“إرحيِّم المنكوب” قصة للكاتب العراقي محسن حنيص

محسن حنيص

الألف قبل الراء لابد منها حيث يتكيء اسمه، ثم تشديد الياء وكسرها، أما الواو فتمد حتى تمسح وجه المدينة الغارقة بالوحل، وقبل أن تسقر على حرف الباء تمر على المسطحات الآسنة المليئة بأكياس النايلون والبرغوث والملاريا، وسيولد منها لقبه الفني :
(مطرب الاهوار والمستنقعات والبرك. غنى وهو في بطن أمه، ورضع الفن منذ ولادته. لن يموت المطرب الاصلي سلمان المنكوب الا اذا مات هذا المغني الشاب، والصوت الصاعد في فرقة (فرطنة) للفنون الشعبية، إرحيِّم المنكوووووووووب).
هذة الكليشة كانت جزءا من الطريقة المعتمدة في تقديمه للجمهور في اعراس مدينة القاسمية- شرقي دجلة.
ذهب الى الحرب، كان على موعد مع رصاصة في العنق، وقبل ان ننقله الى مثواه الاخير رفعنا جثته الى الباص الخشبية – مأوى الهاربين – لنختم سيرته، ونضع تعريفا اكثر جرأة له، ويلقي الضوء على الخصائص الممنوع تداولها في اعراس المدينة.
ارحيم المنكوب، أول الهاربين من الحرب، صناجة من ليس لهم موقف سليم من الخدمة العسكرية الاجبارية ولا يحملون (عدم تعرض). كانت هناك خمسة اجهزة رسمية تطارده لتخرجه من الدنيا قبل الاوان. في المرات القليلة التي ارتدى فيها ملابس الجند لم يكن يشغله سوى (يوم الغاية)، وهو آخر يوم في اجازة الجندي. قرر ان يعيش بلا غاية ليحفظ حنجرته من العطب. (شلع رحاته)، انتبهوا، هذه واحدة من شفرات المدينة (القاسمية)، اي خلع ضرس العقل، حتى قبل ان ينبت له اصلا، هكذا يطلقون على من يرتكب جريمة الهروب ثلاثة مرات. في سجل (الكنية) نعثر على اوصاف مفزعة له، كل واحدة منها تقود الى اعدامه، وفي (جدول الضبط) تتراكم المجالس التحقيقية العسكرية لتجعل منه صيدا ثمينا لمفارز الانضباط العسكري. كان عاشقا للهروب، يلتحق بوحدته ليهرب من جديد. كل ايام غيابه عن (سوح الوغى) تتحول الى غناء وحفلات اعراس، وبنى خلالها سيرته كواحد من افضل المقلدين للمطرب الريفي (سلمان المنكوب). لم يبق في الساحة سواه بعد ان اكلت الحرب جميع المقلدين.

٭٭٭

اجتمعت فرطنة بفرقتها،
لا تعيدوا عربون الحفلات الى أهلها فسوف ينهض من رقدته، هذا الموت طاريء مثل نومة الطيور.
سوف نعيد الطلقة من حيث اتت. كيف يقتل من لم يحارب ابدا.

٭٭٭

ظهر لمدة خمسة دقائق في برنامج للمواهب مقلدا للمطرب سلمان المنكوب، فتم ضمه الى جوقة الفيلق الثامن المؤلفة من ثلاثمئة منشد ومنشدة بقيادة طالب القرغولي. كان عليه ان يصل معهم الى درجة جواب الجواب (الصول لا سي) وهو يردد :
(احنه مشينا للحرب)، لكنه هرب من البروفة الاولى، خرج من مبنى الاذاعة ومشى باتجاه معاكس للحرب تماما.

