رسائل جيمس جويس الى زوجته نورا: ترجمة حسونة المصباحي

نورا وجيمس جويس

كان جيمس جويس في الثانية والعشرين من عمره لمّا التقى للمرّة الأولى على أحد جسور دبلن حيث ولد عام 1882،فتاة جميلة تدعى نورا بارناكل، تعمل منظّفة للغرف في أحد الفنادق.ومن أوّل نظرة أحبّها وقرّر أن تكون له،وأن يكون لها!وفي ما بعد سوف تحضر في جلّ أعماله.وستكون مؤثّرة فيها بشكل رائع،ومُدْهش،وستوحي له بكتابة مونولج مولّي بلوم الشّهير الذي به أنهى روايته “أوليسيس″حيث لا نقاط ولا حروف ،بل سيل هادر من الكلمات،ومن الصّور،ومن الإستعارات العجيبة ،الفريدة من نوعها .وستكون نورا مجسّدة لبطلات جويس في قصصه ،وفي رواياته.فهي مولّي بلوم، المرأة الجميلة المغتلمة التي لا تشبع من مضاجعة الرّجال ،متعمّدة خيانة زوجهاالتّائه في حانات دبلن.وهي بارتا الرقيقة المشاعر،المتوجسة دائما من صدمات الزّمن القاتلة في مسرحيّة “المنفيّون”. وهي أنّا ليفيا بلورابال في “يقظة فينيغن”.وهي غريتا في قصّة “الموتى” التي يقضي حبيبها بالسّلّ الرّؤيّ بعد أن يمضي ليلة باردة ،وممطرة واقفا أمام نافذة غرفتها طمعا في قبلة بعيدة منها!
في ذلك الوقت، كان جيمس جويس يخطّط للرّحيل بعيدا ليصنع “أسطورته” الأدبيّة خارج بلاده كما كان يحلو له أن يقول.وكان يصف دبلن ب”مدينة الفشل والإخفاقات، والحقد والظّغينة”.وكان قد أمضى سنة في باريس لدراسة الطب،غير أنه لم يلبث أن انقطع عن ذلك لإدراكه بأن الأدب هو وحده الذي سَيعْنيه طوال حياته.ورغم أنه كن قدفرض نفسه في الأوساط الأدبيّة في دبلن ،ولفت انتباه الآخرين لنبوغه،وألمعيّته ،فإنه لم يكن قد كتب غير بعض القصص التي ستتكوّن منها في ما بعد مجموعته القصصيّة الشهيرة”أناس من دبلن”، وبعض المقالات خصوصا عن إبسن الذي كان “معلّمه” في ذلك الوقت.
ولم يكن جويس يخفي عداءه للكنيسة،ورفضه للعائلة،ونفوره من الأحزاب السّياسيّة،ومن الطبقات الإجتماعيّة ،ومن المذاهب الدينيّة مهما كان نوعها،ومن كلّ ما يمكن أن يهدّد حرّيته الشخصيّة.ومع الحركات الأدبيّة تعامل منذ البداية بكثير من الحذر ،بل بتعال، وبنفور أزعج المنتسبين إليها .كما انه لم يعرْ اهتماما كبيرا لمشاهير الكتّاب والشّعراء في بلاده من أمثال جون سينج،وأوغستا غريغوري،وويليام بتلر ييتس الحائز على جائزة نوبل للآداب.ولمّا رغب هذا الأخير في الإلتقاء به ليقرأ له البعض من قصائده الجديدة ردّ جويس الذي كان آنذاك في العشرين من عمره، على طلبه اللّطيف بصلافة الفتى المتمرّد على الأخلاق،والأصول قائلا:”لقد التقينا بعد فوات الأوان…وأنت الآن عجوز في الغابرين بحيث سيكون من العسير عليّ أن أحدث فيك أيّ تأثير”.
وكان جويس يرددّ بأن الفوضى “ضروريّة لخلق عالم بديع″.وفي الرسائل الأولى التي كتبها لها بعد اللّقاء على الجسر، طالب جيمس جويس نورا بأن تبادله نفس الصّراحة التي بها يبوح لها بأحاسيسه،وأفكاره.كما حدّثها عن المغامرة التي يعتزم خوضها بعد أن قرّر أن يُنذر حياته للأدب ،ولا شيء غير الأدب،قائلا لها:”سأنتصر في النهاية،وسوف تكونين إلى جانبي”.
