“غابة التستوستيرون” قصة قصيرة للكاتب السوداني هشام آدم

Hisham Adam

بصبرٍ وطولةِ بالٍ لا يتمتع بهما إلَّا عنكبوتٌ منزليٌ، وقفتُ إلى جوار إطار سيارةٍ مدفون حتَّى مُنتصفه في الأرض، أمام المدرسةِ في انتظارِ أنْ تخرج. كُلُّ مَا كان يدورُ بخَلَدي ساعاتها، هي ملامحها الآثمة، التي رسَمتُها لها في خيالي، وأنا أُمارس الاستمناء، تحتَ جُنْحِ الظَّلامِ، وتحتَ لِحَافي خَشنَ المَلمَس. لم أتذكَّر تأنيب الضمير الذي لازمني بعدها، فهو –غالبًا- لا يكون رادعًا بما يكفي لئلا أُعيد الكَرَّة مرَّة أُخرى، ولم أكترث كثيرًا بما قد تأولُ إليه هذه المُخاطرةُ غيرَ المدروسة. كُلَّما وسوسَ إليَّ شيطانٌ رحيمٌ بأن أتراجعَ، وأعودَ أدراجي، أتاني صوتها المُتلذذُ، متأوَّهةً تحتَ وَطأةِ خياليَ الجامح، وهي تُنادي باسمي.

إنَّ أكثر ما قد يُشعل النيران داخل أوردتي، ويُحيلها إلى فتيلٍ مُستعرٍ، هو صوت الأنثى، وهي تُنادي باسمي في تلك اللحظةِ الحميمة. شيءٌ ما يجعل لأسمي معنىً عندئذٍ. تنتفخ أناي تمامًا، وتمتلئُ بالنشوةِ والثقةِ المُفرِطة. إنَّه شيءٌ يُعزّز حضوري، ويُلغي كُلَّ مَا سواي. هو –الذي هو أنا- الذَّكَر الوحيد الذي يُمثّل وُجوُدُه معنىَ ألَّا ذَكَر سواي. تتجسَّد الذكورة في اسمي؛ كلَّما نطقتْ به، وكأنَّها تعني –حرفيًا- أنَّني مصدر لذَّتها، وأنَّها لا ترى رجلًا غيري.

معرفتي بأنَّ ما عايشتُهُ معها لم يكن سوى خيالاتٍ نسجتُها من خيوط التستوستيرون الغزيرةِ والمتينةِ، والتي عَكَفتُ على حياكتها طِوال الليلِ، لم تمنعني من افتراض أنَّها راغبةٌ في مُشاركتي مُغامرتي الجامحةَ؛ بل وأنَّها مَنْ خطَّطتْ لكل ذلك، مُنذ أن رمقتني بابتسامتها الآسرة، وهي تُغادر منزلنا، بعد أن حَصَلتْ على مُكعَّبات الثلج التي تُريد. تلك الابتسامة كانت البذرة البدائيَّة لخيالاتي، التي استمرت لأسبوعين بعدها، حتَّى قرَّرتُ مُصارحتها أخيرًا، مُستشعرًا انتظارها الطَّويل لهذه الخطوة، والذي لا أضمن أن يطول أكثر من ذلك.

في أحياءٍ شعبيَّةٍ كهذه؛ يكون السُّلوك الاجتماعي المُترابط، نواةً لسلسلةٍ من العلاقاتِ المُتشابكةِ، إذ يُوفّر نمط الاقتصاد التَّبادلي، ذرائعَ وحججَ تجعل مُصادفةَ الفتياتِ للفتيانِ مقبولةً، وغير قابلةٍ للتأويلِ على النَّحو السّيء. يَخرج الأطفالُ والفتياتُ إلى البيوتِ القريبةِ، بحثًا عن منافعَ واحتياجاتٍ اضطراريَّة: حِفنةُ سُكَّرٍ لإعداد الشَّاي لضيوفٍ طارئين، شموعٌ عند انقطاع التَّيارِ الكهربائي، أطقم السُّفرةِ للمُناسباتِ الخاصة، التَّيسُ لتلقيح الماعز، مُكعَّبُ مَرَقةِ الدَّجاج لإدامٍ ارتجالي، وحتَّى المُضادات الحيويَّة، والمُسكناتُ للحالاتِ المُستعجلة.

