ثلاث قصائد للشاعر النرويجي سيغبيورن أوبستفيلدير – ترجمة عن النرويجية محمد حبيب

Sigjorn Obstfelder 1866-1900

يعتبر أوبستفيلدر أول شاعر حداثي نرويجي. تركت قصائده أثراً لا يُمحى من الشعر النرويجي. فقد كان أول شاعر نرويجي يخرج عن الشكل التقليدي النموذجي الصارم في الشعر النرويجي. أوجد لنفسه نمطاً خاصا في الشعر الحر، تميّز بموسيقاه الخاصة أيضاً. لا تخلو معظم قصائده من الشعور بالقلق والوحدة والاغتراب، والإلهام الروحي أيضاً. توفي أوبستفيلدر في عمر مبكر (29 يوليو/تموز1900) تاركاً وراءه عدداً متواضعاً من الأعمال الأدبية، لكنها كانت كافية لتجعل منه أول وأهم رموز الحداثة في الأدب النرويجي في القرن التاسع عشر. تأثر أوبستفيلدر بالشاعر الفرنسي تشارلز بودلير، وكان أيضاً مصدر إلهام للشاعر راينر ماريا ريلكه، وقد اعتبر نداً ونظيراً لصديقه ومواطنه الرسام إدوارد مونش.

 

 

الطواف

تَعْلَمُ أَنَّ في الطوافِ شِفاءٌ!
لقد أَدمَنَكَ الحُزْنُ عُمراً،
ورافقَكَ الوَهَنُ دَهراً!
فاحمُلْ جَسَدَكَ واخرُجْ إلى الطوافِ وَحْدَكْ،
شَرِّع صَدْرَكَ للهواءِ الطَلْقِ
يَجْلو سَريرَتَكَ الأُولى وعَقْلَكْ.
تستعيدُ أفكاراً مِنْ تيهٍ بَعيدٍ،
وتُخَلِّقَ أُخرى من جَديد
تراها اليومَ بعَيْنِ إيمانٍ أَكبرْ
ينجلي فجأةً غموضُ أفكارٍ بهيةٍ
يملأ ضِياءُ حَقيقَتِها نهاركَ وليلكْ.

 

يوم

مستيقظٌ أنا.
نهارٌ جديدٌ يمطرني وروداً
معطرةً بروحِ الشمسِ .
تستيقظُ حاسةُ السَمعِ
على نغماتِ أمواجٍ، ورياحٍ
من صدى أناشيدِ الطيورِ.
عينايَ مفتوحتانِ على سماءٍ
تنحني على العالمِ
وفي كِبْدها الشمسُ.
غَفَوتُ.
هَوَتْ روحي لا أعرفُ إلى أينَ.
لكنْ حيثُ لا شمسَ هناكَ.
ارتجفتُ عندما دنا الظلامُ مِني.
كان الموتُ برِفقَتِهِ،
الموتُ وهسيسُ الأَلسُنِ.
واليومٌ، يومُ الأَرضِ.
تطيرُ من حِضْنِها الحَشَراتُ أسراباً،
لتستنشقُ الفرحَ في هوائها.
ماذا يبقى من الظُلمةِ المُربَكةِ؟
أَينَ تذوي؟
وخُيوطُ الشَمسِ في كلِّ مكانٍ!
هل صُنِعَ العالَمُ مِنْ خُيوطِ الشَمسِ
ليَنقعَ شَعرَهُ في بَحرِ ضياءٍ
يَتَوَسَدُ العُشبَ
ويلثُمُ ثَغرَ الأرضِ
يتقافزُ مع أسرابِ الألوانِ
يَتَذَوقُ هذا الهواءَ البِكرَ
الذي يتراقصُ حولَ رأسي
ويتأرجحُ تحتَ أنفي؟
أيها النهارُ المُشْرِقُ!
أُنتَ عينُ اللهِ الضاحكةُ
ومرآةُ روحِهِ،
أنتَ أفكارُهُ
التي تفورُ من أعماقِهِ،
من أقواسِهِ ومداراتِهِ
وتَغْمُرُنا بوهج روحِهِ المُتَقِدَةِ.

 

أصدقاء

هي أُغنيةٌ صغيرةُ عَنكمْ وعني
أو عن أيامٍ طوتها ليالٍ وأزمنةٌ
في غرفةٍ كان يسكُنُها الشَفَقُ الفاتِنُ،
مصباحُ زيتٍ، تمثالُ بوذا الهندي
تمثالُ جاكوبسون النصفيُ في الرُكنٍ القَصي
وصورةُ فاغنر.
جلسنا في غيمةِ السجائرِ
نحلمُ معاً بالحياةِ .
ومَسراتَ الروحَ في المستقبلِ. ,
بقلوبٍ جسورةٍ ونبضٍ صاخبٍ،
جِئتمْ تطمئنونَ كيفَ أَعيشُ وأَينَ
كانَ دمي بارداً،
وأوراقُ روحي على وَشَكِ الخريفِ.
جَلَسْنا في غُيومِ الحُلُمِ
في لحظةً من أَجمَلِ ما أَبدَعَتِ الحياةُ
والحياةُ !
وَهجٌ مُتَدَفِقٌ في مساربٍ سرمديةٍ
يَجوبُ الكائناتِ والمَدَاراتِ،
وصَدى ألسنةُ نارٍ متلألئةٍ
لا نعرفُ أولاً لها ولا آخراً
أنفاسٌ تَغوصُ وشُموسٌ تُلاحِقُها ,
شموسٌ في بحرٍ من النور،
شموسٌ في بحرٍ من الأفكارِ
ألسنةُ نارٍ لا تخبو
يَنهَضُ صدى هسيسِها من بطنِ البردِ والخَواءِ
متسلقاً ذُروةَ الشَغَفِ إلى اللهِ،
إلى نورٍ
تتأرجَحُ فيه الفضاءاتُ، وتتلاطَمُ الأمواجُ
هناك، حيثُ الواحدُ موجودٌ،
كان الآخرُ موجوداً
وكانتْ خلايا الحياةِ تَهتَزُ
تَغرَقُ في الظُلمَةِ، وتَصحو في النور
خلايا الحياةِ تَهتَزُ
تصحو وتغرق
ليالٍ طالتْ، وساعاتٌ تطاولتْ بفسقٍ وفجورٍ .
وأحاديثنا لا تنتهي.
كان الخيرُ وفيراً
ووهجُ الشَمسِ الذي نُحِبُ
والنساءُ اللواتي نشتهي أن نَسْفَحَ دَمَنا لَهُنَ!
كانتْ ليالٍ متطاولةٍ وفاسقةٍ !
لكنَّ البحرَ أَخافنا، والزمانُ أيضاً.
في ليالي الغربِ الكئيبةٌ،
أَستَيْقِظُ كثيراً وأتذكرُ
الصَخَبَ المتزاحَمَ في غُرفَةِ الفُندُقِ:
أرى ظِلَ جاكوبسون يتراقصُ في الزاويةِ ,
وبوذا يَتلصصُ عَبرَ العَتَمَةِ
أَتعتقدونَ،
أَتعتقدونَ أَنَ الأصدقاءَ يَلتقونَ
في مداراتِ جديدةٍ؟

 

42habebhabeeb@gmail.com