفتُ هناك أشعر كأن وجهي المحترق قد قُلي قلياً شديداً بالزيت أيضاً، كالسمبوسة. لماذا لم أذهبْ مباشرةً صوب المخبز ؟ ” تفضل عزيزي، أهلاً وسهلاً بك، يا صديقي “، قال بائع السمبوسة، وهو يقدّم للشرطي شريحةً منالفطائر. ومع أنه من الجلي كان ينوي أخذها، نظر إليها الشرطي نظرةَ مدروسة. وحتى بعد أن قضم سطحها الهش، وتمطق، وأرسل لي بسمةً، شعرتُ أنه يتطلع إليّ بارتياب وانتهت محاولتي بأن أقول جملتي التي تنم عن دراية : ” جيدة، إيه ؟ ” بكتلةٍ عجينية في حنجرتي.
لم أعرفْ بأن الإثم لم يكنْ مكتوباً على وجهي إلا حين أشاح نظراته عني لكي يطلب من البائع قطعةً أخرى من الفطائر. التقطتُ سلتي وانطلقتُ في مسيري، وأنا أرمي ما بقي من السمبوسة مع شعور بالغثيان في معدتي. مع أنني أحسستُ بأنني أود أن أجثو وأقذف ما في جوفي في تلك البقعة تحديداً، إلا إنني تابعتُ المشي متجهاً نحو المخبز، شاقاً طريقي عبر زحام الزبائن المحتشدين عند الباب. كانت الشعلات ” جمع شعلة ” الشيطانية تنطلق من الفرن المصنوع من الحديد – الصب، وأمامه وقف أبو صالح، الخباز والبطل المحلي، لابساً كوفية بيضاء حول رأسه. كان أبو صالح، رجلاً ضخم البدن، ببنية قوية، بحشية فرائية من الشعر الأسود على صدره (12 )، برقبة أشبه برقبة الثور بواسطتها يستطيع أن يحمل كيس طحين كأنه يحمل ريشة حين يرغب بأن يترك انطباعاً حسناً لدى المعجبين والمعجبات به، بعينين داكنتين، خبيثتين، وبوجه ذي بشرة داكنة، ودي لا تفارقه ابتسامته الوامضة. كرات من العجين كانت مرتبةً على لوح العجن المستطيل إلى جانبه. كان يتناول كرات العجين واحدةً إثر الأخرى بيديه الضخمتين ويسطحها بصفعاتٍ مرتفعة الصوت، وبعدها يسحقها، يمطها، ويقذفها من راحة يد إلى راحة اليد الأخرى إلى أن تأخذ شكل أطباق خفيفة. كان يضع هذه على حشية صغيرة محترقة سطحياً في الأطراف ويقلبها في داخل جدار الفرن، ويكرر العملية المرة تلو المرة. وعندما لا يكون هناك حيز فارغ في الفرن، يبدأ بالغناء بصوتٍ جهير عميق :

أحصلْ على رغيفكَ الحار،
أسرعْ وكُلهُ،
تعالَ واشترِه قبل
أن ينفد ما لديَّ من الأرغفة !

