فصل من رواية “زيزينيا” للكاتب المصري محمود عبد الوهاب الصادرة عن “دار العين” في القاهرة

لا أدرى السبب الحقيقى الذى كان يدفعنى دوما، كلما مررت على فيلا زيزنيا، أن أتجاهل بواب العمارة المقابلة “عم دسوقى”. أو أن أتجنب المرور فى الشارع إذا رأيته من بعيد واقفا أمام باب العمارة على الناصية البعيدة. فعلت ذلك طيلة سنوات طوال، من بعد أن غادرت زيزينيا إلى القاهرة للعمل، حيث لم تخل أية زيارة للاسكندرية على مدى خمس وعشرين عاما من المرور على فيلا زيزينيا، تكون الزيارة أحلى فى ظلام الليل وأنا عائد من سهرة محطة الرمل مع الأصدقاء، حيث أكون وحدى مع الفيلا.
فى الأعياد أيضا كنت أزورها، حتى بعد أن هدمت وتم بناء فيلا جديدة مكانها، كنت أذهب أيضا وأمر عليها، فأرى “جناينى” آخر غيرى، وبوابا جديدا، يظل ينظر إلى فى استغراب، فمن هذا الذى ينظر إليه بتمعن ويتفحص الفيلا الجديدة؟ هل هو لص يراقب المداخل والمخارج قبل ارتكاب الجريمة؟ هل هو معتوه على نحو ما؟ معتوه وحسب؟
أيا ماكان تفكيره، فلن يدرك أبدا ما أفكر فيه أنا، أنا الذى يرى الشجر الذى زرعه ولا يرى اقتلاعه، يرى زهور الربيع التى أينعت يوما ولا يرى ذبلانها، أنا الذى يرى المدخل الستينى ذا البلاطات الصفراء والحمراء وهى مرصوصة فى تناغم واتساق، كما أرى الأرانب التى ربيناها تتقافز فوق السطوح، ثم تمرض وتموت تباعا وبسرعة بعد زيارة صديق غير مرغوب فيه، وكما أرى معمل التصوير الذى جهزته لطباعة الصور الأبيض والأسود، وكما أرى أشياء أخرى كثيرة، باختصار..أنا الذى يرى كل شىء حدث هنا، وليس هذا فقط، بل أيضا أسمع صوت ما حدث، أما ذلك الوافد المسكين، فهو لا يرى شيئا تقريبا، إلا شخصا يحدق فيه.

أما إذا تورطت بالدخول فى أوقات الظهيرة ورأيت عم دسوقى، فإنى أفعل كل شئ كى أزعم عدم رؤيته، كأن أنظر إلى أشجار الجهنمية الكثيفة المدلاة عبر سور الفيلا العملاقة المجاورة لفيلتنا، أو أخرج النقود من جيبى وآخذ فى عدها مثبتا نظرى عليها وعلى قدمى فى نفس الوقت.
يبدو الأمر الآن أكثر سهولة فى معرفة السبب، وهو أنه كان سيستبقينى لبعض الوقت ليثرثر معى، وكان سيذكرنى حتما بذكرياته مع زوج خالتى وربما بأفضاله عليه، ثم سيترحم على خالتى وزوجها، وطيلة هذه الوقفة سيترسخ لدى شعور واحساس أهرب منهما طول الوقت، فلم يكنا قد ماتا بعد بالنسبة إلى، وبداهة فلم أكن أميل لأن أقابل أحدا مصدقا لهذه القصة.

