“آلهة مغمورة” قصائد مختارة للشاعر النرويجي پول– هيلغي هوغين، ترجمة عاشور الطويبي

Paal-Helge-Haugen

شاعر نرويجي، من مواليد 1945. تخرج من كلية الطب جامعة أوسلو كما أنه درس المسرح والسينما في الولايات المتحدة الأمريكية. بول-هيلغي متعدد الكتابات والاهتمامات. نشر العديد من المحموعات الشعرية والمسرحيات الغنائية التي تم عرضها على مسرح الأوبرا النرويجي. من 1980 وإلى 1985 ترأس اللجنة الوطنية النرويجية للسينما. كما أنه ترأس اتحاد الكتاب النرويجيين وكان أيضاً نائب الرئيس لجمعية كتاب المسرح النرويجيين. كذلك كان واحدا من المساهمين الكبار في حركة الترجمة. فقد ترجم أعمالا هامة من اليابان والصين والأدب الأمريكي. ترجمت أعماله إلى أكثر من عشرين لغة من ضمنها اللغة العربية. وسنة 2009 قلّده ملك النرويج وسام الفارس من الدرجة الأولى لما قدّمه من مساهمات في الثقافة النرويجية. حصل على العديد من الجوائز.

 

إله الأرق

يبصرنا بين طيّة وطيّة من زجاج مدخّن.
لا معرفة، لا كلمة يبدأ بها كي يعبّر عن العزلة التي تغلّفه.
اللّيالي تمرّ والأيّام تمرّ وهو يذهب جيئةً وذهابًا، يقوده ألمٌ ليس له،
لا يجد سبباً لذلك. أبيض كالثّلج ولا أثر لخطواته. أفكارُه تطيرُ من جسده قبل أن يفكّر فيها،
لا يرغبُ بملاحقتها. في بعض الأوقات يحسّ انّه يتحرّك داخل مخّ كبير.
في أوقاتٍ أخرى يجدُ نفسَه يتوقُ للكمال المطلق للخّواء والفناء.
مختوم. يخافُ صوتَه وما قد يقوله. في مكانٍ ما سكنٌ لا يقيمُ فيه أبداً، بيتٌ، بيتٌ تدخلُ السحب وتخرجُ من نوافذه. شفّافٌ وأزرق شاحبٌ، كبحيرة تَعكّرَ صفوُها بهبّة نسيم. وديعٌ كأكتوبر. العشيّاتُ أكثر ما يخاف، العشيّاتُ الخاويةُ الطويلةُ، تكاد تتوقّف الساعات ويصير الوقت عبئاً على كتفيه الضيّقتين. في الغسقِ يخرجُ ويقطفُ ثمرةً من الشجرةِ العظيمةِ شجرة لا يرى رأسها أحد ولا يعرفُ جذورها أحد. هذه متعتُه الوحيدُة.

 

إله مفترق الطرقات

مقيّد في تلك البقعة أين تلتقي الطرق.
للبوصلة نقاطٌ أكثر مما تتحمّله السماء.
منحنٍ وراء زهرةٍ، يحيطُ به الكونُ.
في الغسق تتلاشى كلُّ الطرقاتِ. عيناه المنغوليتان عميقتان لا تغمضان وهما تبصران.
يرى الضوءَ يتكّسر ُإلى شظايا صغيرةٍ أمام عينيه، متشظيّة إلى ألوانٍ مؤلّفة لا تُجبرُ أبداً.
رغباتُنا كلّها تتجمّع فيه، شوقُنا للطريق، الطريق الأوحد.
يسمعُ أسئلتنا، لكنّه لا يجيب. يُتأْتيء ويغرق في الصمت.
تحت سماءٍ بلون القهوة فقدَ حسّه بالوقت والاتّجاه، في الضوء الخافت الساكن.
فوقه تتصارع السحب، يبّلله المطرُ وقدماه باردتان.

يمشي بلا اتجاه، ينتظرُ بديله. يحلمُ بإجازةٍ طويلة، راحة سماويّة، يودّ أن يترك جميع الواجبات إلى موظّف كبير في بذلة رمادية.
يحلم أن يركب درّاجة هوائية هادئة مجهول صانعها، يمضي إلى غابات خضراء تتلاشى لا طرق فيها.

