مأساة السيدة ليندا قصة قصيرة للكاتب المصري جمال مقار

 

كانت ليندا واحدة من ثمانية جراء صغار؛ انزلقت من حيا أمها (نجية) في ليلة مقمرة بين أكوام كسر الخشب بجراج شركة الوادي الجديد، ولما بلغت الجراء الفطام كانت الأم المسكينة قد أعياها كثرة ما أرضعت مع قلة ما نالت من طعام زهيد، حتى أصابها هزال شديد أفضى بها إلى مرض عضال غامض أنهى حياتها.
هكذا تركت ليندا وأخوتها مهد طفولتهم وهم بعد صغار أيتام مساكين؛ ليتلقوا الهبات من سائقي السيارات النقل الكراز الروسي شبه المتعطلين الذين يقضون وقتهم في المسامرة وتدخين الكيف على الأرصفة خارج مبنى الجراج؛ وحين يأتي وقت تناول الطعام، كانت جراء نجية تلتف حولهم تبصبص بأذنابها الصغيرة وهي تتطلع متوسلة إليهم بعيونهم اللوزية الرائعة، وعندما يتقاعس السائقون عن رمي الطعام إلى الجراء، كان بيبرس أشدهم سطلا ومرحا؛ يصرخ فيهم:
ـ لهم حق معلوم؛ اعطوهم طعاما، ألسنا جميعا كلابا؟
ثم يلقي بقطعة خبز في الهواء فتسرع الكلاب الصغيرة الجائعة إليها وتتلقفها في الهواء، حتى تنتهي من أكلها، ثم تعود إليه فيرمي لها بقطعة من السمك أو اللحم وهو في حالة من جذل المساطيل؛ تدفع بقية السائقين لأن يحذو حذوه.
ولما شبت ليندا عن الطوق أسفرت عن كلبة كلبة باهرة الأنوثة ذات جمال يأتيها من نسب بعيد لكلب وولف شريد عاش قبل تشرده في جنائن الخاصة الملكية؛ حتى قامت الثورة وأطاحت بأصحابه، فمضى مرتحلا وحط رحاله في مخازن الشركة، هناك طارح جدة ليندا الغرام ذات ليلة ليلاء ودس في نسلهما عرقا من سلالة كلاب ملكية.
ولأن الطبيعة حبتها جمالا خاصا، كانت تشعر به في نظرات ذكور الكلاب الشبقة، تراها تمشي مزهوة بعودها الملفوف وذيلها مرفوعا يكشف عن. كبير يشبه ثمرة كمثرى؛ وحين تكون في تربيع شبقها يحمر ويصبح مثل قلب عاشقة مكلومة ينز الدم من شقه الغائر؛ و بدا حقيقة ساطعة أنه لم يكن هناك لها مثيل بين بقية الكلبات الضائعات اللواتي عمرت بها شوارع عين شمس في تلك الآونة، أضف إلى ذلك أنها كانت مصابة بداء الغلمة( شدة الرغبة في الجماع) ذلك ما جعل رائحة شبقها تنشر أريجها الفواح في الأجواء، حتى إن عددا لا يقل عن ثلاثة ولا يزيد عن ستة كلاب كان يسعى خلفها إذا خرجت من الشركة للتنزه، وحين تقع في عشق مع ذكر ويحدث الالتقاء؛ كنا نبدأ المطاردة، فينال المسكينان منا ضربات موجعة بالعصي أو الطوب، مما يدفعها إلى جرجرة الذكر معها في محاولة يائسة للفرار من شرورنا، وما كنا لنفلتهما إلا أن تفلته وهي في حالة من السخط والضجر، ومع ذلك عاشت ليندا حياة واسعة عريضة مملوءة لهوا ولعبا.
لكن دوام الحال من المحال.
كان جندب سيد كلاب الحي بجسده العامر بالعضلات ووجهه الذي تركت فيه معارك الشوارع الحامية آثارا بشعة؛ واحد من تلك الآثار قطع في جفن احدي عينيه تدلى قليلا عليها، فقلل من رؤيته وزاد في عصبيته وغباء أفعاله.