كانا قد توفيا تباعا. ماتت خالتى أولا فخلا البيت إلا منه. كنت فى تلك الفترة أزروه فى البيت بلا أدنى إحساس أن ثمة شىء قد تغير. هى ماتت وهذا كل ما فى الأمر. لكن البيت هو نفسه. الحوائط والأثاث. المطبخ بخشب شباكه الأخضر القديم و”الشنكل” الذى لا يغلق أبدا. والحبل الرفيع المهترء الممتد عبر جانبى الشباك من أجل نشر الفوط الصغيرة. صينية الشاى الحمراء المستديرة التى اكلح لونها من الاستعمال وأختها الزرقاء. غرفتى ذات الصور المقطوعة من المجلات وبوسترات أبطال الرياضة وكمال الأجسام المعلقة إلى الحائط. شباكاها العملاقان. وأولا وقبل كل شىء الحديقة التى زرعتها بالكامل قبل مغادرتى الاسكندرية مرتحلا إلى القاهرة.
ساهم زوج خالتى فى زراعتها بالدور الحاسم، علمنى الزراعة فى الأساس. كنت لا أعلم كيف أضع النبتة فى الطين إذا لم يكن لها أوراق تبين إتجاه نمو الساق. أين الجذر وأين الطرف الأعلى من الساق. والمدهش فى الموضوع أن كل هذا تم فى عام واحد فقط. فمنذ بداية أدائى للخدمة العسكرية انتظم وقت فراغى، حيث أعود ظهرا إلى المنزل بعد خروجى من وحدتى العسكرية، ويكون زوج خالتى قد حضر أيضا فننزل إلى الحديقة بعد الغداء يعطينى الدروس. وكان فى بعض الأحيان يجلب معه بعض الشتلات من أنواع جديدة لنقوم بزراعتها معا.

لم يمكث زوج خالتى طويلا فى الفيلا بعد موت خالتى. حيث كانت الفيلا كبيرة جدا، تبدأ من الدور الأرضى بسلم خشبى طويل إلى الدور الثانى، وفى المنتصف مرآة عملاقة تخبىء وراءها حائطا، بنى خصيصا كى يفصل ما بين الدور الأرضى الذى كانت تسكنه صاحبة الفيلا، والدور العلوى الذى نسكنه نحن، وما بين المرايا والحائط قبعت هناك كرة جلدية سوداء صغيرة منذ أيام طفولتنا إلى أن تركنا الفيلا، مشينا نحن لكنها ظلت موجودة ولم نرها بعد ذلك أبدا إلا كنقطة سوداء ثم نسيناها عبر السنين.
يوجد أيضا حجرة للشغالة قبل باب السطوح مباشرة، ثم حجرة للغسيل فى السطوح نفسه، تلك التى استخدمتها كمعمل لتحميض الصور.

فى سنواتى الأولى لانتقالى إلى الفيلا عاصرت صاحبتها. كانت تدعى “أوجيت”. إمرأة كبيرة السن ممشوقة القوام. يسكن معها رجل يدعى “على نشأت”. لم يكونا متزوجين، وبالرغم من ذلك لم يشك أحد على الاطلاق فى أنهما يعيشان كأخين. حيث كان على أكبر كثيرا من أوجيت. وأوجيت كان الاسم المتداول ل”أنجيل” الذى يبدو لى إسمها الرسمى.
لم يعرف أحد على الاطلاق إن كانت لعلى هذا أسرة، فطوال حياتنا بالفيلا لم يزره أحد أبدا. كنت أراه فى صباى عندما كنا نأتى للزيارة، يجلس فى البلكونة مرتديا الروب على الدوام، جالسا على كرسى “بامبو” يقرأ الجرائد تحت ضوء الشمس. وكل ما أذكره من ذكريات تلك الفترة أنهم كانوا يتحدثون عنه كرجل مسكين فقد أسرته وبيته ولم يعد له مكان يسكن فيه على الرغم من أرستقراطية عائلته التى كانت تنضح بها ملابسه ومشيته وحديثه النادر معنا.
ربما لم أر على نشأت يتكلم قط، لأننى لم أعش فى زيزينيا فترة الطفولة، بل من عاش هناك كان أخى الذى قضى فترة الحضانة فى حضانة “الراعى الصالح” وهى بجوار قسم سن استيفانو وقريبة من البيت، قال إنه كان يعشق أكل “الويكا”، وكان يطلبها باستمرار من خالتى، ثم يصعد إلى الدور العلوى معزوما على الغداء مع أوجيت ليستمتع بأكلها، حتى سماه زوج خالتى “على ويكا”.
مات على ويكا أواخر السبعينيات، ومن يومها بدأت أوجيت تكثر من زيارتنا فى الدور العلوى وكان السبب جليا لنا جميعا وهو شعورها بالوحدة، كما كانت كثيرة التدليل لكلبتها الوحيدة التى اقتنتها “ويسكت”. كانت كلبة لونها أصفر مشوب بالحمرة. ولم تلبث ويسكت أن ماتت تاركة مالكتها فى فضاء فسيح لكنه مظلم كالقبر. بدأت الأعراض تظهر على أوجيت سريعا بعد انفراد جدران المنزل بها. فكانت عندما تتكلم عن كلبتها الراحلة تقول:
– بنتى ماتت.
ثم تبكى.