كنتُ أعرف أنه لا جدوى من محاولة التحدث إليه الآن. لحسن الحظ، معتوك الشويعر لم يكنْ هناك، لأنه ما إن يصل حتى يشرع الاثنان طوال ساعات النهار بابتكار الأشعار عن أرغفة الخبز زكية الرائحة التي يصنعها أبو صالح في مخبزه. غمز لي أبو صالح حين رآني. هل كان يعرف ؟ قبض على بعض الملاقط وقشط الأرغفة، كانت مشبعة بالبخار وهشة ورائحتها رائحة الحياة نفسها، قشطها من الجدار الداخلي للفرن بحركات سريعة. نشرها علىالطاولة، تطلّع إليها بدهشةٍ مفعمة بالحياة وأطلق صفير إعجاب.
شعرتُ بتربيتة على كتفي. كانت تلك أميرة، شقيقة صديقي إدوارد فائقة الجمال، وهي تتمنى لي صباحاً سعيداً. كل الصبيان في المحلة كانوا مغرمين بها. وكذلك أبو صالح، الذي كان يروم الزواج منها. أومأتُ لها بـ مرحباً، وعيناي تنظران إلى رمانتيْ ثدييها.
” صباح الخير، أيتها الأميرة “، قال الخباز وهو يبتسم لها بابتهاج. حينما كانت أميرة فتاةً صغيرة وكان هو متدرباً قليل الخبرة (13 )، كان ينحت لها دمىً وتماثيل متناهية الصِغر من الصلصال ويحمصها في الفرن. وعندما كبرتْ، تلقتْ الـ ” حنونة ” الخاصة بها، وهي رغيف صغير، خفيف جداً، صنعه خصيصاً لها. وفيما بعد بدأ ينشد الأشعار لها، ويدعو زبائنه للانضمام إليه :

عند النافذة، جلستْ أميرة
منهمكةً بتطريزها.
ست خصلات شعر تدحرجتْ على جبينها :
ثلاث خصلات وبعدها ثلاثٌ أُخر.

من آخر الشارع أقبل غلامٌ صغيرٌ شجاع،
إلى نافذتها سراً.
شعراتٌ ست كاملة في شاربِه،
ثلاث شعراتٍ وبعدها ثلاثٌ أُخر.

عبر النافذة تطلعتْ أميرة،
واشتعل فؤادُه بحماسة،
ستَ قُبلاتٍ حلوةً منحها الغلام،
ثلاثَ قُبلات وبعدها ثلاثاً أُخر.

في الحال وصل الخبرُ إلى أبيها،
واستشاطَ غضباً.
صفعه الأبُ الحانق ستَ صفعاتٍ على خده
ثلاثَ صفعاتٍ وبعدها ثلاثاً أُخر.

الغلام المسكين تجللَ بالعار
واحمرَّ وجههُ من فرط السخط.
ستُ دمعاتٍ سالتْ على خديه،
ثلاثُ دمعاتٍ وبعدها ثلاثٌ أُخر.