٭٭٭

حين خرج من بطن امه لم يصرخ، بل اطلق صوتا رخيما يشبه طور الحياوي. سوف تعيش امه بضعة ساعات فقط بعد ولادته لتوصله الى الدنيا. كأنها ساعي البريد. وفيما كان الناس يرفعون نعش امه، كان فمه المتعطش للحليب يفتش بعينين جائعتين عن ضرع يلتصق به. اختار القدر فرطنة الوصيفة (الزنجية) ام رياض الحبشي لتكون امه بالرضاعة. تركت النسوة يودعن الميتة وحملته الى صدرها. كان صدر فرطنة يحوي ضرعين مختلفين: واحد للحليب، والآخر للخمرة (العرق). لانعرف في الحي اي منهما للخمر واي للحليب، وكيف توفق بين رضيعها رياض، وبين الفم الجديد (ارحيم). حين وجد نبع الحياة سكت تماما، ثم راح يدندن بصوت يدغدغ حلمتها البنية، ثم غفى فالتصق رأسه برأس رياض الحبشي شريكه في الرضاعة، ولاحقا في الهروب، وفي الفرقة الشعبية التي تديرها الام. سوف يكبر ارحيم ليكون نسخة مرموقة من سلمان المنكوب، وسيكبر رياض ليكون بزاخ (راقص) العصر بلا منازع، والعضو اللامع في فرقة فرطنة الشعبية ، والذي كان يسير على طابوقة واحدة من سطح الى سطح محاكيا الرومانية ناديا كومانشي. على هذا النحو اصبح ارحيم اخ بالرضاعة لرياض الحبشي و للوصائف الثلاث (كاملة، وساجدة، ورجاء) وكان ينام معهم اغلب الوقت، وشرب على ايديهم اصول فقدان الوعي (الكنكرة) وهو نوع من التصوف الزنجي، رجفة تشبه سكرات الموت، او رتل من النمل، تصعد في الاكتاف لتميتها وتحييها، وتتفتح الرؤوس على الطبل الخزف، وتتناطح الجباه مثل قرون الماعز للتخلص من جاذبية الارض، والاتزان على خيط رفيع عند ذروة المزاج.
وهكذا كانت الرضاعة والخمرة الطبيعية تدخلان في تعريفه. حين تم فطامه تحول من ضرع فرطنة الى عرق زحلة، وكانت الكف التي تحمله هي ذاتها التي تسقيه الخمرة. حين قررت فرطنة فطامه وضعت في فمه ضرعا من البلاستيك (ملهية)، لكنه رماه بعيدا وراح يبكي لثلاثة عشر يوما. كان يتحايل ليعود الى حضنها من جديد، وبينما كانت ساقاه تكبران كان فمه متوقفا عند لحظة الفطام. كان عليها ان تكون حازمة وتدوس على رقة قلبها. قطعت عنه ضرع الحليب، فتقبل على مضض الحليب المجفف. ثم جربت ان تقطع عنه ضرع الخمرة، فتحت ربعية العرق المحلي (الزحلاوي)، خلطته بالماء، ثم الطفل في حجرها، كان عمره قد تجاوز الثلاث سنوات، سوف يلسعك، قالت له ، فاغمض عينيه، وفتح فمه، كل شيء فيه كان غضا طريا، وخافت ان تحرق لسانه. فسكبت في جوفه نصف قدح مع قشرة ليمون حامض، وجده لذيذا فتقبله.

٭٭٭

قرر السيد الرئيس زيارة المدينة التي مضى عليها عقدين دون منظومة تصريف للمياه الثقيلة (مجاري)، وعبرت حاجز المليوني نسمة، وعبر معها رقم الهاربين من الحرب الى مئتي الف. وبسبب البرك التي تغطي وجه المدينة يصعب وصول مفارز الانضباط العسكري والحزبي الى داخل الازقة. وكانت تلال الزبل جزءا من معالم الزينة والعلامات الدالة. لم يكن وباء الملاريا هو الخطر، كانت المدينة بحاجة الى شيء واحد – من وجهة نظر السيد وديع الشيخلي امين العاصمة ووكيل الداخلية – هو تخليصها من الهاربين. في ذلك الوقت وزع منشور سري يتحدى الرئيس وموكبه ان يخترق المدينة بسبب المستنقعات والبرك. لاشك ان نرجسية السيد الرئيس وقعت في الفخ، فتم تأجيل الزيارة لحين وصول فرقة مدرعة من كوريا الجنوبية مؤلفة من مئتين وخمسين جرافة وشافطة وحفارة. وضعت كوريا كامل خبرتها في شفط الوحل، وشقت حفرا عميقة، وانزلت فيها انابيبها العملاقة. ومع مرور الوقت تراجعت المستنقعات والبرك، ولم يبق من لقب ارحيم سوى مطرب الاهوار، تلك المسطحات العظيمة التي تولى الرئيس بنفسه أمرها، كانت تحوي صنفا من الهاربين اكثر خطورة من القاسمية، وكان لابد من تجفيفها، لتسهيل القضاء عليهم، فاطلق مناقصة لكل الشركات الآسيوية لتقديم عطاءاتها. وحين تم تجفيف الاهوار. يبق من لقب إرحيم اي شيء.