وفي سنة 1904سوف ينطلق جيمس جويس بصحبة نورا الى مدينة “ترياست”الإيطاليّة لتكون لهما مقاما على مدى سنوات مديدة، خلالها سوف ينشغل بكتابة”أوليسيس”.وفي تلك المدينة الواقعة على حدود الإمبراطوريّة النّمساويّة التي ستنهار في نهاية الحرب الكونيّة الثانية ،سوف يعيشان بدون عقد زواج،غير أنهما سينجبان طفلا وبنتا تدعى “لوسي” سوف تصاب بالجنون في شبابها لتمضي بقيّة حياتها في المصحّة العقليّة في باريس.
وبعد الحرب الكونيّة الأولى،ترك جويس ترياست ليقيم بصحبة عائلته في مدينة زيوريخ السويسريّة وفيها سيكمل روايته الذّائعة الصّيت”أوليسيس″والتي صدرت عام1922. بعدها انتقل ،ودائما بصحبة عائلته للإقامة في باريس حيث انشغل بكتابة روايته التي حملت عنوان “يقظة فينيغن”والتي صدرت عام 1939.عند اندلاع الحرب الكونيّة الثانية،عاد جويس مجدّدا الى زيوريخ وفيها توفّي مطلع عام 1941.
ولم يتزوّج جويس نورا بارناكل إلأّ عام 1931.وقد تمّ ذلك في لندن .ولعلّه أجّل الزّواج بها لأنه كان يبتغي أن تكون عشيقته التي تثيره دائما وليست الزّوجة التي تشعره بالضّجر فتبرد علاقته بها .وقد تذبل وتموت.ومنذ أن التقى بها وحتى عام 1922،واظب جويس على كتابة رسائل حبّ عاصفة غالب الأحيان الى نورا ذات الأنوثة الصّارخة مخاطبا إيّاها مرة ب:”صغيرتي الجميلة المقطّبة “ومرّة ب:”صغيرتي الحميراء العزيزة”، قائلا لها :”اسمحي لي بأن أقبّل غمّزة عنقك البديعة” ثمّ يُمضي:”أخوك المسيحيّ في الدّعارة والشّبق”.ومودّعا إيّاها يكتب لها:”وداعا عزيزتي السّاذجة، المفرطة الحساسيّة، الوَسْنانة، العديمة الصّبر، يا نورا ذات الصّوت العميق”.
عند عودته الى دبلن عام 1909،دأب جويس على كتابة رسائل تكاد تكون يومّية الى نورا التي بقيت في “ترياست”. وفي جميع هذه الرسائل، هو يبدو مثل شاعر مجنون يهذي من شدّة حمّى عشقه للحبيبة الغالية والبعيدة:”هل الحبّ جنون؟ في بعض الأحيان أراك العذراء أو صورة العذراء.بعدها أراك فاجرة، فاسقة، وقحة، وفاحشة”. وفي رسائل أخرى، يطلب جويس من زوجته أن تكتب له رسائل مليئة ب”الكلمات الفاحشة” لأنه يحبّ ذلك. فهي تثيره وتزيده تعلّقا بها!:”قولي لي الأشياء الصّغيرة عنك حتى ولو كانت قذرة، وفاحشة، ،ومنفّرة ،وخبيئة. لا تكتبي شيئا آخر.لتكن كلّ جملة مليئة بالكلمات وبالعبارات السّوقيّة. فجميعها بديعة حين أسمعها وحين تكون على الورق”. ثم يواصل:” كلّ الرجال غلاظ يا عزيزتي، لكن عندي أنا على الأقل ما هو أسمى وأنبل”. ثم لا يلبث جويس أن يعترف لنورا أنه يكره سماع الكلمات البذيئة خصوصا في مجالس الرجال، لكن هي التي حوّلته الى “حيوان”، وهي ” الفتاة الشنيعة التي وجّهته الى هذه الوجهة”. وتعلو النّبرة الشّاعريّة عنده والتي سيستحضرها في المونلوج الشهير ل” مولّي بلوم ” في نهاية”أوليسيس″فيكتب: “نورا، عزيزتي الوفيّة، يا تلميذتي الصّغيرة السّوقيّة ذات العينين الوديعتين،كوني عاهرتي، وعشيقتي ، عشيقتي الصّغيرة التي تثير غرائزي، فاجرتي الصّغيرة القذرة الدّنيئة… أنت دائما زهرتي الجميلة، الوحشيّة، زهرة السّياج، زهرتي الزّرقاء الدّاكنة المبللّة بالمطر”. ومن بعيد يكتب لها أيضا: “ضاجعيني يا عزيزتي، إفعلي ذلك بكل طرقك الجديدة التي تبيحها رغباتك. ضاجعيني مرتدية ثيابك الفاخرة التي ترتدينها عند خروجك الى المدينة بقبّعتك وبغلالتك على الوجه، وقد احمرّ وجهك من البرد ومن المطر ، وتلطّخ حذاؤك بالوحل، كوني مفرشحة على فخذيّ وأنا جالس على الصوفا وأنت تركبينني منتفضة، مرقّصة جناحي “كيلوتك”، وعضوي منتصبا يغوص في أعماق فرجك ، أو أنت تركبينني على مسند الأريكة”.
