“الولوج إلى عالم الدهشة” قصة قصيرة للكاتب المصري محمود الغيطاني

كنت دائما ما أشرد متأملا لحيته المشعثة الضخمة كلما رأيته. أبكي ثم أضحك؛ فهو يشبه القنفذ، أو بالأدق هو يشبه الأسد بتلك اللبدة الغريبة التي تأكل صدغيه ثم تنسحب عموديا وكأنها مغرّاه. يقول:
– إن الله يناديك يا أخي، فلب نداءه.
أقول ضائقا:
– دعه ينادي؛ فإننا على خلاف.
– كيف حدث هذا؟ لقد تركتكما على وئام المرة الفائتة.
– عندما مشيت بدأنا نلعب النرد فاختلفنا وتبادلنا السباب ثم افترقنا.
– سأسألك سؤالا واحدا.. هل تحبه؟
– بل أخشاه؛ فجحيمه رائع ونعيمه مخيف.
– من شرب سكر، ومن سكر هذي، ومن هذي افترى (1).
– إنك تهذي.
– إذن فأنا أفتري.
أذكره يوم كان إنسانا عاديا. يحب الحياة. يعيشها بانطلاق. مثقف يعيش بين فخذين ممتلئين رغبة. أذكر هتلر بشاربه المميز. كتاب كفاحي. مكتبة مدبولي. حزب التجمع. ماركس. ماوتسي تونج. نادين جورديمر. إعلان تأميم قناة السويس. الغزو العراقي للكويت. مذبحة قانا. الفيتو. الفيتو مرة أخرى. وفاة ديانا. البوسنة والهرسك. انهيار هضبة المقطم. اغتيال فرج فودة. ممارسة حارة فانية في جسد محبوبتي. أول قبلة في حياتي. تخرجي من كليتي. أنتبه على صوته:
– ما رأيك في سهرة حمراء مع إحدى الأخوات؟ ستعجبك.
أفكر قائلا:
– إنهن لا يعجبنني؛ لأنهن سافرات الوجوه.
– وماذا في هذا؟ إنهن يطبقن شرع الله، ثم إن وطأهُن لذيذ.
أتخيله كما هو رجلا ولكن بين فخذيه شقا عميقا. أقول له:
– انتظر، سأخلقك خلقا جديدا.
أسرع نحو صلصال لا أدري من أين انبثق. أشكّله على هيئة نهدين. أسرع بالصاقهما على صدره. أساويهما فيصبحان من لحم. آخذ قطعة أخرى لأزيد له حجم الردفين فيتناسبا مع وسطه الدقيق. أسرع بمضاجعته؛ فيتأوه منتشيا قائلا:
– ألم أقل لك أن الأخوات مثيرات؟
أقول بعد نهاية الفعل:
– أتدري؟ لي صديق مات وهو يمارس الجنس فحزنت عليه كثيرا، فعقاب الزاني عند الله شديد، بل والأدهى أنه كان مخمورا.
يقول صديقي الذي قد خلقته امرأة:
– دعك منه و تعالى لتضاجعني؛ فأنا في شوق إليك.
أقترب منها فانطمس فيها. نتفانى لنتشكل من جديد فإذا بي امرأة تساحق امرأة. أقبلها بعنف فتقبلني. أمتص نهديها بينما يدها على نهديّ تكاد أن تمزقهما. أشعر بنشوة شديدة حينما تداعب الشق الذي بين فخذيّ. لم أكن أعرف أن السحاق لذيذ هكذا. أذكر أبحاث “الفيمينزم” التي قرأتها من قبل. يزداد اقتناعي بها فأقرر تطبيق “اللوجوس” أقول بصوت مشوه لا هو بالأنثوي ولا بالذكوري:
– هل تذكرين عبد الناصر؟
– أخطأ السادات كثيرا في ثورة التصحيح التي قام بها..
– كان مثالا للصعيدي الحقيقي، كان مصريا صميما يمثل روح الشموخ العربي.
– كان خطؤه الأفدح سياسة الانفتاح التي انتهجها، أتدرين أني أعتقد أنه السبب في الأزمات الاقتصادية التالية على مر السنين حتى اليوم؟
– كان تطبيقه الاشتراكية أعظم ما قام به من أعمال.
– كنت أحب ذلك الرجل كثيرا، انه بالفعل كان ثعلبا كما سُمي، كم حزنت على نهايته الدامية.
– موته بالسم كان إهانة عظمى له.
– ماذا كنت أقول؟
– كنت تقولين الشعر.(2)
– لست أدري لم أشعر بالكره نحوك.. انك تعذبني بوجودك جواري.
لم ألبث أن خاطبتها بضمير المذكر إلا ورأيتها قد بدأت تتشكل في هيئة ذكورية. إنها تتماهى، تنبثق، تتحدد، تتضح معالمها تماما فتعود مرة أخرى صديقي ذا اللحية المدببة. أقول بصوتي اللامنتمي:
– كيف كانت رحلتك من الذكورية إلى الأنثوية وبالعكس؟