ربما كان عام 1978 عندما احتفلنا جميعا بعيد شم النسيم فى بيت أبى فى السراى، لم أكن قد انتقلت بعد إلى فيلا زيزينيا، وكانت أعراض الجنون قد بدأت تتمكن من أوجيت، وبدأت خالتى (طنط بطة) تحكى فى زياراتها لنا عن أخبار أوجيت مع السادات.
فى ذلك اليوم اجتمعنا وأكلنا البيض الملون الذى اشترك الجميع فى تلوينه، بالإضافة للفسيخ والبصل الأخضر وكافة مشتملات الاحتفال. كان معنا طنط بطة وأنكل على، بالإضافة إلى أبى وأمى بالطبع، ثم كانت هناك مفاجآة الحفلة: أوجيت.
إقترحت أوجيت أن نأكل بعد الظهر “فراولة بالكريم شانتيه” تلك التى كانت تجيدها كما قالت. وأطالت يومها الحديث فى وصف الأكلات الفرنسية التى تتقنها. وتم شراء فراولة من أجل أوجيت وكانت من أنواع الفاكهة التى لا نشتريها إلا قليلا، كانت غالية الثمن بعض الشىء بالنسبة إلى ميزانية أبى الصارمة كمدير عام فى الحكومة، وقامت هى تصنع الكريم شانتيه، وعندما انتهى التحضير ولم يبق إلا خلط الفراولة بالكريم فوجىء الجميع بأوجيت تضع يديها الاثنتين بأظافرهما السوداء الطويلة فى الطبق الكبير وتنفذ العملية.
انتهى الحفل إذن عند مرحلة البيض الملون ولم يتسن لنا –نحن الصغار- أن نذوق الفراولة التى نحبها. منعنا الكبار من تناولها ولاموا أوجيت برفق لأنه لم يكن بيدها شىء. مازلت أذكر شكل البلوفر الخفيف الذى كانت ترتديه ذلك اليوم، كان مصنوعا من الكروشية ولونه “روز”.

غير أن المرض تطور معها إلى مراحل غاية فى الجدية وتمكن منها الجنون إلى نهاية حياتها. فكانت تتصور أن الرئيس السادات صديقها وكانت تقول لنا إنها ذاهبة لزيارته فى المعمورة لتقدم له المشورة حيث يقيم فى بعض أيام الصيف بالاستراحة. لم يكن أحد يأخذ كلامها على محمل الجد إلا أن ما شاهدناه جميعا بعد ذلك أكد لنا أن شيئا غير طبيعى قد حدث لها وأنها فى الغالب قد ذهبت فعلا إلى المعمورة، ثم، وحسب روايتها، فقد منعها الحرس بل وضربوها أو ألقوا بها بعيدا مما يفسر الإصابات بوجهها وذراعيها، وفى بعض الأحيان كانت تصعد لخالتى فى الدور العلوى تستلف نقودا من أجل التاكسى الذى سيوصلها إلى المعمورة حيث يقطن السادات، فيعطيها زوج خالتى النقود فتسأله المزيد من أجل تاكسى العودة، فيجيبها ممتعضا:
– ابقى خدى من السادات وانتى راجعه
اعتادت أوجيت الذهاب إلى المعمورة والعودة وهى مصابة ببعض الرضوض واعتدنا جميعا سماع نفس القصة منها كل حين.
——————————-