مع أن ” أبو صالح ” الخباز طلب يد أميرة للزواج، إلا إن أباها، أبو إدور المطيرجي، كان يحسب أن أميرته تستحق رجلاً أفضل. كانت الحقيقة هي أنه منذ أن تنافس الرجلان على شراء المخبز، لم يعدْ أبو إدور يطيق ” أبو صالح “. والد أميرة اشتهى المخبز بسبب الحيز الكبير المفتوح الكائن وراءه، والذي بالإمكان أن يصبح مكاناً نموذجياً لساحة الخردة العائدة له، وأبو صالح – هكذا أخبر أبو إدور أبي، الذي سعى إلى فض النزاع بينهما – كان قد خرّب الصفقة بأن أقنع البائع المسلم بأنه، ” أبو إدور “، لن يكون قادراً على سداد الأجور. مع ذلك رفض التحدث إلى الخباز، الذي أقسم له بأن ينتقم منه، واستمر في الاستمتاع بخبزه، ومعظم أرغفة الشعير العائدة له، لا يوجد أفضل منها في المحلة كلها.
كسا أبو صالح جدران فرنه بالمزيد من العجين، أخبر سامي، مساعده، بتلبية طلبات الزبائن، ودعاني إلى الساحة الواقعة خلف المخبز. وبعد أن أمعنتُ النظر كي أتأكد من عدم وجود مَن يسترق السمع، خاطبتُه قائلاً :
” لقد أخذوا حسقيل ! “
” أعرف “، قال لي أبو صالح، وهو يجلس على ” ستول ” وراح يمسح جبينه. ” سنجعلهم يدفعون ثمن ذلك. وسوف نطلق سراح حسقيل، أيضاً. إنك لا تعرف مدى منزلة حسقيل عندي. كنتُ مجرد طفل أخرس حين قابلته أول مرة. ضمني إلى مدرسة مهنية كان قد فتحها هو وكنتُ من أوائل الخريجين. كان يتعين عليك أن ترى كم كان مبتهجاً حين رآني في مدرسته، هو الذي لم يخطرْ بباله أنني أعادل أيَّ شيء، وأنا أقرأ صحيفته لأصحاب الدكاكين والمخازن الأميين في هذه الأنحاء ! بعد الـ ” فرهود ” طلب مني هو وأبوك بالانضمام إلى ” شباب الإنقاذ “، وهو ” لواء شباب الطوارئ ” الذي أُسس لغرض الدفاع عن الحي اليهودي. كنتُ أصلاً قائد هذا اللواء حين بدأنا ” الحركة “. أتذكرُّ أن حسقيل قال في أول اجتماع لنا : [ سنعيد بناء مملكة يهوذا – سنستعيد مجدنا العريق – سنصنع التاريخ ! ]
” كان ذلك أشبه بسماع بخفق أجنحة الملائكة. كنا معجبين به رجلاً، صفي المدرسي كله. في سردابي احتفلنا بالذكرى الأولى لتأسيس ” دولة إسرائيل “، وأقسمنا بالولاء لها وتلونا ” المزامير ” كما لو أن المسيح قد جاء. كنتُ أود الذهاب إلى هناك مباشرةً، لكي أقاتل بين صفوف الجيش اليهودي، إلا إن حسقيل وقف ضد رغبتي هذه. كان يريدني أن أمكث هنا في حالة حدوث حوادث [ فرهود ] أخرى. [ نحن ربابنة هذه السفينة ]، قال لي، [ لن نغادرها إلى أن يصل جميع ركابنا إلى الشاطئ. ] “
مسح أبو صالح جبينه مجدداً بصوتٍ أشبه بصوت الخنزير وأردف قائلاً : ” يا إلهي، مَن يقدر أن يحل محله الآن ؟ واويلي، لقد تركتُ الفرن مملوءاً بالخبز ! ” هرول عائداً إلى المخبز، الذي انبعثت منه رائحة شياط، غرف الأرغفة من الفرن، رمى الأرغفة المحترقة في الوعاء المعدني الصدئ، وصفَّ الأرغفة الجيدة على الطاولة. حين تضاءل عدد الزبائن، سلّمني طلبنا اليومي من الخبز، مضيفاً رغيفين لينين لـ حياوي وأربعة لـ راشيل. ” قلْ لها أن تُبقي رأسها مرفوعاً “، قال لي هامساً. ” وأنا أقسم بكل الخبز الموجود في العالم بأن أُطلق سراح حسقيل. سنذهب إلى أورشليم معاً. “
كانت فتحية، بائعة الـ كَيمر البدوية الحسناء، جالسةً على الأرض في الناحية اليمنى من جدار المخبز. في الشتاء كانت تنتقل إلى الجدار الآخر حتى تكون أقرب إلى الفرن، تجلس متقاطعة الساقين على حشية خفيفة بينما هي تنصت للفرقعة الموسيقية للأرغفة ولـ ” أبو صالح ” وهو يدندن بأغاني العشق البدوية :

ليتني كنتُ قلادةَ ذهب
لبستِها حول عنقكِ،
تارةً تداعبُ فؤادكِ
وطوراً تداعبُ صدركِ.