– إنها رائعة… لست أدري لم لم يخلقني الله أنثى.
– لا تعترض على إرادة الله وعش ذكورتك كما ينبغي.
– ولماذا لا أعترض؟ هل كتب عليّ أن أطيع إلى مالا نهاية؟ ألا أعمل عقلي؟ ألا أحقق شيئا مما أبتغيه لأن الله لا يريد هذا؟
أضحك قائلا:
– يبدو أنك قد وجدت طريقك الصحيح.
ننخرط في الضحك فينتقل بنا الزمن آنيا إلى أزمنة أخرى متلاحقة. نضغط الزر الكهربائي الذي في الجدار فيتوقف سور النافذة الذي نعتليه في العصر الفرعوني. أذكر الحجاج بن يوسف الثقفي. أردد شعرا لجميل بثينة. أرى هارون الرشيد يشير لي فأبتسم له. أذكر دي سوسير. البنوية. التفكيكية. ما بعد الحداثة. اللامعقول. صمويل بيكيت. صموئيل شمعون. الكراسي. الحرب الأهلية اللبنانية. الجمهورية العربية المتحدة. 1967 .1967 مرة أخرى. حريق القاهرة. الأوبرا. بداية الدولة الحديثة. أحمد شوقي. مشهد لآذار. جامعة فؤاد الأول. السد العالي. نجيب سرور. سورة البقرة. الإنجيل. سورة البقرة مرة أخرى. انجيل متى. مسجد بلدتنا المتهدم. الإصحاح العاشر. فرانس بوب…
أفيق من شرودي اليقظ على صوت الآخر. ألمسه فأتشكل بقوتي الذاتانية إلى رجل مرة أخرى. أقول بتأفف:
– أريد أن نبقى في هيئة لم يتشكل عليها كائن قط.
– إذن لنفكر بشيء من الإهمال، وقتها ستختلط معلوماتنا وينشأ من اختلاطها مسخ رائع.
– أجل، إنك تذكرني بتجربة النعجة “دوللي”.
أقول لهما:
– بالمناسبة، أنا لا أعرف كيف أنهي تلك القصة؛ فلقد دخلتما في عوالم غريبة لست أدري كيف أجمّع خيوطها، كما أن حواراتكما مفككة، وعلى الرغم من أن النقد الأدبي سيجد لها تبريرا إلا أنها شتتت ذهني.
يرد عليّ صاحب اللحية:
– ابعد عني أيها الأخ واتق الله، إني أعرفك، ألست ذلك الكاتب إياه؟ دعك من النقد السينمائي وسأقول لك شيئا نصيحة لوجه الله ، الطريق مفتوح ولم يغلق بعد..
أقاطعه قائلا:
– دعك من تلك النصائح ووفرها لنفسك أيها المسخ، ثم لا تنس أني الذي خلقتك وكونتك بقلمي وشكلتك بثقافتي، ولو أردت إفناءك الآن لفعلت.
يرد عليّ الآخر:
– عفوا، بالرغم من أنك شديد القرب إلى نفسي إلا أني أعترض، بل سأكون أول من يسد عليك الطريق ويمنعك من مصادرة حريته في الحياة.
أقول منفعلا:
– أنا الذي خلقتكما ولي حرية فعل ما أريد فيكما أيها النذلان.
يرد بهدوء مثير:
– لن تستطيع، فليس معنى إيجادك لنا من بنات أفكارك أنك صاحب حق في قتلنا أو إنهاء حياتنا، إن حقك الأول في الخلق كان بكامل إرادتك ولكنك لا تمتلك بعد ذلك أي حق علينا.
أصرخ:
– إني قد سئمت صوتك، انك تتدخل فيما لا يعنيك وقتلكما لبعض لابد، وإلا ما نهاية العمل؟
يقولان معا وكأنهما متفقان:
– سنقول لك ما نهاية العمل.
أراهما يخرجان من القصة فيتركانها شاغرة. أثور عليهما. لقد أضاعا عليّ مجهودا كبيرا بذلته أدى إلى هدم البناء الفني للعمل. يقتربان منّي بهدوء؛ فترتعش أطرافي. أرى في عينيهما الشرر فأسرع نحو قلمي. أقذفه نحو صاحب اللحية فينغرس في صدره ثم لا يلبث أن ينفجر مفتتا كاللغم. يميل عليه زميله. أحاول إصابته لكنه ينجح في تشكيل صديقه وإعادته للحياة. أنطلق جاريا. يجريان ورائي فيلحقان بي. أقاومهما فيشلان حركتي تماما. يلقياني داخل القصة لأتقيد داخل سياجها ويبدآن النسج قائلين:
– هكذا تكون نهاية القصة.

1- الإمام علي بن أبي طالب
2- الاديب نجبيب سرور، بتصرف

من مجموعة محمود الغيطاني القصصية الجديدة “لحظات صالحة للقتل” تصدر في معرض أبوظبي للكتاب أبريل (نيسان) 2018.