لكن الأمر مع أوجيت لم يقف عند السادات، بل بدأت تظهر عليها أعراض الهوس بالشباب، ومنذ أن انتقلت للإقامة فى زيزينيا أولى سنوات الجامعة وهى تبدى لى الإعجاب، وفى إحدى زياراتها لنا بالدور العلوى عرضت على الزواج، كانت قد تحولت إلى كائن مكرمش ولم يعد بوسع أى انسان الاقتراب منها، لكن زوج خالتى كان يجب المزاح فأشار إلى بعينه ثم التفت إليها وقال:
– طب أنا موافق، بس تكتبى له الفيلا.
قالت أوجيت وقد بان عليها بعض التردد:
– لأ. أديله خمستاشر ألف.

مال على زوج خالتى:
– وانت إيه رأيك؟
قلت له وأنا خائف أن توافق:
– لأ. يا الفيلا يا بلاش
ثم قمت سريعا لعمل الشاى، وأنا خجل من الحديث فى هذا الأمر أمام خالتى، خاصة عندما رجعت حاملا صينية الشاى فطلبت منى قبلة كعربون.

لم تكن أوجيت تملك عائلة هى الأخرى، لم نسمع عن أى قريب لها إلا ابن عم واحد يسكن فى جاردن سيتى بالقاهرة ويعمل مستشارا قانونيا، لم يزرها أبدا. وبعد سنوات طويلة سأعرف أيضا إنه لم يكن إبن عمها المباشر بل كان قريبها من بعيد ولكنه فى نفس الوقت وريثها الوحيد.
أما عن فترة شبابها فقد أحبت شابا انجليزيا يعيش فى الاسكندرية وخطبت له لكنه مات فى العلمين أثناء الحرب العالمية الثانية، ولم يكن لها علاقة من بعده قط ولم تتزوج على الاطلاق.
“تعتبر معركة العلمين من أهم معارك التحول في الحرب العالمية الثانية والتي كانت بين القوات الألمانية والإيطالية بقيادة روميل والقوات البريطانية بقيادة مونتجومرى في نوفمبر عام 1942. وكانت من أهم معارك الدبابات على مدار التاريخ، انتصرت ألمانيا أولا في معارك الصحراء، لكن المشكلة كانت النقص الكبير في الوقود بسب اغراق البريطانين لحاملة النفط الإيطالية مما شل حركة تقدم الدبابات وبالتالي استطاعت القوات البريطانية طردهم إلى ليبيا ومن كل أفريقيا”.
فى زيارة لمقابر الانجليز فى العملين أخذت أقرأ المكتوب على شواهد القبور وأفكر أى شاهد سيحكى لى صاحبه عن أوجيت وعن شبابها، هل كانت جميلة أم ملكة جمال؟ وهل اعتادت الجلوس تحت أشعة الشمس فى كازينو سان استيفانو أم فى تريانون بمحطة الرمل؟
إن كل شواهد القبور هناك عليها إسم صاحبها وعمره وقت الوفاة وكلمة رثاء من أقارب الشاب المتوفى، فى الغالب تكون من الأم أو الأب، لكن كلمة رثاء واحدة كانت من أخ يرثى أخاه ويقول له “إلى القلب الذهبى، إلى أعز أخ على ظهر الكون”. معظم الأعمار تترواح ما بين الواحدة والعشرين والثالثة والعشرين، ترى أيهم وقفت أوجيت عنده وانحنت تبكى؟
هل من الممكن أن أعرف اسمه؟ وهل إذا عرفت اسمه سيجيبنى؟

صعدت أوجيت إلينا ذات مساء وأخبرتنا إنها اغتصبت ليلة أمس. سألناها من الذى اغتصبها فقالت:
– الحرامى
طب وليه ما زعقتيش؟

هنا أجابت أوجيت بالرد القنبلة:
– أزعق إزاى وهو كان بقه فوق بقى.

mahmoud.wahab@fra.gov.eg