لم أجد في قاموسي الذُّكوري تفسيرًا آخرَ لابتسامتها، وهي تُغادر المنزلَ حاملةً مُكعَّبات الثَّلج، إلَّا أمارةً على وقوعها في شَرَكٍ لم أنصبه، وفتيلًا لشَرَكِ بَدَأتْ نصبَهُ لي، بمَكرٍ أُنثويٍ أعلمُ –بطريقةٍ ما- أنَّني أفهمُهُ جيدًا. بفَرَاسَةِ الدُّنجوان؛ خمَّنتُ أنَّه يتوجَّب عليَّ المُبادرةُ الفوريَّةُ دون إبطاءٍ، لتعرفَ أنَّني فهمتُ رسالتها جيدًا. إنَّه أمرٌ جيدٌ أن يحدثَ هذا باكرًا، لترتسم صورتي كفتًى لمَّاحٍ، سريعَ البديهةِ والمُلاحظةِ في مُخيلتها، فهذا ممَّا يُهِم الإناثَ اكتشافَهُ في الذُّكور عادةً.

في لحظةٍ لا مِقياسَ لها، رأيتها وهي تخرجُ مِن بابِ المدرسة، حاملةً حقيبتها المدرسيَّة وراءَ ظهرها، مُتهاديةً في مِشيَتها، وكأنَّها مُهرٌ مُسرَّج. انتظرتها حتَّى ودَّعتْ صديقاتها، ثم اقتربتُ منها مُفتعلًا المُصادفة. لم تتغيَّر ملامح وجهها كثيرًا، فعرفتُ أنَّها لا تُريد أن تُبدي اهتمامًا أو ردةَ فعلٍ مُبالغٍ فيها، خوفًا من تأويلاتِ المُراقبين المُحتَمَلين، الأمر الذي رأيتُ فيه حياءً أنثويًا ذكيًا، يُعزّز مِن يقيني بأنَّ شِبَاكي تمكَّنتْ من التَّشبثِ بها، ولم تترك لها مجالًا لفرارٍ لم تُفكّر به مُطلقًا.

تبادلنا أحاديثَ يُمكن تصنيفها في خانة الاعتياديَّة، وكان بإمكاني الرَّبط الحميمي بين صوتها الأنثوي الصَّارخ، وبين تأوهاتها، ونداءتها المُثيرة. وبشكلٍ تلقائيٍ لم أحسب له حسابًا، أضافتْ كُلُّ حركةٍ مِن حركاتها، وكُلُّ التفاتةٍ، عنصرًا جديدًا لخَيَالاتِ ليلةِ أمس. أمكنني تعريتها مُجددّا، وأنا أرى منظرَ ساقيها البارزتين من تحت فستانها المُمتد إلى أسفل الرُّكبةِ بقليل. وعندما اعتذرتْ مني، وغادرتْ مُسرعةً، تعلَّقتْ عيناي بأردافها المُكتنزةِ، كثمرتي جوز هندٍ استوائيتين مهولتين، وراحتْ يداي -في خيالهما- تُداعِبَانهما، وتتنقَّل بينهما، وهما تهتزَّان في مِشيتها المُغريَّة، كطائر بَلشونٍ يَهِّم بالطَّيران. لم أشكَّ للحظةٍ أنَّها تعمَّدتْ أن تكون مِشيتها على هذا النَّحو من الإثارةِ والإغراء.

