“البنت السمكة” فصل من رواية “مزاج حر” للكاتب المصري محمد الفخراني

اعترضَتْ طريقى شابة قادمة من الجهة الأخرى للشارع، ترتدى قطعة الملابس التى يرتديها شخص ستُجرى له عملية ما، قميص أو أيًا كان، بلون أزرق سماوى شفاف، ينتهى عند ساقيها، رأيت ثدييها الصغيرين، وكيلوتها الذى بلون الليمون، ورائحته ربما، وفى قدميها كان خُفٌ من فرو صناعى أخضر، لم تبْدُ كمجنونة، ربما هاربة، التقطَتْ أنفاسها، ابتسمَتْ وقالت:
“كيف حالُك؟”.
كانت حقيقية، وبسيطة، كأنها تعرفنى منذ سنوات، شعرْتُ أنى أيضًا أعرفها.
ابتسمْتُ: “أنا بخير، وأنتِ؟”.
“بخير”، قالت، وخطفَتْ نظرة إلى الجهة الأخرى من الشارع: “فقط ربما يُجرون لى عملية هذه الليلة”، أشاحت بيدها: “لا تهتم، هل يمكن أن أدعوك إلى فنجان قهوة؟”، وضعَتْ باطن إحدى يديها مفرودة فوق ظهر اليد الأخرى، دفعتْهُما باتجاهى ببطء وهى تُحَرِّك إبهامَيْها مثل زُعنفتَى سمكة.
قالت: “سمكة تَسْبَح”، بدَتْ حركة يديها بالفعل مثل سمكة تَسْبَح.
دخلنا المقهى.
جلسنا إلى طاولة تطلُّ على الشارع، وضعْتُ حقيبتى فوق مقعد بجوارى، مَدَّت الفتاة يدها لتصافحنى:
“أنا البنت السمكة”.
أعجبنى أن تصف نفسها بالسمكة، جميل، ونادر، صافَحْتُها وأنا أقول:
“اعتقدْتُ أنكِ البنت الهاربة من المستشفى، أنا مُتجوِّل”.
“متجوِّل، اممم، هناك احتمالات كثيرة حول هذا”.
“فقط أريد أن أُحقِّق حلمًا قديمًا بأن أتجوَّل فى العالم”، مرَّرْتُ عينىَّ على القطعة التى ترتديها.
“وأنتِ ما زِلْتِ الفتاة الهاربة من المستشفى”.
ابتسمَتْ.
“أنتظر منذ إسبوعين أن يُجروا لى عميلة بالقلب”، نظرَتْ عَبْر النافذة إلى الجهة الأخرى: “لكنى لا أطيق البقاء فى مكان واحد، أخرج مرة كل يوم وأخطف شخصًا من الشارع ليشرب معى شيئًا ما، هنا”.
“هل تفعلين شيئًا عدا خطف الناس من الشوارع؟”.
“أعمل مُتطوِّعة فى الأعمال الخيرية، حول العالم”، صنَعَتْ بيديها حركة السمكة السابِحة: “أنا السمكة السابحة لا أطيق البقاء فى مكان واحد”.
جاء النادل.
سألَتْنى الفتاة: “ماذا تحب أن تشرب؟”.
“قهوة سادة”، انصرف النادل.
سألتُها: “لن تشربى شيئًا؟”.
“يعرف طلبى”.
“حسنًا، ولماذا أنتِ البنت السمكة؟”.
“أولاً هذا إحساسى الشخصى بنفسى، أنا أحب أسلوب السمكة، انسيابيتها، طبيعتها التلقائية، بريقها الخاص، طريقتها فى اللعب، هدوءها، مرحها، حركاتها المفاجئة، أحيًانا تكون متوحِّدة، وأحيانًا أخرى اجتماعية”.
كانت كلما قالت شيئًا عن السمكة رأيته فيها على الفور.
قالت: “أحب سذاجتها اللطيفة، وذكاءها البرىء”.
رأيت سذاجتها وبراءتها، وتخيَّلْتُ سمكة تَسْبَح بداخلها، صمتَتْ تُفكِّر.
قلت: “السمكة لا تغرق ولا تذوب فى الماء”.
“وهى أيضًا تضىء”.
رأيت ضوءها الداخلى.
عاد النادل بقهوتى، وللبنت السمكة بفنجان كبير تُغطِّيه رغوة برائحة البُنّ وجوز الهند.
سألَتْنى: “صادفْتَ شيئًا مميزًا خلال تجوالك؟”.
“نعم، رأيت ما أدهشنى، وأنتِ؟”.
أومأتْ، رشفَتْ من فنجانها، لعَقَتْ شفتها العليا كلها بطرف لسانها لتمسح خَطًا أبيض.
