سيف الرحبي: سوريّا، سوريّا ألا يكفي موتاً وإنتحاراً ومجازر؟!

في غمار هذه الحياة ومساراتها المتشعبّة مأساةً ودروباً. إما أن يتحوّل الفرد إلى متصوف يلبس مسوح النسّاك والزهاد قاذفاً كل شيء وراء ظهره في أقصى ركن بالغابات النائية أو الكهوف الجبلية..
وإما أن يتحوّل إلى قاتل محترف، من غير اقنعة ومراوغات، قاتل في سطوع شمس الحدث الدموي الذي تقترحه يداه ببرودة أعصاب وضمير ثلجيّ..
مأزق الذوات الحدية الجامحة واحد، واحتقارها لنفاق العالم وانحطاطه وأكاذبيه واحد. والاثنان يفضيان بالضرورة الى العزلة والنأي في الذات والطبيعة…
مقولة الجنيد “فرّ من البشر فرارك من السَبع”. الشعراء الصعاليك في الحقبة التي وُسمت بالجاهلية، سبقوا المتصوفة وحركة الرومانس الأوربية، وذهبوا أبعد. لاميّة العرب وغيرها مثال كاشف
“أقيمو بني أميّ صدور مطيّكم
فإني إلى قوم سواكم لأميلُ…لخ”
أي إلى الطبيعة والحيوان.

في فيلم “البحث عن قاتل”
يتوحد (مارلون براندو) مع الطبيعة، الطيور في السماء الغائمة، والأشجار على الأرض الغنية بحيوات الطبيعة الخالقة والمقفرة من البشر..
ووسط مجرة عُمان الجبلية المفعَمة بالأشباح والوساوس، كنا ونحن أطفالا، نسمع حكايات سالم بن سهيل الرحبي وعلي بن حمد ولد جريّدة (التوبي)….الأول كان منعزلا في شعاب الجبال وجروفها لا ينزل البلدات والقرى،إلا لإنجاز مهامه الدموية، خانقا كل حنين الى الاستقرار والعشيرة..
والثاني يعيش مع أمّه (جريّدة )على السفوح الوعرة للجبل الاخضر…
وكانت جريّدة أمّه بمثل شجاعته وإقدامه في خوض غمار المواجهات والقتال الذي يُدخلهما جوّ الخرافة أكثر من الواقع أسوةً بشخصيات الذاكرة الشعبية في هذا السياق..
وعلى الارجح كانت ملهمته الأولى في لعب البنادق والأسنة..
عامر بن الطفيل، أحد عظماء فرسان (الجاهلية ) الذين لا يُشق لهم غبار كان يُلقب (بمُلاعب الأسنة)
ذاكرة البشر في كل العصور تفرز متخيّلَها البطوي كي لا تموت من البرد أو الحر.
***

أليس من طريق آخر غير طريق القاتل والمتصوف.. ؟ أليست المعرفةُ بشتى اشراقاتها المنقذه ولو مؤقتا، مع محاولة التأقلم مع قيم “القطيع″، والقطيع لا يُقصد به في هذا السياق، الناس البسطاء. التأقلم، تحت دعاوى تبشيرية على نحو من السذاجة كالرسالة والتأثير الايجابي، طريق اخر؟.
لكنه على ما ازعم اكثر فتكا وفداحة على الارواح النقية والمسكونة بهاجس العدالة والجمال والحلم..

هكذا انتحر (مايكوفيسكي) و(ميشيما) و (تيسير سبول) (لؤي كيالي) خليل حاوي، وقائمة المنتحرين لا تنتهي عند حد سواء اولئك الذين اقدموا على الفعل مباشرة، دفعة واحدة. أو أولئك المنتحرين بأقساط الحياة اليومية وفداحة الزمن والصيرورة.
وهو انتحار يبدو اكثر كلفة ومأساوية كالسجين الذي يتلقى جرعات الموت من حفنة جلاديه. وكلما عاش أكثر أوغلوا في متعة التعذيب والتدمير..

علينا ان نحدق في هذا المستنقع المليء بالجثث والاشباح والدجل حتى النهاية.

***

((هل تتمنى الموت
لا نستحق ان نطلب رفاهية كهذه؟ ))

في فيلم (الطريق) الذي شاهدته منذ يومين عن طريق الصدفة الذي اخرجه “جون هيلكوت” عن الرواية الكارثية، “لكورماك مكارثي”… وكانت الاستاذه مها لطفي قد ترجمت سيناريو عن الرواية نفسها (الطريق) وقد ابدعه “جوبنهول”..ونشر على حلقتين من أعداد مجلة نزوى..
هذه الرواية،السيناريو، الفيلم، ربما تختزل اجواؤها المظلمة وضعا عربيا، طليعته الاكثر وحشية (سورية وشعبها). بعد ان تكاثر المجرمون والقتلة محليا، إقليمياً ودوليا لافتراس الجسد الذي لم يعد فيه مكان لطعنة او جرح “تكسرت النصال على النصال” حسب ابي الطيب..
لكن يتبدى من خلال تعاظم هذا الخراب ان الوصول الى جوهر هذه البلاد وروحها العصية على التدمير صعبٌ مهما توافد المجرمون ورعاة الانحطاط والمافيات، من بطون التاريخ والخرافات السوداء كما من الراهن والحديث..

