سيف الرحبي: مَن يَهنْ يسهل الهوانُ عليهِ

“الحروب أكثـر أوهام البشر وحشيّة وقذارة”

Saif Al-Rahbi

الثقافة بالمعنى (النيتشوي)، تعني مجموع النشاطات الانسانية من بنى اجتماعية وإنتاجيّة، الى الفنون والآداب والفلسفة أي ما يوازي مفهوم الحضارة عند الفرنسيين..
العرب: أو هذه الأمة والشعوب التي تندرج ضمن هذه التسمية ـ المصطلح ـ لا تندرج راهنا ضمن أي مفهوم في السياقات الحضارية الثقافية والمدنيّة إلا شكلياَ. وذلك الزخم من الأحلام و«المشاريع» التي عجّت بها أرض العرب منذ نهاية القرن التاسع عشر واستشهد في سبيلها خلقٌ كثير، وقدحت عقول ومخيلات خلاّقة زنادَ أدواتها المعرفية وأحلامها الطموحة إلى تجاوز حقبة الظلام والتخلف التي هيمنت عقوداً طويلة.
ليس هناك ما يشير الى ذلك حتى في حدوده الدنيا كتلك الموجودة في البلدان التي تقع خارج منظومة المركزيّة الاوروبية، الأمريكية في أمريكا اللاتينية أو الشرق الأقصى الآسيوي.
إنها فترة استثنائية واقعاً وخطاباً، عدا الخطاب التسويقي الإعلامي الذي لا يعمل إلا على إخفاء واقع حقيقة البؤس الدمويّة الملتهبة بشتى أصناف الأوبئة والحروب والاستبداد ..
هذا على صعيد راهن العصر العربي «الحديث» أما ذلك الذي مرّت عليه الأزمان والعقود، فبلا شك يمكن (مفهمته)، أو مقاربته ضمن الأطر، المفاهيم والمعايير الحضارية الثقافية ففيلسوف صعب المراس مثل (فريدريك نيتشه) يعتبر ارستقراطية الحضارة العربية الاسلامية، واحدة من أعظم الارستقراطيات في التاريخ، وتعبير أرستقراطيّة ينسجم مع مفهومه الثقافي للحضارة.
وكذلك (شبنجلر) الذي اعتبر تلك الحضارة العربية من كبريات الحضارات العشر وفق معاييره وتصنيفه للدورات الحضارية الكبرى التي تعاقبت على أرض البشر باختلاف الزمان والمكان.
هذا على عكس ما يروّج «الوعي» الانتقامي المهجوس بالإقصاء الأعمى والإبادات الرمزية التي تتوازى وتتداخل مع المؤامرات والحروب وشتى التصفيات المادية، البشرية والجغرافية في محاولة بائسة لتغيير ذاكرتها وقيمها ومعالمها.
وقبل مشروع الحضارة العربية الإسلامية، التي تناسلت إلى حضارات تحمل الصفة الأخيرة وإن تغيرت الأعراق مثل المغولية في مرحلتها الثانية، والعثمانية كمفصلين كبيرين، كانت أرض العرب تمور قبل فجرها الاسلامي بالأفكار والأديان، وأنماط الحياة المدنية الحضارية ضمن إطار دولة أو دول بمعايير ذلك الزمان.
وحتى إرث الحضارات القديمة. الكبرى تظل جداول خفية ورسوبات تتدفق في الوعي العربي ولا وعيه. من هنا تأتي قراءة مفكرين تاريخيين مثل جواد علي وغيره ممن لا يحمل وجهة «الآخر» تظل ضرورة ملحة، لدحض تلك «الكليشيهات» الساذجة المضجرة عن بداوة العرب ورفضهم للحضارة. فالبداوة والحضارة لا يمكن اختزالهما في هذه الثنائية المبسطة وهي ذات تركيب معرفي وتاريخي تحفل به مظانّ الكتب والنظريات الباحثة في العمق من وقائع التاريخ ودوراته، والمعرفة. أليست معظم حضارات العالم إن لم تكن جميعها، وُلدت من عصبيات قرابيّة وبدويّة، لتتكون وتستوي فتوةً وشباباً ومن ثم وهناً واضمحلالاً، لتحل محلها أخرى؟ .. (ابن خلدون) مؤسس هذا المجال الحيوي لنشوء الحضارات والعمران، وعن أولئك الفرسان ووجيف خيلهم فوق كثبان الرمال العاتية: (شهوتهم محو المكان).
وهي موجودة في تاريخ الأمم والشعوب على مستوى البشر قاطبة وإن بدرجات وأوجه مختلفة تناولها مفكرو التاريخ والحضارات والانثربولوجيون البعيدون عن عُقد الانتقام وتصفية الحساب.
دعك من المفهوم (الدلوزي) عن الترحل البدوي في المعرفة والرؤى، في الجغرافيات المختلفة مكانياً وروحياً..