انطلقتُ بعدها إلى المنزلِ مُباشرةً، ودون أن أُلقي التحيَّة على أحدٍ، دخلتُ الحمام مُسرعًا، وكأنَّني لا أريد أن أفقد تلك الصَّورة الطَّازجة، التي انطبعتْ في ذهني. أسدلتُ بنطالي دون تفكيرٍ، واستمنيتُ مُجددًا، ثم سقطتُ على الأرض، كقطعةِ زُبَدةٍ تذوبُ على حوافِ مِقلاة. تملَّكتني صورتها العاريةُ، التي رسمتُهَا لها في ذهني، ولم أعد قادرًا على التَّخلي عن فكرة تحقيق هذه الصُّورة، وجعلها حقيقةً ملموسةً أمامي. كانت صورتها تغشى عينيَّ كرؤيةٍ ضبابيَّةٍ، أراها أنَّى التفتُ: على بلاط الحمام، على كوَّة الجدار التي بلا سياج، على المرآة، على المناشف، على المِرحَاض، وعلى كُلّ شيء.

كنتُ أعلم أنَّه يتوجَّب عليَّ -لتحقيق حلمي العنيد- أن أتبع خطَّةً مُحكمةً، وأن أتمتع بصبرٍ أيوبي صَلْد. عادةً تُوترني فكرة الصَّبر، وتجعلني أتململُ داخل جلدي، ولكن لا سبيل لهدفي هذا؛ إلَّا ببذل أقصى الصَّبر وأجَلِّه. بدأتْ الأفكار تتخمَّر داخلي تلقائيًا؛ لاسيما وقشعريرة النَّشوة ما تزال تسري في عروقي حارةً ومُدغدغةً، كأنهارٍ من سائلٍ باردٍ ومُشوّك.

في الخارج، كانت مُحاضرةٌ تربويَّةٌ من النَّوع المُمل في انتظاري؛ إذ راح والدي يُكرّر على مسامعي وِردَه اليومي من التوبيخ والتقريع. ناصحًا إياي –فيما يُشبه التحذير- بضرورة أن أجد عملًا كبقيَّة أخوتي، دون أن ينسى أن يَمُنَّ عليَّ بإيوائه لي في منزله، مُحتملًا نفقاتي، وإعاشتي. لا يفتأ يُردّد ذلك، كلَّما رآني أمامه، طالما تصادف مع فراغه من عبادته التي لا تنقطع. قال إنَّه قد خصَّص الرَّكعاتِ الأخيرةِ من صلواته، للدعاءِ لي بالهداية، مُؤكدًا على ارتباط الهداية بإيجاد عملٍ، والاستقرار فيه. “استقراركَ في عملٍ ما، سيجعل منكَ رجلًا مسؤولًا، والمسؤوليَّة هي خير دليلٍ على الهداية والاستقامة لأيّ رجل.” هكذا فسَّر لي الأمر، دون أن أسأله، وكأنَّه يكشف لي سرًا من أسرار الحُكماء، التي لا يُمكن بلوغها إلَّا بمُعَارَكة الحياة، ومُجَالَدَتِها.  

بطريقةٍ ما، نجح والدي في نقل إحساسي بالذَّنب تجاهه، كوني العلَّة الأولى في إصابته بأمراض الشَّيخوخةِ المُبكّرة، إلى الدَّرجة التي جعلتني أخشى موته، فتتهمني العائلة بالتَّسبب في قتله. تلك المخاوف الأنانيَّة جعلتني أتحاشى الدُّخول في حواراتٍ مُباشرةٍ معه، وهو ما فسَّره –لاحقًا- بأنَّه استخفافٌ سافرٌ بمكانته الأبويَّة. والمحنة الأسريَّة التي لم أشأ التوقف أمامها يومًا، هي أنَّ أحدًا من أخوتي لم يختبر قسوته وتزمّته التربوي، ما جعلني أشعر بأنَّه نَدِمَ –في أواخر عمره- على تبنيه إياي، وأُخمّن أنَّني لم أكن ابنه الذي من صُلبه. فلم يشتك مِن أحدٍ غيري، ولم يشتك أحدٌ غيري من طباعه القرويَّة القاسيَّة.

