ثلاث قصائد للشاعر العراقي عدنان عادل

Adnan Adil

صباح في آلدا فينان*

 

لا أشمها في آلدا فينان،
رائحة الموت التي لازمتني منذ عقود،
فقدتُها هذا الصباح
بلدغة أول بعوضة لمؤخرتي العارية.

أنقذتني أخيرا
بعوضة من آلدا فينان،
عندما فطرتْ بدمي هذا الصباح،
أنا الذي قضيتُ حياة
أغتسل بالخطايا.

هذا الصباح
ولَجتُ في فم الدغّل،
كانت الحياة راكدة تطفو فوق البركة
تناضل كسلحفاة لا رغبة لها في الوصول،
وأنا فوق درعها حوذيّ يراقب النهاية
بناظور أحدب،
لا أرى غير رأس السلحفاة وعينيها الدامعتين
وجرح ابتسامة لا تفارقها.
على كتفي طائر الميرل
يفشي أسرارا بلغة غريبة
عن منقذتي،
عن الحياة والسلحفاة،
والناس الذين لا تقضّ مضجعهم أية رائحة.

قضيتُ نهاري أحكُّ مؤخرتي
وأراقب البعوضة
كيف ثملتْ بدمي،
وكيف اتخذت وضعية “المُفكر”
عندما حطّت على نيلوفر حسناء،
بماذا كانت البعوضة تفكر يا ترى؟

بالأمس عبرتُ النهر من أرنوادو إلى آلدا فينان،
كان ربّان العَبّارة عجوزا ضخما،
كرشه المتهدل يوحي بطمأنينة بوذا،
صلعته اللامعة فنار متنقل،
منتشي بعمله
لا يجيد لغة غير الصفير،
كان يصفّر بشفتيه الورديتين دون توقف،
يصدر نغمات ترشدك إلى حيث تريد
دون أن تدري.
تعلمتُ منه،
أن العالم نغمة
أينما تكون تجد سلالمها،
ما عليك سوى الدندنة والبقية تأتي،
فلا بأس إن لدغتكَ بعوضة مثلا
أو مضغكَ دغّل.

كان هذا بالأمس
عندما مررتُ برصيف النهر،
الناس في قواربهم يتذوقون الشوكولاتة
ويعلمون كلابهم
أن الشوكولاتة كالحياة، لا تُمضغ
بل تُترك لتذوب على اللسان،
كان ذلك بالأمس،
لم أكن بعد قد فقدتُ رائحتي،
ولم أكن أفرق بين الشوكولاتة وقطعة اللحم،
أنا الذي كنتُ أُمضَغُ في فم الدغّل
كفريسة تجذب رائحتها أفكارا مفترسة.

لا رائحة للموت في آلدا فينان،
الحياة ساكنة تسير بالنغمات.

قطرات المطر على صفحة النهر،
وقطرات مَن أُحبُ على صفحة ذاكرتي.

30 يونيو 2017
– هولنداAlde Feanenآلدا فينان

عندما أغمضتُ عيني

إليها مرة أخرى كي لا يبقَ الله عاطلا عن العمل.

دون عجلات
لحقتُ طيفا قالوا إنه لكِ
بعدما أغمضتُ عيني للحظات
كي أراكِ.

مرّرتُ حواسي رغما عني على أشياء
لا تعنيني بشيء،
أتفقدُ حزنكِ على سطوحها، بلا عجلات،
تسكنني طاقة الانفلات.
كنتِ ترتفعين عندما أهبطُ،
وتنغمسين في نور أعمَى
لا أهتدي فيه حتى إليّ،
عندما أغمض عيني.

عنما أغمض عيني
وأتحسس
فرحة تطارد حزنا يعصف بما حوله،
حزنكِ الذي كان يبحث عن أي رنين
يوقظ هذا العالم.

هذا العالم متى يرنّ؟
أو
متى يرنّ هذا العالم؟
فقد يرنّ يوما إن غيرنا صيغة السؤال !