ربما مثل هذا الكلام يجد ضرورته الملحّة، أمام الخطاب العامي الشائع والذي يتبناه أيضا بعض أبناء هذه الأمة المنكوبة حيث العرب أصبحوا تاريخا وزمناً (الحيطة الواطية) حسب التعبير الشامي، قراهم ومُدنهم العريقة تباد تطهيراً عرقياً وفتكاً ومن غير أن يرتفع صوت يقارب حجم الكارثة.. وأصبحوا نهباً للفكر الرعاعي اللانقدي واللاتاريخي وطبعاً المجافي لأي موضوعيّة.. فهم بدو إرهابيون معادون للحضارة والمدنية… وتسود عبارات وتصورات مجافية للحد الأدنى من المنطق والأخلاق والإنسانية مثل «العرب السنة» وكأنما الشيعة، ضمن هذه القسمة ليسوا عرباً، وهم يتحدرون من قبائل وعشائر وحمولات، من أصول سلاليّة واحدة «وتعبيرات مثل السنة التكفيريين» و«الشيعة عملاء ايران» هذا الاختزال المريع جملة وتفصيلاً لتأسيس الذاكرة والقيم النقيظة لكينونة الأمم والشعوب.
ومثل هذه التعبيرات المنحطة التي روّجها دعاة الحروب والكراهيات، تلقى رواجاً في الإعلام العربي وكأنها مسلمات!! تلك الملايين التي لا تحصى، من البشر مقذوفة في صحراء العري الدموي قتلا وتشريدا واقتلاعاً في مجزرة قل مثيلها في التاريخ «البربري» وفق المصطلح الأوروبي، تحصل الآن والهنا، في القرن الحادي والعشرين، قرن الحضارة القصوى والعلم والفنون، المعمار والموسيقى وثورة المعلومات العبقرية ومجلس الأمن والأمم المتحدة التي نظّر لها قبل عقود من تأسيسها الفيلسوف الألماني (عمانويل كانط) الذي يقول في كتابه المرجعي (ميتافيزيقيا الأخلاق): «شيئان يثيران الدهشة في أعماقي النجوم في السماء والأخلاق على الأرض»، لا نجوم إلا النجوم التي تضيء سماء المجزرة، كما تضيئها الكاميرات والمحطات الفضائية والأقمار الصناعية. ولا أخلاق إلا «أخلاق» البربرية الحديثة الأكثر فتكاً وإبادة وانحطاطا من البربريات التي عرفها الماضي القديم والوسيط.. هل تتذكر أوروبا الأمريكية الممسكة بأسباب القوة والحضارة الأساسية وبالديمقراطية والرفاه داخل بلدانها…
إن هناك خارج هذه البلدان والدول التي ما زالت منيعة بمؤسساتها وعلمها، ان هناك من يستحق الحياة والدعم الفعلي لا اللفظي ويستحق المنزل والديار التي توارثوها عن أسلافهم التي لم تنقطع سلالاتهم البدوية والحضارية وتستحق الكرامة والدولة الجامعة الرشيدة؟!
طرح مثل هذه الأسئلة والهواجس ربما من السذاجة لكن لا بد من طرحها من فرط إلحاح الكوابيس والدم المُراق والاستباحة. وسياق الطرح إلى من يرفعون رايات حقوق الانسان وحريته وكرامته المادية والمعنويّة. وليسوا من هم خارج ذلك ممن القتل والاستباحة والاستبداد لُحمة نسيجهم وسُداه ..
في سياق هذه العجالة المكلومة، أتذكر أبا الطيب المتنبي «من يهن يسهل الهوانُ عليه…..» ولا أكمل البيت المأساوي، لأن الأمم العظيمة لاتفتأ تدافع عن كينونها، حياتها ووجودها حتى في أحلك الأوقات وأظلمها. عهد الانحطاط الطويل الذي خبرته أمم وشعوب زائل، والمستقبل النقيض تصنعه الأجيال القادمة، التي لا ينبغي أن نسقط يأسنا المطبق، على أحلامها ووجودها. وتذكر بمقولة (جوته) الشهيرة «رمادية هي النظرية يا صديقي وشجرة الحياة في اخضرار واغزرار». التي ينسبها البعض إلى مواطنه كارل ماركس، الذي استعارها من فرط التقدير والإعجاب..
لا يمكن، لا قوّة الميديا ولا قوة السلاح المهيمنة، ولا الرواية الزائفة للتاريخ والوقائع التي يصنّعها ويتبناها نفر من خارج البلاد العربية وداخلها، أن تمحو ذاكرة هذه الأمة وقَبر أحلامها ونزوعها الى الحرية والاستقلال.