وفي رسالة أخرى بتاريخ 20أكتوبر -تشرين الثاني 1909،كتب جويس لنورا يقول:”عزيزتي الطيّبة،الوفيّة الصّغيرة نورا،لا تكتبي لي مشكّكة فيّ، ومرتابة منّي.أنت حبّي الوحيد.ولك كامل النّفوذ عليّ .أنا أعرف،وأحسّ أنني إذا ما أنا كتبت أيّ شيئ جميل،ونبيل في المستقبل ـ،فإنه لن يكون إلاّ وانا أنصت إليك واقفا عند عتبات أبواب قلبك”.ويختم جويس الرسالة قائلا: “الآن يا فتاتي الرّائعة السّية الطّبع،والطّباع أعديني بألاّ تبكين ، وإنّما أن تهبيني الشجاعة لكي أنهي عملي “.
كان جويس قي دبلن عام 1909 عندما تآمر ضدّه صديق قديم زاعما أنه كان قد أرتبط بعلاقة غراميّة مع نورا التي كانت آنذاك في ترياست .عندئذ تأجّجت نار الغيرة في قلبه ،فكتب لها يقول ملتاعا:”كنت دائما صريحا في كلّ ما قلته لك حول نفسي.أمّا انت فلم تكوني صريحة معي.في الفترة التي كنت ألتقي بك في ركن “ماريون سكوار” ،وبصحبتك أذهب للتّجوّل ،وأشعر بيدك تلمسني في العتمة،وأسمع صوتك (آه يا نورا !لن أسمع أبدا تلك الموسيقى لأنني لا أصدّق) في الفترة التي كنت ألتقي بك مرّة كلّ يومين ،كان لك موعد مع أحد أصدقائي أمام “المتحف”،ومعه كنت تمشين في نفس الشّوارع،بمحاذاة القناة،أمام البناية بطابق واحد،حتّى رصيف “دودّر”.كنت تتوقّفين هناك معه:هو يحتضنك،وأنت ترفعين وجهه ،ثمّ تقبّلينه.ماذا فعلتما معا بعد ذلك؟وفي اليوم التّالي تلتقين بي.لقد علمت بكلّ هذا منذ ساعة من فم عشيقك.عيناي ممتلئتان بالدّموع،دموع الغمّ،والإذلال.قلبي مفعم بالمرارة واليأس.لا أريد أن أرى شيئا غير وجهك وهو يرتفع ليلتحم بوجه رجل آخر.آه يا نورا …كوني رحيمة بي ،مشفقة عليّ بسبب ما أقاسيه الآن من آلام ،وعذابات.سوف أظلّ أبكي لأيّام عدّة.ثقتي في ذلك الوجه الذي أحبّ دمّرت.آه،نورا،نورا،كوني رحيمة بحبّي الشّقيّ.ليس باستطاعتي أن أمدّك يأيّ إسم من الأسماء العزيزة على قلبي ففي هذا المساء علمت أنّ الكائن الوحيد الذي فيه أثق لم يكن وفيّا تجاهي.