***
في فيلم الطريق يحدق “بطل” الفيلم وسط ذلك المحيط القاتم للفراغ الذي يخلّفه بركان الخراب الانساني العمراني، وسط إنعدام أي ضوء لحياة ممكنة خارج القتل والابادة وآكلي لحوم البشر، يمضي هذا الرجل المنكوب مع طفله بين المجازر وارخبيلات الدم والأشلاء والجيف والجوارح.. حاول أن يقنع نفسه بجدوى استمراره في غلظة هذا الظلام القاسي فلا يجد إلا طفله مبرِرا (بكسر الراء) وحافزا على هذا الاستمرار الكئيب..
لكن السورّي الذي فقد آخر طفل له والعربي الذي فقد الحلم والامل، بأي مبرر يقنع نفسه المحاطة بكل أنواع القتل والطاعون.
وبأي صحراء حمراء، وفق مسمى احد افلام الايطالي (انطونيوني)…
أي صحراء مليئة بهوام الانتقام، أمامه تُسمى المستقبل، ستتحول بمعجزة الى نبع ماء صافٍ واشراق ؟!

***

((هل شبّت حربٌ أخرى
هل خسروا حرباً أخرى
سأل البدو الايام
لا أحد يدري، لا أحد يدري؟))**

***

يسير كلاهما في طريق يخترق “رماد العالم المنقضي”. وبصورة مذهلة يغادر مكارثي عمله السابق “ليس وطناً للشيخوخة 2003″، ينتقل إلى تصوير سيناريو ما بعد القيامة. البيوت قد هُدمت، النباتات والحيوانات ماتت، بقي عدد ضئيل من البشر. الشمس يحجبها الرماد والفصل شتاء. وباختفاء اي أثر للطعام يتجه معظم البشر ليتحولو إلى آكلة لحوم بعضهم البعض. يمضي الرجل والصبي باتجاه البحر. الرجل يتذكر العالم السابق، ومع موات ذكرياته يموت ذلك العالم. الولد أبصر النور بعد أن تغير كل شيء. والرجل الذي يقترب من الموت يحمل في ثناياه حباً أبوياً حاداً وإرادة على البقاء ومع ذلك يحتفظ برصاصتيه الاخيرتين لنفسه ولولده.

***

ليس صدفة، وصول” النظام” العربي إلى ذروته العنفيّة الاستبداديّة في شقيْ “البعث” في العراق وسوريه، البلدين الأكثر حساسيّة وخطورة في الذاكرة العربيّة والمعرفيّة وتحويلهما إلى نهبٍ وغنيمة، يتقاسمها القتلة ومجرمو العالم ومرتزقته..
أختُزل حزب الأحلام القومية والعدالة الاجتماعيّة كما نص خطاب مؤسِسيه إلى شخص الرئيس القائد الملهم الفذ الذي لا يجود الزمان بمثله (صدام) في العراق وحافظ، وسلالته في سوريّة، هذا المآل، في الأول أدى إلى غزو خارجي مزّق شمل البلاد ولُحمته ونسيجه. والثاني إلى انفجار مجتمعي، فاقمه بدل أن يستوعَبه ويحتويه، حيث ما زال معظم الشعب السوري، يعيش عنف شتاته القيامي ووحشيّته الغير مسبوقه، في احتلال خمس دول لأرضه ومصيره وحياة ما تبقى من شعبه على ذلك الحيّز من أرض الأسلاف الراحلين.

***

سوريا، طال الزمن أم قصر، روحك، وليس مجالس الأمم ومنتديات العرب، السادرين في غيّهم حتى يباغتهم صاعق القيامة الأكثر ضراوة مما باغت أهل الكهف في صحوهم الصادم… روحكِ وكبرياء شعبكِ العصيّ ستثأر وستحاسب أولئك القتلة، تحت مقصلة العدالة والتاريخ، ستحاسب ذلك “الجنس اللئيم من الأقزام” جنس الذين قدموا من كل جهات العالم المتحضر الوحشي،والظلامي المتخلّف. الشعب السوري ومن على شاكلته منذور للحياة وليس للتلاشي والإضمحلال كما يحلم مجرموا التاريخ وقَتلة الإنسان.

**المقطع الشعري لفاضل العزاوي.

 

 

شاعر عُماني، رئيس تحرير مجلة نزوى الفصلية الثقافية