 

إله الملامسات الصغيرة

لا يلمسنا أبدًا، لكنّه يحبّنا، ويريدنا أن نحبّ بعضنا، بأدبٍ وبقوة.
لديه أقفال ذهبيّة وله رائحة طفولة أنتهتْ توًا من حمّامها. فيما نحن نائمون يتحدّث إلينا من مكانٍ ما داخل نومنا، كلّ كلمة تشبه ابتسامة. يعبّر عن نفسه في نفخات خافتة لنَفَس، على حدود المسموع. عندما يبتسم نرى أنّنا قاصرون وفانون.
تصاحبه جوقةُ ملائكة صغيرة، سمينة ونعسانة، عند الغسق تشبه أسود البحر أو بطاريق بأجنحتها المرتبكة ومشيتها المتمايلة. في أوقات يظهر نفسه كنحلة أو طائر طنّان وكلّما تفتّحت وردةٌ غمرته فرحةٌ منفلتةٌ، مقطّر ومركّز في كلمة “مبارك”. الريحُ تهمسُ للعشب والعشبُ يهمسُ للريح. هو يحبّنا. يحلمُ بتقبيلنا بشفاهٍ من نار.
لكلّ مولودٍ جديدٍ يغرسُ شجرةً في الضوء بجذورٍ تمتدّ عميقاً إلى العتمة. لا يغيب عليه خبالنا واضّطرابنا.
ينتظرنا. يتنصّت على وقْع أقدامنا. غالبًا ما نكون في غاية البلل والبؤس.
ينتظرنا ليُوصلنا إلى البيت.

 

إله الصمت

في أولى البدايات نشأ عبر خلطات عشوائية من الضوء، الهواء والغياب التّام للصوت. لذا يتوق إلى رحم الصمت. في أذنيه العالم الصّامت عالم جميل. عندما يخرج يرافقه ملاك وشيطان، واحد على كلّ جانب. كلاهما عييّ. يتفحصنا، عليمٌ بظهوره الرّقيق الشديد وهو السّميع لا تفوته كلمة نقولها، وجلةً وناقصةً. يصفّي ما نهمهم به إلى صمت كامل. يعبّر عن نفسه بحركات صغيرة، نظرات وسكنات مؤثرة، بلا توقّف. لا يحمل أيّ عداوة نحونا، لكنّه لا يثق فينا. آن يملّ من العيش، يلتفت إلى الموتى. عارفون بالصمت. ينصتون إليه. إله الصمت إلهٌ صبور. لديه ما يكفي من الصبر لينتظر إلى أن نصير احفوريات.

 

إله الثقوب السوداء

يقف على أقصى الحافّة في ثباتٍ دائمٍ، مخبوطاً بخطوط الطول، بالخط الفاصل بين المرئي واللامرئي، بين الضّوء والعتمة القصوى. هذه منطقة العتمة التامّة. الضّوء كلّه محاصر داخل الثقب الأسود، هناك تموج الطّاقة جميعها؛ كلّ شيء مغلوب على نفسه إلى أن تلتحم الكثافة المطلقة مع الفراغ المطلق، لا شيء وكلّ شيء يلتقيان والحدود بين الخلق والتدمير تتلاشى. الطّاقة تلسع عينيه اللّتين لا تبصران. على حافّةُ حافّةِ الوقت يتحرّك بطيئا بلا توقف. يعلم أنّ الوقت مسلمّة لا يمكن الحصول عليها ولا اثباتها. يقف على حافّة الخّواء، نقرة في الكون، ثقب يلتهم كلّ شيء، طالما هنالك شيء للالتهام. يقف في القمّة، في سحابة غاز والغبار ينهمر في الداخل وبعيدًا. على الجانب الآخر وراء كلّ شيء، وراء الأفق المضاد ثقب أبيض، ربّما. ذاك قد يكون أبعد من ذكاء الإله. هو مستهلك بخوف ما تحت الذرة، هائلٌ كما الكون، وهو يفهم انّه لا يفهم شيئا. هو بعمر بلايين السنين وهو دائما الوليد الجديد، الذي لم يتشكّل، في حضّانة الكون.