قالت: “هل تعرف ما أكثر شىء أثَّرَ فىّ”، صمَتَتْ لحظة، وهمَسَت: “الجمال”، سحَبَتْ نفسها لتكون على حافة المقعد، بدَتْ مُتحمسة وهى تقول: “مثلاً، أُحدِّثُك فقط عن الجمال البشرى وهو متاح لنا جميعًا لنراه، كل هذه الوجوه التى رأيتُها فى رحلاتى التطوعيَّة، وكل الوجوه برأيى جميلة، هى فعلاً كذلك، هل يمكن لكل هذا الجمال أن تكون نهايته التراب؟ تراب وفقط، بهذه البساطة”.
قلت: “لو أنك تسألينى، فرأيى أنه لن يكون كذلك”، وقفَتْ فى مكانها، انتفضَ ثدياها الصغيران، صاحت: “متأكدة أنه ليس كذلك”، نظر إلينا بعض الموجودين، لم تهتم، أكمَلَتْ: “أنا لا أقبل لنفسى أن أصير فى النهاية مجرد حفنة من تراب، هل تقبلها لنفسك؟”، هزَزْتُ رأسى نفيًا، ورشفْتُ من قهوتى رشفة طويلة كى أطرد الفكرة بعيدًا، جلسَتْ وقالت:
“أثق أن المبدع الذى أبدع كل هذا الجمال، لن يتخلَّىَ عن إبداعه، أنا لا أتحدَّث هنا عن فكرة دينيَّة، أو منطق، أو كلام عقلانى، أتحدَّث عن الجمال”.
قلت: “بشكل شخصى، أنظر إلى كل تفصيلة فى العالم على أنها جزء من عمل إبداعى كبير”.
“صحيح، أنا أيضًا أراه هكذا بطريقة ما”، أشارت بإصبعها إلى عينيها: “لا أتصوَّر أن عينىَّ اللتَين رأيت بهما كل هذا الجمال فى العالم تتحوَّلان ترابًا فى النهاية، كأنهما لم تريا شيئًا”، وضَعَتْ يدها على قلبها: “وقلبى الذى امتلأ بقصص الحب تجاه البشر لا أتصوَّر أن يكون ترابًا خالدًا، هأ، كأنه لم يُحِب، فما بالك أيضًا بالجمال الذى رأيته، والبشر الذين أحببتهم؟”.
قلت: “هناك أشياء لا أتصوَّر اختفاءها من العالم، وأعتقد أنه لا يكون عالمًا إلا بوجودها، وهناك أشخاص أحبهم، ماتوا، ولا أتصوَّر أنهم صاروا ترابًا للأبد، وأنى لن أراهم ثانية”، مالت “البنت السمكة” ناحيتى.
قالت: “ترى؟ هذا مُحْبِط جدًّا، ولا معنى معه لأىّ جمال أو أمل، لا جدوى من العالم بالأساس، التراب؟ هأ، تراب؟ حتى إنه ليس من العدل”، وقَفَتْ فى مكانها، وضَعَتْ يديها حول خصرها، رأيتُ السمكةَ الغاضبة بداخلها، ابتسمْتُ وقلت لها:
“لو أن هذا يريحك قليلاً، فأنا أوافقك”، ظلَّتْ على حالها لحظات، جلَسَتْ، هدأَتْ سمَكَتُها.
قالت: “اُنظر لمَنْ حولنا، فقط نظرة بسيطة”، مرَّرْتُ عينىَّ على بعض الموجودين.
قالت: “اُنظر إلى المارَّة فى الشارع″، مرَّرُتُ عينىَّ على المارَّة، أكملَتْ: “لاحظْتَ أن كل الوجوه تتكون بالأساس من أربعة عناصر رئيسية، عينين، أذنين، أنف، وفم، رغم ذلك بها كل هذا التنوُّع؟”، صمتَتْ لحظة، قالت: “الآن، تخيَّل كل الوجوه الموجودة فى العالم، ووجوه مَنْ ماتوا، ومَنْ سيأتون فى المستقبل”، استندَتْ بظهرها إلى المقعد: “تفَضَّل، أغلق عينيك وتخيَّل”.
أغلقْتُ عينىَّ، اندهشْتُ من عدد الوجوه التى رأيتها، أشكال وألوان وثقافات مختلفة، كنت أعرف أنى لم أرَ أغلبها من قبل، كيف تسكننى، وأراها بهذه السهولة، ابتسَمْتُ وفتحْتُ عينىّ.
قالت البنت السمكة: “ترى؟ لا يمكنك إلا أن تبتسم وتتساءل عن هذا المبدع، وجماله، كيف أبدعَ كل هذا، فقط بأربعة عناصر رئيسية”، صمتَتْ لحظة، قالت: “برأيك، هل تتصوَّر أنه سيدَمِّر إبداعه فى النهاية، ويحوِّلُه إلى تراب، هأ، أنا لا أقبل بتدميرى، هل تقبل تدميرك؟”.