آه نورا ،هل كلّ شيئ آنتهى بيننا؟
آكتبي لي ،نورا،لم أكن أحبّ غيرك أنت ،وأنت دمّرت ثقتي فيك “.غير أن حبّه العاصف لنورا سرعان ما يستبدّ به فيكتب جويس لها من دبلن وفي كلماته نبرات استعطاف:”عزيزتي.السّاعة الآن الثّانية صباحا تقريبا.يداي ترجفان من البرد ذلك أنه كان عليّ أن أخرج لكي أرافق أخواتي اللأتي في سهرة، إلى البيت.والآن يتوجّب عليّ أن أسير حتّى “البريد المركزي” .فأنا لا أريد أن تكون حبيبتي من دون رسالتها غدا صباحا.الهديّة التي اقتنيتها لك خصّيصا هي في هذه اللّحظة في مكان آمن في جيبي.وأنا أريها للجميع لكي يعلموا أني أحبّك،يا نورا الغالية ،وأنّي أفكّر فيك وأرغب في تكريمك.قبل ساعة ،كنت أغنّي أغنية “فتاة أوغريم”.وقد اغرورقت عيناي بالدّموع،وصوتي ارتجف من فرط التّأثّر عندما فعلت ذلك.وهذا وحده كاف لكي أعود إلى إيرلندا لأستمع إلى هذه الأغنية بصوت والدتك اللّطيفة التي أحبّها كثيرا يا نورا العزيزة.وربّما في ألفنّ ،يا حبيبتي نورا،نجد أنا ،وأنت تعزية لحبّنا.وأنا أرجو أن تكوني محاطة بكلّ ما هو أنيق،وجميل،ونبيل في الفنّ.وأنت لست كما أنت تقولين،فتاة غيرمتعلّمة، من دون ثقافة .أنت زوجتي ،يا عزيزتي ، وكلّ الفرح،وكلّ السّعادة ،أتمنّى أن أهبك إيّاهما.نورا ،يا عزيزتي،ليظلّ حبّنا مثلما هو الآن مستمرّا ،وقائم الذّات.أنت تفهمين الآن عاشقك ،الضّائع ،العنيد،الغيّور،،أليس كذلك يا عزيزتي؟.سوف تحاولين لجمه في أوقات اندفاعاته،وسورات غضبه .أليس كذلك يا عزيزتي؟هو يحبّك ،فلا تنسي إحساسه هذه أبدا.أبدا لم تكن له ذرّة حبّ لواحد آخر غيرك،أنت فقط.وأنت التي فتحت هاوية عميقة في حياته.كلّ كلمة بذيئة تُنْطق سوف تجرحني مستقبلا،وسوف تجرحك أنت أيضا.عندما كنت أغازلك (وكنت آنذاك في التاسعة عشرة من عمرك..آه كم أبتهج عندما أفكر في ذلك)،كان الأمر على نفس الصّورة.كنت في بداية حياتي شبيهة بفكرة السيّدة العذراء في سنوات طفولتي.آه ،قولي لي يا حبّي اللّذيذ ،أنّك راضية عنّي راهنا.كلمة تمجيد ،ومدح لي سوف تغمرني بالفرح ،بفرح ناعم شبيه بالوردة”
ثمّ يخفّ لهب الغيرة التي تحرق قلبه ،وروحه ،فيكتب جويس لنورا في صيف 1909 وهو لا يزال في دبلن:”صغيرتي العزيزة نورا ،أعتقد أنك تحبّينني ،أليس كذلك .يروق لي ان أفكر فيك وأنت بصدد قراءة قصائدي (رغم أنك لم تنتبهي لها إلاّ عقب مرور خمسة أعوام).عندما كتبتها كنت لا أزال فتى غريب الأطوار ،متوحّدا بنفسي ،أتسكّع في اللّيل وحيدا مفكّرا في أنه سيأتي يوم ،وتعشقني فتاة.غير أني لم أكن أتمكّن من التحدّث إلى الفتيات اللّاتي كنت ألتقي بهنّ عند أناس آخرين.فقد كانت أساليبهنّ المخادعة توقف مساعيّ فورا.ثمّ جئتني.بطريقة مّا لم تكوني الفتاة التي كنت أحلم بها، وإليها كتبت قصائدي التي تجدينها الآن فاتنة ،وساحرة.وربّما كانت (مثلما كنت أراها في خيالي) الفتاة التي شكّل جمالها الغريب ،الوقور ثقافة الأجيال التي سبقتها،المرأة التي كتبت لها قصائدي ك”سيّدة وديعة”،أو التي سميّتها”صَدْفة اللّيل”.في ما بعد عاينت أنّ جمال روحك يتفوّق على جمال قصائدي.كان فيك شيء أسمى من كلّ ما كنت قد وضعته عنهنّ .لهذا السّبب ،أعتقد أن ديواني الشّعريّ موجّه لك.إنه يحتوي على رغبات شبابي ،وأنت يا عزيزتي كنت اكتمال تلك الرّغبات(…)هل تعرفين ما هي الجوهرة،وما هي عين الهرّ(حجر لبنيّ كريم متغيّر ألألوان-المترجم)؟روحي لمّا تقدّمت منّي لأوّل مرّة بخطوات خفيفة في تلك المساءات الصّيفيّة الدّافئة كانت جميلة بالجمال الشّاحب للجوهرة لكن من دون الوجد ،والشّغف .ثمّ اخترقني حبّك ،والآن أشعر أن فكري مثل عين الهرّ ،أي أنه مليء بالإشعاعات ،والألوان،وبالأضواء الحارّة ،وبالظّلال الهاربة ،وبالموسيقى المُتناوبة”…

hassounamosbahi@gmail.com