سيف الرحبي: سيرك الحياة العربية

Saif al-Rahbi

كان يمكن القول بسهولة ان الحياة العربية، السياسيّة خاصة (سيرك) ببهلواناته ومهرجيه وأقزامه وعمالقته الوهميّين، الكل يؤدي وصلته ودوره حسب السيناريو الموضوع سلفاً لمهرجان هذا السيرك الجماعي. وإذا سَلمنا بهذه الاستعارة، سيرك الحياة العربيّة الراهنة، نسارع القول بأن أوضاع العرب الماثلة ليست مدعاة للكوميديا والضحك البهلواني، بقدر ما هي منذورة بقدر التراجيديات والمآسي، الأكثر عتواً وألماً، الى البكاء والنحيب. الا إذا مضينا مع (صموئيل بيكت) بان ليس هناك مدعاة للضحك مثل الشقاء أو المتنبي، ولكنه ضحك كالبكاء…
لتمضي المقاربات والتعريفات والمفاهيم، في سياق سُبلها المتشعّبة، ونمضي نحن في الراهن العربي الذي لايشبه إلا نفسه وعصور الانحطاط المظلمة، حيث الدموع الدامية، مع ضحكات المواخير وفجورها. وناطحات البذخ القاهر تضرب أبنيتها ومخططات إعمارها وسط مضارب المجازر والمذابح والحطام، الذي تتصاعد من أنقاضه صرخات الأطفال والنسوة الذين ما زالوا عالقين وسط الأبنية المهدّمة، على آخر نبض لحياة قضت في انتظار بزوغ الأمل المولود ميتاً والخراب العميم..
سيرك وماخور، سلخانة وألم أقصى وضحك دموي هستيري في هذا الفضاء العربي المشّرع على فصول الجحيم وأعاصير الصحراء.

عرّافة الأحوال والأزمنة المتقّلبة، ترى الأطفال عالقين في أرحام الأمهات. أجيال الأطفال القادمين، متجمدين على حافة ظلام الرحم، وضوء العالم الخارجي المكفهر مثل صرخة هائلة توشك على الانفجار.
ترى التيه والظلم والدم في كل زاوية ومكان، وتلك الارتدادات الطوفانية التي تحصل بعد الزلازل واستفحال الفوضى والتدمير. لتكنس قذارة البشر في هذا الكون الفسيح .. ترى كل شيء ولاترى شيئا في لحظة الغيبوبة والزوغان، من فرط أثقال العذاب المتجدّد وحمولات الانهيار.

* * *

الحياة العربيّة تشبه ذلك الوعل الجريح، وحيداً في سهْله المحترق تتلاطم حَوله أمواجُ السراب؛ أو تلك الشجرة اليتيمة على حافة الصحراء التي تحلم بالخضرة والنماء، فاذا بتحولات الرمال الساحقة تحيلها الى عريٍ ويباب..

* * *

صيف الجزيرة العربية بدأ بعتاده الثقيل وأشباحه، في الزحف جيشاً مغولياً لا يترك من القرى والبلدات غير أسمائها وأجسادٍ أثخنتها الأسنّة والغياب..
أين المنتأى والمفر؟! كما يقول النابغة الذبياني:
(فإنك كالليل الذي هو مدركي
وإن خلتُ أن المنتأى عنك واسعُ)

* * *

المُدن التي صنعها خيال الرحّالة والشعراء ، هي الأجمل والأبهى، من مُدن الوقائع والتاريخ، المدن بأقواسها وأنهارها ونسائها الباسقات، ملفّعات بالشفافية والضباب.. تلك المدن اللامرئية.

شاعر عُماني، رئيس تحرير مجلة “نزوى” الفصلية الثقافية
nizwa99@nizwa.com