نهضْتُ بطريقتها وقلت: “لا”.
ابتسمَتْ.
“حسنًا، اطمئن، لن يحدث”.
جلسْتُ على حافة المقعد.
نظرَت “البنت السمكة” عَبْر النافذة، وقالت كأنها تُحدِّثُ نفسها:
“رأيت الكثير من الجمال، وأعرف أن ما لم أره أكثر، كل إنسان، كل مخلوق، رأى ما لم يرَه غيره، هناك مَنْ رأوا قبلنا، ومَنْ سَيَروا بعدنا، وكل ما سنراه جميعًا ليس كل شىء”، صمتَتْ لحظة، قالت: “أفكر فى جمال المُبدِع الذى أبدع كل هذا الجمال”، صمتَتْ مرة أخرى، لمحْتُ دموعًا فى عينيها وهى تُكمل: “أجمل أمنياتى أن أرى مَنْ أبدعنى”، تأمَّلتُها قليلاً، مدَدْتُ يدى وربتُ يدها، التفتَتْ إلىّ، وابتسَمَت، ابتسَمْتُ لها، سحَبَتْ نفسًا عميقًا، وقالت:
“أنا واثقة أنه لن يدمِّر إبداعه، مصيرنا ليس حفنة من تراب”.
تطلَّعنا معًا إلى الشارع، رأيت على الجانب الآخر “المهرِّج”، الذى قابلتُه من قبل مع السيرك، كان يؤدى حركاته تلك، ويدعو المارَّة، تطلَّعَ إلى المقهى كأنه يتوقَّع وجود أحد يعرفه، رآنا، نهضَت “البنت السمكة” فى مكانها وهى تقول: “المُهرِّج”، نهضْتُ أيضًا، ابتسمنا ولَوَّحْنا له، ابتسمَ ولَوَّحَ لنا، قال شيئًا ما، ودخلَ مع السيرك فى شارع متقاطع.
جلسْتُ و”البنت السمكة”، تبادلنا نظرة جانبيَّة، ضحكنا ضحكة قصيرة، لم أسألها كيف عرفَتْ “المُهرِّج”، ولم تسألنى، قرَّبَتْ وجهها مِنّى، نظرَتْ فى عينىّ، سألتنى:
“تعجبك عينىَّ؟”، تأمَّلْتُهما لحظة، وابتسَمْت.
“نعم تعجبانى”.
“تبرَّعْتُ بهما لأىّ شخص يحتاجهما فى حال لو حدث لى شىء ما”، ربَتَتْ قلبها: “كنت أريد أن أتبرَّع بقلبى أيضًا لولا أنه مريض قليلاً”، ضحِكَتْ ضحكة قصيرة: “سأرى، أعتقد أن به أجزاء تصلح لتكون قِطَع غيار”.
قلت: “لن توقفك العملية عن أعمالك التطوعيَّة، صحيح؟”.
“السمكة لا يوقفها شىء، أىّ شىء”، ابتسَمَتْ وتطلَّعَتْ إلى الشارع، تأمَّلْتُ وجهها البسيط، وجسدها الهشّ، التفتَتْ إلىَّ.
قالت: “لن يُدَمِّرَ إبداعه، أعرف ذلك، الجمال سيبقى، ويدوم”.
ظلَّت “البنت السمكة” تقف أثناء كلامها وتجلس، وأنا أراقب السمكة بداخلها، كنت أفعل مثلها أحيانًا، أقف عند بعض الجُمَل، وأجلس، اِنتقلَ الأمر إلى رُوَّاد المقهى حولنا، يقفون فى أماكنهم عند كلمة أو جملة، ثم يجلسون، ونضحك.
عندما غرُبَتْ الشمس قلت لها:
“أعتقد أنى سأترككِ الآن، أيتها السمكة”.
ابتسمَتْ، مدَدْتُ لها يدى، وتصافَحْنا.
قلت: “أتمنى لكِ رؤية المزيد من الجمال”.
قالت: “أتمنى لكَ أن تتجوَّل فى السماء”.
وضعَتْ باطن إحدى يديها مفرودة فوق ظهر اليد الأخرى، دفعَتْهُما باتجاهى ببطء وهى تُحَرِّك إبهامَيْها مثل زعنفتَى سمكة، وقالت: “سمكة تسبح”، فعلْتُ مثلها، وقلت: “البنت السمكة”.
غادَرْتُ المقهى، أمشى وأنا أنقل عينىَّ بين وجوه المارَّة، كأنى أرى الوجه البشرى لأول مرة، ابتسَمْتُ وقلت.
“صحيح يا البنت السمكة، الجمال يستحق أن يبقى، ويدوم”.

فصل من رواية بعنوان “مزاج حُرّ”، صدرت مؤخرًا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة.
ينشر هنا بالاتفاق مع المؤلف.

 

mohamedalfakhrany@yahoo.com