بين الحين والآخر تلتقي عيون الاثنين، وحالما يفرغ المخبز تُرسل فتحية له ابتسامة، حشوتها الذهبية (14 )، أو هكذا كانت تظن، تضيف لمسةً ساحرة لصفيْ أسنانها البيض. ومن ثم كانا ينزلان إلى السرداب لكي يجعلوا الفئران تغادر جحورها بتأوّهات مطارحتهماالغرام.
كانت فتحية تتلفع بعباءة سوداء من قمة الرأس حتى أخمص القدم، ولا تُظهر شيئاً باستثناء كعبي قدميها المتشققين. المنديل الأسود الخفيف (15 ) فوق رأسها يعوّض جمالها الصحراوي بعينين سوداوين كالفحم كانتا مصطبغتين بالكحل وقرط أنفها الذهبي (16 ). ” يا عيوني، يا كابي “، قالت لي. ” لقد تأخرتَ هذا الصباح، لقد أبقيتُ بعض الـ قيمر لك، مع ذلك. ” بإبرة صانع الأفرشة (17 ) الطويلة قطعتْ شريحة كبيرة من زبد الحليب ذي القوام الهلامي الذي كان قد تم غليه وتبريده، ونقلتها من طاسه الخشب قليل السمك إلى لوح الخدمة الذي جلبته معي.
” ما شاء الله، الـ كَيمر هذا اليوم جيد جداً “، قالت كدأبها في كل صباح. كانت بشرتها شبيهة بالـ كَيمر، ناعمة، لدنة، وحريرية. ” كابي “، سألتني بصوتها اللطيف، ” إش صار بيك اليوم يا خويه ؟ أنتَ لا تبدو على سجيتك. “
” لم أنمْ بصورة جيدة جداً. “
ابتسمتْ لي بسمةً عريضةً تنم عن الأذى.” مَن الذي أبقاكَ صاحياً، أميرة ؟ “
” أنتِ “، أجبتها. انفجر كلانا بالضحك. مشى رجل شرطة بصورةٍ منحرفة وسأل بغنج :
” ماذا تبيعين هنا، يا أختي الصغيرة ؟ “
” قشدة أحلامك “، ردتْ فتحية.
” مثلك، حبيبتي. حسناء فعلاً، أليس كذلك ؟ ” سألني.
” في استطاعتك أن تكون واثقاً “، قلتُ له.
هزَّ الشرطي رأسه. ” أنظر إلى هذا ! الغلام لا يزال طفلاً وهو يتطلع إلى النساء باشتهاء. من الأحسن أن تراقبيه حينما يكبر. “
” إنه رجل أصلاً، ما شاء الله “، قالت فتحية، وهي تبصق جانباً كي تطرد ” العين الشريرة “.
” ما اسمكَ ؟ ” سألني الشرطي.
” كابي. “
” اسم عائلتك ؟ “
” عماري. “
” هذا الاسم يقرع الجرس. انتظرْ دقيقةً… ألم يُعتقل أحدهم ممَن يحمل هذا الاسمالبارحة ؟ “
تنهدتُ بعمق وحاولتُ أن أبدو هادئاً وغير متسرع، مع أن كل ما كنتُ أتمناه هو أن ألوذ بالفرار.
” هل هو من أقاربك ؟ ” سألني الشرطي.
” لا أعرف قريباً بهذا الاسم. ” ابتسمتُ لـ فتحية وتمنيتُ لها نهاراً سعيداً. إن الشيء الجوهري، هو أنني تذكرتُ مقولة أبي، وهي أن أبدو طبيعياً على الدوام.

 

هذه الفصول تنشر في موقع كيكا بالاتفاق مع منشورات الجمل،

يمنع إعادة نشرها بدون موافقة منشورات الجمل.

 