 

إله الجزر الصغيرة

عند سطح المحيط المحطّم بالشُعب المرجانيّة وبقايا البراكين المندثرة،
يبدأ مجاله. سروره أن يرى تفتّق الحياة من الصخرة ورماد البراكين،
بذورٌ حملتها الريح، طيورٌ تبني أعشاشها وتأخذ السلاحف طريقها فوق الشواطيء.
بمكن للجزر الكبيرة الاكتفاء بنفسها، الصغيرة في حاجة إلى رعايته.
هو ملتزم بخدمة الخلق. جزرٌ جديدة تكن آن يقول كن.
عندما تكتمل كينونتها، يعمل على أنّ تكون حسنة وأنّ كلّ شيء كما يجب أن يكون.
السهولُ تمتدّ إلى حافّة الماء، العشب طريّ تحت قدميه والرياح المالحة تموّجُ شَعره الأبيض.
يرعى السحب يأتي بها إلى البيت عند الغروب ليزوّد العالم بالبلل.
يودّ أن يشاركنا هذه الأشياء، لكن حين لا نستجيب يتحدّث مع صداه ويخاطب الخنافس بلغة الخنافس.
في أصغر الجزر بنى ملجأ من الأغصان سيسمح لها بالبقاء فيه. رغبته أن يجلس في الأبديّة
يراقب الماء يجري والريح في زخرفة سيسزموغرافية الحور الرجراج الرهيفة، زواج الزمن والمكان
تغيرهما الدائم في حركة لا هدف لها. في ساعة الشفق يهيم فوق المراعي الصغيرة مع هرّة
تسمح له أن يسمع قصّة الخلق الأول.

 

إله الكائنات ذوات الخليّة الواحدة

ذات مرّة، في البدء، كان فكرة، بلا شكل أو مادّة.
حول هذه الفكرة تشكّل جدارٌ وفراغٌ تجدُ الفكرةُ فيه الغذاء.
هو أكبر من كلّ شيء، أكبر من العالم، أكبر من نفسه.
هو وسط كلّ حياة مع ذلك خارجي ومنفصل.
فكرته الوحيدة، تلتفّ حول اللّب، بسيطة، سهلة الفهم
لذا اللانهائية ضروريّة. هي أساس أصغر أشكال الحياة.
في البحث عنه يحسّ كرائحة نشادر في أقلّ حالاتها.
يحبّ كلّ شيء صغير، ويخاف عظمتنا.
يشكّ في وجود البشر؛ قد تكون خرافة، أساطير آلهة قديمة
حكايا نار نجع السماء. يرى انعكاسه في الهواء، ويرى نفسه كما هو:
كائنًا صغيراً بين تلال من أشياء صغيرة في الكون.
يحلم أن يبني روحاً بسيطةً لخلايا وحيدة. هذا فوق قدرته
في عجزه يبحثُ عن ملجأ له بين الميكروبات.
لا نستطيع إيجاده هناك، بميكروسكوباتنا المحصّنة.

 

إله آلهة أصغر

مسكنه مليءٌ بغبار المعجزات السالفة.
تتدفّق عبر ثقب المفتاح وتحت الباب ومحفوظة كريحٍ
وطقسٍ، كملحٍ وأسىً وغبار. تقلقهُ الآلهةُ الأصغر،
لعوبة ولا مسؤولة، نسيتْ مصيرها لذا هي ودودة وسعيدة.
يحاول أن يعيدَ إليها الشعور بالهدف.
يحاول أن يجعلها جاهزةً. ليلة بعد ليلة يجلس
يدخلها في دفاتر لا تنتهي، اسمًا فوق اسم،
بيدٍ ترتعش قليلاً. يعيد ُخلقها في جلالٍ وفي كتابة.
المصباحُ فوق مكتبه يحترقُ في الليل بينا يحاول أن
يصلح عيوب الآلهة الصغيرة. يملؤونه بماليخوليا عميقة
واحساس بلاجدوى لن يعترف به.
يتذكّر كلّ شيء تفضّل الآلهة الصغيرة نسيانه وهذا ينهكه؛
يأخذ التعب منه، هالات سوداء تحت عينيه.
يتولّى تعليمها بنفسه، يعطيها خرائط السموات والمناطق المجاورة،
ويمدّها بسجلّ الكون. عندما يكتملُ القمرُ يغنّي لها،
الآلهة الصغيرة نسيت الأغاني القديمة. تتثاءب.
الإله الهرم يستجمع آخر قوّته ويبدأ من جديد.