مُحاولاتي الهروب من أجواء المنزلِ المشحونةِ، والمتوترةِ كصالةِ البورصة، تُفسَّر دائمًا على أنَّها ميلٌ شاذٌ إلى التشرُّد والتسكع، ولم يكن بإمكاني إفشاء السّر لأحدٍ أو حتَّى الوثوق به. احتملتُ –مُضطرًا- لقب المُتشرَّد، على أن أخوض نقاشًا عقيمًا، أشرح فيه أسبابَ تغيّبي المُستمر عن المنزل، والتبرير لهذا السُّلوك الذي لم تكن له سابقةٌ عائليَّةٌ من قبل. أمام تنمُّر والدي، كان الجميع -بمن فيهم أمي- يسعى للحصول على إرضائه، وتجنُّب غضبه؛ لذا فقد وجدتُ نفسي معزولًا أمام سطوته الأبويَّة التتاريَّة. الشيء الوحيد الجيد في حياتي، والذي يستحق الصَّبر والتفاؤل، كانت علاقتي الوهميَّة الحديثة مع ابنة الجيران، التي سلبتْ جُلَّ طاقتي وخيالي في الاستمناء.

أشعر عندها أنَّني أقذف كُلَّ ما تعلَّق بي من شوائبِ اليوم، ومُشكلاته، ومناكفاته، مع حفنة الماء التي تخرج مني، وكأنَّها انعتقت من سجنها أخيرًا. يعتريني خدرٌ وفتورٌ يعُمَّان جسدي، مع لذَّةٍ مارقةٍ تُدغدغ خلاياي، ومسام جلدي، وكأنَّني تعاطيتُ جُرعة كوكائين؛ لاسيما وأنَّني كنتُ قد أدمنتُ ذلك فعليًا، وعلى نحوٍ خاصٍ في الليل، عندما يسكن الجميع، ويخلدون إلى النَّوم. عندها ترتسم صورتها على سبورة الليل الدَّاكنة، وتبدأ بمُداعبة خيالي، ولا أتمكَّنُ من التخلص منها؛ إلَّا بالاستمناء. عندها فقط أتمكَّن من النوم بعمقٍ وحُبور.

ليس من الصَّعب تخمين الوسيلة الأكثر أمانًا للوصول إلى هدفي المنشود، ورغم أنَّها وسيلةٌ محفوفةٌ بالكثير من الصَّبر والتزلُّف، إلَّا أنَّ إيماني بالنتيجة يُضيف إلى توقي وعزمي زخمًا، يجعل من الصَّبر مُتعةً في حد ذاته. مُستعينًا ببعض ما أحفظه من مآثر الكتب المدرسيَّة الشَّحيحة، أعددتُ كلمتي الافتتاحيَّة، والتي أعرف أنَّها لن تجد مُقاومةً من فتاةٍ مُكلَّلةٍ بشباكٍ صنعتُهَا من خيوط التستوستيرون، بدأبٍ وشغفٍ فولاذيين. كل ما عليَّ فِعلُهُ الآن، هو انتظار اللحظة المُناسبة أو خلقها تخليقًا إن اقتضت الضَّرورة.

