“سان فرانسيسكو” و”المنفى” قصيدتان للشاعر التونسي ميلاد فايزة

 

سان فرانسيسكو

هائما في شوارعها
أبحث عن شعراء يكتبون بيانات المنفى في حاناتها
ويلعنون الرأسمالية
والمجازات الباهتة.
أبحث عن روائيين يبنون جسرا للجنود الفارين من حروب طائشة
والمشردين العالقين في هوامش الحكاية.

أقول لنفسي فَلْأدخل الحيّ الإيطالي إذن،
أو مكتبة سيتي لايتس
لعلي – إن كنت محظوظا – أشربُ بيرة مع شاعر يتأمل منفاه، مثلي، في لكنة نادلة غريبة،
أو ألمح في نهاية الشارع شاعرةً تعلّق شموسا برتقالية على سروة في الجنوب.

أسأل امرأة غريبة في البار عن العلاقة بين الإيقاع في العويل
وبين قمر يميلُ
على البحيرة في نصوص مارك ستراند.
تقول لي: أمتأكد أنك تريد بيرة أخرى؟ أليس لك في أقاصي المدينة زوجة وأطفال؟ أقول لها إني قد تركتهم يهدمون جداراً بناه الرعاة ووعدتهم بشمس صغيرة نزيّن بها شجرة الميلاد حين أعود. بيرة أخرى لأجل سان فرانسيسكو! تراقصني المرأة وتروي لي سيرة أجدادها الذين تركوا خلفهم بيوتا في العاصفة ورجلا من التبن ينهر عنها اللصوص والغربان. أروي لها ما فعله الغزاة بحقول الزيتون في قريتي والجنود الذين قايضوا حياتهم بسلال من البيض والدجاج.

أقول للمرأة التي رأت رأسي معلقا على جسور تهزها العاصفة:
سان فرانسيسكو لي.
شوارعها لي.
نساؤها المتلحّفات بحُمرة الرغبة وزُرقة السماء لي.
ماضيها المشتعل في عرق العبيد لي.
موسيقاها،
ليلها الصاخب،
ومشرّدوها الصاعدون في غيوم الماريوانا لي.
لي بحرها
وجبلها
وبراكينها
وكل ما يهبني التأويل في خطيئتها لي.
سان فرانسيسكو لي
والمرأة التي تشرب دمي على جسرها الذهبي لي…

المنفى

 

Miled Faiza

صباح نديّ على شجرة سنديان
وظبيٌ متحفّز تثيرهُ رائحة عرقُ الشهوة
أو دخانُ الماريوانا في الضباب.

لغةٌ مخاتلة أتهجّى طقوسّها
في بحارٍ عاصفة وسماواتٌ ثقبتها أقمارٌ تالفة.

بيتي الأليف في الغابة
ولغتي الخلاسية أغمس أصواتها في رنين الفضة على الغرانيت.

أشجارٌ برّيّةٌ عصيّةٌ على الأسماء
تنمو في المسافة الفاصلة بين بيتي والمحيط.

لغةٌ أعاشرها سرًّا في القواميس وأملأ مسامّها بعطرٍ بلديٍّ قديم.
قصائدُ أترجمها بصبر إسكافيّ. أضعها في قارورة وأرمي بها نحو غيمة عابرة.

وردةٌ حمراء قانية على قبرِ طفل لفظته موجة زرقاء تجرّها البروق.
سماءٌ غائمة.

ثلوجُ أخر أبريل تدفنُ بقسوةٍ عمياء زهرةَ توليب بَذرْتُها في الخريف. ثلوج تقسو على ضلع وحيد منسيّ في الغابة. من يغرسُ هذا الضلع في قلبي لأَلِدَ تلك الغزالة الدافئة؟

المنفى تأملات
في الدين
والعُذريّة
والحروب المقدّسة.

تاريخٌ مقلوبٌ تجرّه خيولٌ شاردة.

مزجٌ طلائعيٌّ
بين دماء تسيل في الشوارع
وقمرٍ يميلُ على امرأة تحلم بيدٍ تخرجُ من البحيرة.

أخرجُ من بَيتي إذنْ
آخِر الليل
باحثاً عن بومٍ أُصالحهُ
وغرابٍ لأرسمَ له في سمائي
مساراً آمناً للرحيل
وأقول له:
المنفى خطٌّ مستقيمٌ في أرض الله الواسعة،
رحيلٌ في اتّجاه شمالٍ\جنوبٍ لا ينتهي.

 

miled_faiza@brown.edu

ميلاد فايزة: شاعر ومترجم تونسي يعيش بولاية رود أيلاند بالولايات المتحدة الأمريكية. نُشرت نصوصه باللغة العربية ومُترجمة إلى الأنجليزية والفرنسية والصربية في دوريات وأنثولوجيات مختلفة. صدر له “بقايا البيت الذي دخلناه مرة واحدة” سنة 2004 عن دار أزمنة \ ألواح وترجمة لرواية “الخريف” للكاتبة الاسكتلندية آلي سميث عن دار روايات سنة 2017.