كان مرهوب الجانب فرض زعامته بلا منازع بعد أن لقن (عنتر بيبو) درسا قاسيا، حين حاول ذلك المتغطرس الغر بجسده الضخم وجلده الأبلق أن ينتهك حدود مملكة جندب وأن ينال من ليندا فتاته الأثيرة، عندها نشبت بينهما معركة حامية قاسية، وقف السائقون يشاهدونها، وانقسموا إلى فريقين، شجع كل فريق منهما أحد الكلبين، حتى انتهت المعركة بهزيمة( عنتر بيبو) فانسحب في ذلة وهو يموء كقطة صغيرة واضعا ذيله بين ساقيه وغادر الحي.
ثم كانت الطامة الكبرى التي ستغير التاريخ وتنتهي بميتتها المأساوية وإبادة قبيلتها.
هاجم( جندب )ابنة رئيس مباحث القسم، وهي طفلة في الثامنة من عمرها، كانت عائدة من درس خصوصي عند الأستاذ شفيق لوزة عين أعيان مدرسي عين شمس.
كان جندب يقضي نهاره متناوما في حفرة ترابية مستديرة، بعد أن قضى ليله في عربدة ومطاردات مثيرة، سابحا في أحلام أثيرة تعمر بإناث بالغات الحسن؛ وعندما تقاطعت خطوات الطفلة مع مرقده أفسدت عليه أحلامه، نهض وزمجر مكشرا عن أنيابه ونبح في وجهها نبحا شديدا، وعلى الرغم من أنه لم يتجاوز النباح؛ إلا أن مشهده المرعب وجسده الضخم جعل الطفلة تسقط مغشيا عليها، ولما أفاقت ظلت ثلاثة أيام فاقدة النطق، حتى جن جنون أبيها، أرسل للمديرية مكاتبة تفيد بانتشار الكلاب الضالة في منطقة عيشه، وإنها تعيث فسادا في شوارع وحارات وأزقة عين شمس، فأرسلت مديرية الأمن إذنا له بتشكيل مجموعة قنص، ففعل واضعا على رأسها أحد أمهر الرماة والقناصين في القسم.
في الصباح الباكر لذلك اليوم البعيد رأيناه يحمل بندقية رهيبة من ذلك النوع الذي كنا نسميه (بندقية بروحين) أي ماسورتين.
دوت طلقات البندقية لتقتل الكلاب كلبا كلبا، أضج صوتها الانفجاري مضجع ليندا التي قضت ليلة عشق صاخبة داخل جراج الشركة، نهضت مفزوعة، مما أربك إدراكها، وبدلا من أن تظل مختبئة محتمية بالشركة، خرجت تجري في محاولة يائسة للفرار من صائد الكلاب، حاصرها القناص في أحد الأركان ورماها رمية صائبة؛ أصابت ضلعها واخترقته وصولا لقلبها فمزقت جدرانه.
عوت المسكينة من ثقبة الرصاصة لقلبها وخرت صريعة فاقدة للحياة.
**
في الصباح التالي؛ عندما جاء السائقون للتوقيع في دفتر الحضور والانصراف؛ انتهت إليهم الأخبار، ذهب بيبرس ليندس بين لمة الأطفال الذين وقفوا خلف الشركة يرنون لجثث الكلاب الملقاة هنا ههنا، انصرف سويعة وعاد حاملا جواريف ومعاول رمى بها عند أقدامنا وهو يقول:
ـ احفروا حفرة كبيرة وواروا جثث الكلاب بالتراب لئلا يحمل موتها لكمالمرض والموت.
حفرنا حفرة كبيرة ثم سحبنا جثث الكلاب وألقيناها فيها، وعندما سحبنا جثة ليندا ، صرخ بيبرس متألما:
ـ آه، وداعا يا ليندا؛ وداعا أيتها المسكينة.
أهلنا التراب عليها، ومضينا لنلعب الكرة الشراب.
**
بعد أيام عرفنا أن صائد الكلاب قد رُقي ونُقل إلى الحرس الجمهوري، وبعد عام جلس بيبرس في الشمس يقرأ في جريدة بصوت عال ليُسمع من تحلق حوله من سائقين، أعلمهم أن القناص شارك في محاولة اغتيال الزعيم وحُوكم أمام محكمة عسكرية، عندها توقف بيبرس عن القراءة وابتلع ريقه وجفف عرقه، وقال وهو يغلق الجريدة:
ـ ونال بدوره حكما بالإعدام رميا بالرصاص ( زم شفتيه، ثم واصل ) تماما مثل ليندا.