جاءت الفرصة المؤاتية بفضل صديقٍ لم أعتبرهُ من النوع الذي يُعوَّل عليه. عرفتُ منه أنَّ أخته تُقيم حفل شايٍ مُتواضعٍ لفتيات الحي، بُمناسبة حصولها على وظيفة أحلامها، بعد أن أثمرت جهود والدها في الحصول على واسطةٍ لتوظيفها كمُضيفةٍ جويَّةٍ لدى شركة سودانير. تم اختيار يوم الحفل بعنايةٍ؛ بحيث تزامن مع خروج والديها لقضاء زياراتٍ عائليَّةٍ مُؤجَّلة. لم يكن من الصَّعب التنبؤ بدوافعها النرجسيَّة من هذا الحفل؛ إذ بدا أنَّها أرادت أن تُعلِم صويحباتها بأمر وظيفتها الجديدة، وبأنَّها بعد هذا الاحتفال، لن تتمكَّن من رؤيتهنَّ مُجددًا، فكان حفلَ توديعٍ أكثر منه احتفالًا بوظيفةٍ جديدة.

وبمُساعدةٍ غير متوقعةٍ؛ تمكَّن صديقي –بالتنسيق الهميم مع أخته- من توفير فرصةٍ للاختلاء بابنة الجيران، في مكانٍ ما داخل المنزل. فعلا ذلك بمحبةٍ غامرةٍ، ونوايا رومانسيَّةٍ تهدف للتوفيق بين عاشقين مُحتمَلَين. كانت فكرة أن يشهدا ميلاد قصَّة عشقٍ في بدايتها، تُلهب حماسهما، وتُضاعف من إصرارهما على إنجاح اللقاء، بعد أن تأكدا من صدق نواياي أولًا، والذي لم يتأتى إلَّا بعد أن أقسمتُ لهما بأرواح الأنبياء، وعِظَام الأسلاف على جديتي.

ورغم الأريحيَّة التي تعاملت بها الأخت، وأدخلتها بها علي؛ إلَّا أنَّها ظلَّت مُرتبكةً أكثر ممَّا ينبغي، إلى الحد الذي جعلني أشعر أنَّها أدخلتها عليَّ عروسًا، وأنَّ مَن بالخارج جميعًا يتوقعون أن يحدث شيءٌ آخر، أكثر من مُجرَّد الكلام، والمُصارحة البريئة. ذلك الشُّعور؛ بالإضافة إلى رائحتها المثيرة، شكَّلا غيمةً ضبابيَّةً من اللَّذة المُفعمة بالحماس، ابتلعتني وهضمتني داخلها، ولم تُبق مني سوى صوتٍ مُترددٍ وضعيفٍ، ساعد في دَهْنِ كلامي بطلاءٍ يُشبه الحياءَ غير المُصطنع، وإكسابه صدقًا لم أتوقعه؛ لاسيما مع إقحامي لبعض الحقائق المنقوصة عمدًا.

– كنتُ أتحيّن الفرصة لأخبركِ بأمرٍ ما، ولم أجد أفضل من هذه المُناسبة.

– أنا مُحرجةٌ للغاية؛ فلابُد أنَّ الفتيات بالخارج يُسئن بي الظُّنون. هلَّا قلتَ ما لديكَ بإيجازٍ وبسرعة. رجاءً.

– إن كنتِ تُريدين الإيجاز؛ فمُوجز ما أريد قوله أنَّني أحبكِ.

– ماذا؟

– نعم! لقد بلغ حبكِ مني مبلغًا جعل الأرق صديقًا لعيني مُنذ أكثر من أسبوعين.

– ولكن ما الذي بَدَر مني لتشعر اتجاهي بذلك؟ ولماذا أنا دونًا عن بقيَّة الفتيات؟

– أنتِ هو كُلُّ ما بَدَر منكِ. صوتكِ، ضحكتكِ، حياؤكِ هذا، جمالكِ. كُلُّ شيءٍ فيكِ يأسرني، ويُكبّلني برفق.