 

إله الظروف

من كلّ الآلهة هو الأقرب للإنسان.
كلّ كلمة تهرب منّا يلتقطها ويسجّلها في ملفّاته.
هذا السجلّ يتضخّم باستمرار يصل إلى السحب.
كلّ يوم يذرع أروقة سجلّاته باحثاً عن بصمة الظرْف المثالي
للظّلال الرّمادية للكينونة. قد بدأ في تهجّي طريقه عبر الألفاظ المجمّعة
للعالم، الحيّة والميتة، إضافة إلى معجم السماء. في أذربيجان
لا توجد ظروف في اللغة، بل اطنابات وانعطافات مخفية في مكان ما في اللغة.
إله الظروف يجد هذا مرهقاً جدًا. الظرفُ جزءٌ من الخطاب متعلّقٌ بما بعد التفكير.
عندما يظهر الظرف على سطح لغة بشرية تنتهي الطفولة.
يصبح لدينا مناطق رماديّة متداخلة في مجال السبب، في الفجوة الاجترار
بين السؤال والإجابة. الحقائق عمرها قصير. هذا انجيله. يرى حاجتنا لتشكيل العالم،
لكن هي دعوته لإدخال الشك في ما أعطى، ويمكنه فقط تنوير من يسعى لذلك.
عندما يتكلم، حروفه الصائتة تُكبح والساكنة حصباء مبعثرة على سهلٍ من مضايقات متحرّكة.
يختبيء في العواصف الرعدية ويخاف لسان البرق المشقوق، إنه أمرٌ في غاية الوضوح.
يجد مأوى في سديمٍ مرطّبٍ. كلّ ما يتركه وراءه صوت خطوات متردّدة.

 

إله التنازلات المتدرّجة

في آخر النهار يبدأ الشكّ في المعرفة المطلقة،
القوّة المطلقة الـي منحت له ذات مرّة. حمَل ذلك العبء طويلاً.
كلمّا فكّر أكثر كلّما صار أخفّ. مرّاتٍ يحلم أن يصير خفيفاً
لدرجة أن يصعد ليلعب مع السحب. مرّاتٍ يحلمُ أنّه يقشّر جسده الضخم
ويستلقي لينام على ورقة لوتس. لقد فهم لن يقدر أبداً أن يعيد اختراع تاريخ البشرية.
لن يقدر أبداً على قلبه، لن يقدر أبداً على تعديله، لن يقدر أبداً على تصحيحه.
لكن بامكانه أن يرينا حبّه بلا انقطاع، وأن يعلّمنا كيف نظهر الحب لبعضنا البعض.
إنه إله، وليس حاكماً. سيحبّنا، لا يحكم علينا. يرى أنّنا في حاجة إلى مغفرته.
يأمل أن يردّنا إلى أنفسنا. إن كنّا مذنبين، يشعر بالذنب من أجلنا. هو العليم.
مرّ بحروب حصارات انفجارات خنادق سقوط اشعاعات نووية.
مع ذلك يواصل حبّه لنا، ولديه إيمان. خوفه الأكبر عالم ينمو في العشب بلا تاريخ، بدوننا.
جاء ليمنع هذا. هو في غاية السّعادة وغاية الشّقاء. يذهب للمنفى بين الرجال.
يسمح لنفسه أن يكون كئيباً في الخلق. هو باقٍ.

 

عاشور الطويبي، شاعر ومترجم ليبي، النرويج
bashirmetwebi@gmail.com