(1) يُشير المؤلف إليها أحياناً بـ ” الـ CID ” – م.
(2) وردت هذه الكلمة بالخط المائل في النص الإنكليزي، وسنفعل الشيء نفسه في ترجمتنا هذه كلما وردت كلمة أو عبارة هكذا في الصفحات القادمة من الرواية. وللعلم، هذه الكلمات الواردة بالخط المائل إما من المحكية العراقية أو العربية الفصحى، أو العِبرية ؛ أو هي جمل من المونولوج الداخلي للراوي أو للشخصية الروائية. غالباً ما نقوم نحن أو يقوم المؤلف بتفسير بعض الكلمات أو الجمل الواردة بالعامية العراقية أو الفصحى أو العِبرية في المتن أو الهوامش – م.
(3) المقصود هنا : لواء البصرة – م.
(4) الكفل : مدينة عراقية صغيرة تقع بين بابل وكربلاء والنجف قرب نهر الفرات، تابعة إدارياً لمحافظة ” القادسية ” – م.
(5) اللواء : هو الإقليم أو المتصرفية أو ” المحافظة ” وهو الاسم الشائع حالياً في العراق “– م.
(6) قضية دريفوس : كان ألفريد دريفوس ” 1859 – 1935 ” ضابطاً يهودياً برتبة نقيب في الجيش الفرنسي أواخر القرن التاسع عشر عندما أُتهم سنة 1894 بارتكابه جريمة خيانة، وبيع أسرار عسكرية إلى ألمانيا. بعد محاكمته التي حُظيت بتغطية إعلامية مكثفة، حكمتْ السلطات عليه بالسجن مدى الحياة في جزيرة ديفلز بغويانا. انتشرتْ الفضيحة وانفجرتْ في معركة ما بين المؤيدين لـ دريفوس، الذين أرادوا إعادة النظر في القضية، والمناهضين له الذين لم يريدوا ذلك، وتطور الصراع ليصبح ليس صراعاً حول براءة دريفوس فحسب، بل أصبح صراعاً على ” مبدأ “. بعد 12 عاماً وجدتْ محكمة الإستئناف أن دريفوس بريء، وحصل على مرتبة مميزة في الجيش وقاتل في الحرب العالمية الأولى. إلا إن هذه الفضيحة غيّرتْ وجه السياسة بشكلٍ لن يُنسى في فرنسا، كما أصبحتْ قضية دريفوس مثالاً ساطعاً على الأخطاء القضائية التي يصعب إصلاحها – م.
(7) جِلاّلَة : أرجوحة خشبية، ذات مقعد مغلّف من جميع الجهات، كان يستخدمها البغداديون في أربعينات وخمسينات القرن العشرين – م.
(8) يقصد : أن أخاه حسقيل من دمه ولحمه – م.
(9) واويلي: تعبير بالدارجة العراقية يدل على التوجع أو الألم. ونظيره تعبير سائد حالياً في العراق: أويلي .م
(10) الـ ميزوزا، بالعبرية ” mezuzah ” : رق مستطيل، تُكتب عليه الجمل الملائمة من ” العهد القديم”، وعلى الجانب الآخر من الرق تظهر كلمة ” شدّاي “، وهو أحد أسماء الرب في اليهودية. وتتكون من الحروف الأولى لثلاث كلمات، أي : ” حاملو أبواب إسرائيل. ويتم لف الرق لفّاً جيداً، ثم يُعلّق على الجانب الأيمن من عضادة الباب، في كافة الغرف، باستثناء غرف الحمام. يؤمن سكان البيت بأنها تحفظهم من الشرور، أي أنها بمنزلة رقية – م.

(11) سنتجاوز الالتزام بالقواعد النحوية المتعارف عليها، لأننا في المحكية العراقية لا نقول : أبا صالح أو أبي صالح بل أبوصالح، حتى لو جاء أحد الأسماء الخمسة، كما في الجملة أعلاه، في حال نصب أو جر – م.
(12) هذه الحشية الفرائية أو الوسادة الفرائية يفرش عليها أبو صالح الخباز عجينة الرغيف ويلصقها في السطح الداخلي للفرن.. وهذا ما يفعله الخبازون في العراق على الدوام – م.
(13) بالدارجة العراقية : صانعاً – م.
(14) الأصح ما يلي : غلاف سنها الذهبي، لأن الغلاف هو الذي يظهر حينما يبتسم المرء وليس حشوة السن أو الضرس. وكان تغليف الأسنان شائعاً في الأربعينات الخمسينات والستينات في بغداد وسواها من المدن العراقية لأغراض زينية أو جمالية– م.
(15) يُسمى باللهجة العراقية : الشيلة – م
(16) يُسمى باللهجة العراقية : خزامة – م.
(17) يُسمى بالدارجة العراقية : النداف – م.