في محطة ليون بيراش،*
رنَّ العالم مرة
تحت مطر باريسي – كما يقال

بعيون مغمضة،
كنتُ أقلّبُ صفحات باريسية بيضاء،
أراكِ مبللة على البياض
تحلبين ألوان شمسي الملفوفة بمعاطف ومظلات
ندّفها عصف حزنكِ.

الشموس عاجزة عن تجفيف بشرتكِ الحزينة
منذ الولادة.

بشرتكِ
التي كلما جلّتُ فيها بأنفاس بلا عجلات،
ساورني حلم رمادي عتيق،
وهطلتُ مطرا على صفحة بيضاء،
عندما كنتُ أغمض عيني
لأكتبكِ حلما،
وأرسم نفّسي كائنا بلا عجلات،
يلهث وراء قطار استيقظَ فجأة على رنين العالم،
وعلى مرأى من فرحتي
اختطفَ طيفا من المحطة.

كانت الشموس عاجزة من أن تمنع هطولي،
وقلبكِ مثل الله في الأديان،
عاطل عن العمل منذ الولادة.

* ليون بيراش: محطة قطار في باريس

9 سبتمبر 2017
باريس

قمرٌ في مقبرة

 

إليها عندما نحصي قلوب بعضنا البعض بأصابعنا المحترقة بالندم.

سقطَ قمر على المقبرة.

كنتُ منهمكا في إحياء تلك
التي قُتلت بإيقاعي،
في محاولة لمصالحة الحياة بهدنة
حتى وإن كانت فاشلة،
حين سقط قمر مكتمل
وتدحرجَ على دهشتي وسط المقبرة.

قيامة في داخلي بُعثت،
ومعها بُعث صوت يشبهني،
ينصحني آمرا:
دعْ شفتيكَ تكنس جسدها،
كوّمْ غبار الماضي في سُرَّتها المسورة
بهذا الوشم:
“الرأس طير تائه”*
وحذار من النظر إلى السماء،
فالتيه في هذه الساعة لا يُغتفَر،
والحفاظ على رأس تائه خير من عدمه
قُربَ قمر في مقبرة.

تثلّثْ، استطيلْ،
تربّعْ أمامها درويشا بدفّكَ،
كُنْ لحنا دائريا مُنقَّطا دون محيط
وألحانكَ غبار،
أذقّها دم القمر بقمة اصبعك،
سمّ صباحا باسمها وتمرغْ فيه
كل فجر،
ولطّخْ كل المديات بصوتها،
صوتها الذي حين يراكَ،
تكون عاجزا عن الالتفات.

رطّبْ بأنفاسكَ أسئلتها المصلوبة
على المقابر
لحين سقوط القمر،
وما أن يسقط القمر أغمضْ عينيك،
جدّ لنفسكَ فسحة جنبها،
ومُتْ !
فهذه الرغبة كهذه الحياة،
لا تتحمل كل هذا الوضوح.

تلك التي بمهبلها الأخطبوطي
ازدردتْ أسرابا من نهاري،
لتعلمني
كيف تكون الحياة من شأني
كما الشعر والانطفاء.

عشتُ ميتا قرب جسد حيّ
تستلذ أنوثته بصمتي،
فتغني في ليل قَمَريُّ الرغبةِ،
وأنا استمعُ ميتا، أنظرُ
وأنتظرُ عودتي لملاقاتها بهدنة أخرى
قد تكون فاشلة.

الاستيقاظ ليس من شأني
والنوم كذلك!

*العبارة مأخوذة من قصيدة “جسد مُسَمَّد بترقب لاغيسا وبيضة كلكامش” لـ عدنان عادل.

7 نوفمبر 2017
بروكسل

 

عدنان عادل: شاعر وكاتب عراقي مقيم في بلجيكا.
Adnanadil.@gmail.com