٭٭٭

كان له اخوات بلونين سود وبيض، يجمعهن تاج الطين فوق الرؤوس، والذعر من قرب الوداع. كلما اهال الحفارون حفنة من تراب ازحنها باكفهن ومسحن وجهه، وخرج منهن عويل رمادي، وقال الدفان :على هذا النحو سوف لن ننتهي ابدا، اتركوا الميت يلاقي ربه. وهرب رياض من لحظة الوداع، ومن عواء امه وهي تخاطب النمل (الدود) الذي بدأ يشحذ اسنانه بانتظار انصرافنا لينقض عليه :
يادود، لا تاكل عيونه
خليه يشوف اليزورونه

٭٭٭

لو ان الرصاصة جاءت متأخرة،
لو لم تلتقي بعنقه، لما تعطلت ثلاثة اعراس في القاسمية قبض عربوناتها قبل التحاقه بوحدته .
لماذا سمحنا له ان يتحول الى شهيد؟، لماذا دفعناه ان يتخلى عن فطرته؟. لماذا سمحنا لوديع الشيخلي ان يعزف على اوتار قلبه الهش ويملأه رعبا؟. وقفت فرطنة قبالة الباص الخشبية تؤنبنا :
لماذا تركتموه يذهب بقدميه، لماذا لم تمسكوا به ؟
كان شعرها الضائع اكثر بياضا من فطرتها، واوسع فضاءا من الموت، ثم راحت تنير وحشة الزقاق بنعيها الذي يمزق الثياب، ويبطل فعل الخمرة عنا.
(يادود، لا تاكل معانيه
خليه.. مثل ماكان.. خليه)

٭٭٭

قبل ايام داهموا سطح الدار فلم يعثروا عليه، كان مختبئا في الباص الخشبية، وهكذا ينجو الهاربون.
طوق وديع الشيخلي القاسمية، نصب اربعة مشانق في مفارقها، وجعل الجهاز الحزبي في الانذار، وضع مكبرات الصوت في مقرات الحزب، واعطى مهلة يومين لتحويل الجرذان (الهاربون) الى اسود، صفت مئة وخمسون حافلة عسكرية لاستلام النادمين ونقلهم مباشرة الى جبهات القتال.
بعد سبعة عشر يوما من التحاقه بوحدته عاد ملفوفا بالعلم الوطني. وكانت هناك خشبة تحمل صمته الابدي. قال عريف الفصيل الذي اوصله انه لم يتوقف عن ثلاثة اشياء : الخمرة والسجائر والغناء. قلت له بامكانك ان تغني وتسكر، ولكن انتبه جيدا لسجارتك، ثم سمعت الاطلاقة، ولم اخرج من الملجأ، وسكت الغناء، ثم سمعت عواءا اعقبه شخير، ثم سرعان ما انقطع الشخير.
لو اننا شربنا تلك الليلة اكثر مما ينبغي، لو اننا لم نذهب الى ساحة (55)، ولم نر المشنقة، ولم نرو ما رأيناه، عن الهارب المتدلي مثل سروال في حبل غسيل. فلكي لاتسقط كلمة الشيخلي (هذا مصبر الهاربين) الى الارض فقد ربطها بقدمي المشنوق.
لو اننا لم ننقل ما سمعناه وهو يقسم برأس السيد الرئيس امام فصيل الاعدام، انه لن يبق هاربا واحدا في المدينة.