* * *

لا نعرف من خلال قراءة التاريخ العربي إلا نادراً، مثل هذا الانكشاف والانحلال على جميع الأصعدة، مثل ما هو عليه الحال في البرهة العربية الراهنة، عصابات ومليشيات مرتبطة ارتباطاً عضوياً بجهات أجنبية، تهزم جيوشاً. بُنيت عبر السنين من قوت هذه الشعوب المسكينة، المُذلة أيما إذلال، التي تنحل بدورها (الجيوش) إلى ميليشيات، وتسيطر على بلدان ومساحات واسعة من الأرض .. ميليشيات وعصابات طائفية كلها تدعي تمثيل الإسلام الذي يقف على النقيض منها، سواء تلك التي تزعم تمثيل الشيعة وولاية الفقيه أو تلك المتطرفة التي تحلم بعودة الخلافة المتوهّمة تقتل وتسحل وتبيد مثل أخواتها في الجهة المقابلة .. من الواضح أن القوة الأعظم وفلكها ضمنياً، لا تقف إلى جانب أحد بالمعنى الفعلي، وإن وقفت فلضمان ديمومة المذبحة، وليس إيثاراً وحباً، حتى يحين أوان ذبحها في مسلسل القسوة الطويل هذا، وتحارب الثانية حرباً إن لم تكن لطيفة فهي غير ساحقة كما عودت العالم في هذه المسرحية السوداء الدامية التي تدفع ثمنها الشعوب العربية وما تبقى لها من إنجازات إذا صّحت العبارة، بعد هذا التاريخ الطويل من المسار التدميري الاستبدادي للنخب الحاكمة التي احتلت الفضاء العام بالمطلق وكذلك الخاص حيث الرعب من قول كلمة حق عابرة ولو كانت بين أفراد العائلة الواحدة .. هذا ما آلت إليه «الدولة الوطنية» الجامعة المانعة التي أتت بعد رحيل الاستعمار بمعناه المباشر، وكانت الشعارات الصاخبة والموّارة بأحلام المستقبل والفردوس الموعود..
ليس أفظع وأكثر قسوة من هذه المسرحية الفجّة الوقحة بتمثيلها وإخراجها الرديء العاري من الموهبة، لكن النتائج كارثية والقادم أكثر فتكاً وانكشافاً، طائفيةً وانحطاطاً، حيث أمواج الفتن كقِطع الليل المظلم حسب قول شريف ..
وحيث جشع المسيطرين، في سدّ أي أفق فيه بعض الأمل والضوء لهذه الحشود المحرومة من كل شيء عدا نعمة التصفيق والولاء المطلق.
إننا أمام جردة الحساب المؤلمة والفاجعية لتاريخ ليست الرحمة من طبائعه ومساراته..
فحذار لأولئك الموهومين بالنصر الكاذب، فالذي ينتظر على منعطف الطريق ليس أقل من مجزرة خرافية تُولد ولادة رحمية من سابقاتها.

* * *

حين ينظر الواحد منا، إلى أحد أطفاله وقد اعترته وعكة زكام وحمّى يتذكر الملايين من أطفال سوريا واليمن والعراق وليبيا، وسائر البلاد المنكوبة، يرتجفون برداً وجوعاً وعطشاً ..وسط ذلك العراء الفاجر!

* * *

الأنظمة القمعية المستبدة التي يسيطر عليها الجشع والجهل والفساد، تُستفز من أي رأي صادق أو رؤية ناقدة..
لأن المرآة تكشف بالضرورة بشاعة الوجه الناظر فيها..
النفاق والمنافقون هم لُحمة هذا النسيج وسُداه
حتى تقع الواقعة مثلما هي عليه في سورية والمشرق، طليعة المأساة العربية والتاريخ البشري عامة، والعراق الذي يتناثر أشلاءً، حطامَ أرواح وحياة وعمرانا، مثالاً لا حصْراً،
والحبل على غارب المجزرة..

* * *

كتب «المغترب» إلى صاحبه :
وطني لو شُغلتُ بالخلد عنه ؟
نازعتني إليه في الخلد نفسي ..
رد عليه المقيم :
كيف يستقيم هذا الهوى والحنين، والمواطن في وطنه لا يتحصل على حق قرد في حديقة حيوان كي لا أرتكب هفوة قاتلة وأقول، غابة
أو حق حمارٍ في حظيرة..

 

شاعر عُماني، رئيس تحرير الفصلية الثقافية “نزوى”، والنص جزء من افتتاحية العدد الجديد.
nizwa99@nizwa.com