٭٭٭

سكبنا في فمك كأسا من الخمرة فخرج من قفاك، ولم يدخل جوفك.
وضع رياض قبلة فوق حنجرتك، وغاص فمه المليء بالسكر والحزن، ولعق تفاحة عنقك المثقوبة، وضع رأسك في حجره، و بكفه اليمنى سد الثقب في مؤخرة رأسك، وبالكف الاخرى سكب كأسا عامرة بالدموع والخمرة، نافثا فيها كل هزيمته واخوته المذبوحة ثم ثغب :
(يا ارحيم…… ياخويه).
سحبناه قبل ان يدفن نفسه فيك، فسار على خيط رفيع بين الحياة بالموت، ثم راح يتقلب فوق جثتك دون ان يمسك بسوء. كان ثملا بما يكفي ليكون خارج نواميس الطبيعة. سار بالمقلوب(على كفيه) حتى التصق فمه باذنك. وقال انه سوف يلقنك ماذا تقول حين تدخل قبرك. اذا جاءك الرب فقل انك شاركت في الحرب، واطلقت موال، و لم تطلق رصاصة واحدة، وانك تريد الدنيا وليس الآخرة. واذا قابلت النبي محمد فقل له ان مؤذنك الحبشي مازال عبدا، ومازال يردد اسمك خمسة مرات في اليوم منذ اربعة عشر قرنا، حتى لو وهبت نوريك لتاجر قرشي.
دارت الباص الخشبية على نفسها.
وناحت فرطنة :
(يادود، لاتاكل لسانه
خليه يتغنى بغنانه)

٭٭٭

حاولنا ان نخرج الرصاصة، نعيدها الى منطلقها، وضعنا مرهما، وزيتنا الحنجرة كي تعاود الغناء.
لو انه غنى في الملجأ ، او اطفأ السجارة، او قطع الموال. لو ان العريف كان اكثر انضباطا.
سقطت اخواتك مثل اوراق التين، لسانك معقود، ووجهك مثل الكركم، المخاط يسيل من انوف الصغار، واخواتك تندب و تسيح في الزقاق. نبتت في وجوه اخوتك لحى بنفسجية، هربوا من صمتك المطلق.
جاءت مرضعته وقالت : لو كان قد تأخر في الحمام، او فاته القطار.
في العادة تموت المرضعات كمدا، لكنها حتى الان تعتقد انك مازلت هاربا، هنالك سوء فهم. كيف يقتلك شخص لا يعرفك اصلا.
انت عدو للا احد.
انت موت غير مرغوب فيه. ما ان نواريك الثرى حتى ينتهي كل شيء.
لا احد في هذا الباص الخشبية يؤمن بالحياة بعد الموت، هذه هي المحنة.
سوف نرفعك حتى تفيق، نعيد اليك الحياة لتموت بارادتك، بتشمع الكبد. ملأنا فمك المفتوح بالخمرة، وضعنا ثقبا في النعش ورحنا نزق الخمرة فيه.
وجاء اخوتك، وقالوا لنا انك ستتعفن، رائحتك سوف تملأ الزقاق، وعليهم ان يحملوك الى قبرك.
عيناك مفتوحتان، وتجيب على كل ما لا يسمع، لكن لسانك معقود.
قلت لنا انك ذاهب لكي تهرب من جديد، لن تمكث سوى يومان، وتعود.
ارتبك لحن المزامير، جاءت مبكرة، نقرت وجنتيك فلم تستفيق ، ثم حام سرب من الدفوف فوقك فلم يوقظك.
وجاءت فرطنة قبيل الفجر،وهي لا تعرف كيف ينقضي ليل الموتى، سعلت، وطلبت منا سجائر، وقليلا من النوم. ثم نعت :
(يادود، لاتاكل الحنجور
خليه يغرد بين الگبور)
هولندا
shoka57@yahoo.com