كنتُ قد أزمعتُ استغلال الفرصة على وجهها الأكمل، فارتجلتُ كلامًا لم استحضرهُ سابقًا. خشيتي الوحيدة كانت أن تكتشف مبالغتي فيما أقول، ولكنني كلَّما بالغتُ زاد حياؤها، وتجدَّد صبرها لتسمع كُلَّ ما لديَّ دفعةً واحدة. مُستفيدًا من إطراق عينيها، كنتُ أنظر إلى تفاصيل جسدها اللادن، الذي كجِلْدِ دولفينٍ أملسٍ، وأنا أُمنّي نفسي بأنَّه سيكون لي عمَّا قريب. مرَّت لحظاتٌ أوشكتُ فيها على احتضانها، وتقبيلها بقوةٍ، ولكنني تمتعتُ بجَلَدٍ مقدونيٍ مُدهش. لم تقل شيئًا طوال جلستنا. ظلَّت تستمع بإصغاءٍ خاشع، وهي تكاد تذوبُ أمامي كقطعةِ شيكولا ساخنة. وما أن سألتها عن رأيها، حتَّى غادرت الغرفة، وهي تركض. عرفتُ –عندها- أنَّ مهمتي تمَّت بنجاحٍ نابليوني.

بعد ذلك بأيام، كنَّا قد بدأنا نُمارس عشقًا بدائيًا في الخفاء، بنظراتٍ خاطفةٍ، ومُغازلاتٍ عابرةٍ، وابتساماتٍ مُبطّنة. لاحقًا؛ تطوَّر الأمر، وتوجَّب عليَّ أن أخطَّ لها رسائل غراميَّةٍ من النوع الذي ينتهي برسمةٍ ارتجاليَّةٍ لقلبين مُتقاطعين، وقصائد شعريَّةٍ أسرقها من الملفات الثقافيَّة الأسبوعيَّة للصُّحف، والتي لم تكن تقرأها لحُسن الطَّالع. أغلب الظَّن أنَّها لم تكن مُحبةً ومُتذوقةً للشعر، ولم تكن لتُعيره اهتمامًا لو أنَّها قرأتُه بنفسها في الصَّحيفة، ولكن معرفتها بأنَّها المُلْهِمة والمَعنيَّة، جعلها تتملَّقُ الشَّعر الذي أختاره لها على نحوٍ خاص. بلغ الأمر سقفه الرُّومانسي الأعلى، عندما طلبتْ مني صورةً فوتوغرافيَّةً لتحتفظ بها لديها. استخفافي بالفكرة لم يمنعني من إهدائها صورةً قديمةً لي، تُذكرني بمواسم صفائي واعتزازي بنفسي النَّادرة.

كنت قد اعتدتُ أن أضع لها رسائلَ الغرام اليوميَّة بين صفحات الكتاب، الذي تُعطيني إياه، مُتظاهرًا بقراءته بشغفٍ أكاديميٍ لم يُعرَف عني، ولكنها لم تكن تردُّ على رسائلي، ولم أتوقع منها ذلك حتَّى. وبشكلٍ مقصودٍ، فإنَّ إحدى رسائلي احتوت بعض المقاطع الأيروسيَّة السَّاخنة من قصائد نزار قباني، التي يصف فيها مُجون الأثداء، وبريق فتنتهما المُستديرة، فلم يُحدِث ذلك اختلالًا في علاقتنا على الإطلاق. بدا أنَّ خطتي تسير بحنكةِ قرصانٍ بحريٍ مُتمرّسٍ، إلى الحد الذي دعاها إلى اختلاق الأعذار للمجيء إلى المنزل، بحجَّة إحياءِ صداقتها مع أخواتي، الأمر الذي أثار ريبتهنَّ، وأيقظ حَدسَهنَّ الأنثوي، الذي لم يَكُنَّ بحاجةٍ إليه من قبل.

ذلك اليوم؛ أوحى التستوستيرون لوالدي أنَّه لم يعد مُجديًا احتمالُ سلوكي الاستقلالي، الذي رآه تمردًا مُكتملَ الأركان، فقام بربطي إلى عَمُودِ عَريشِ الرَّاكوبة، بمُساعدةٍ فتيَّةٍ من أخوتي الذُّكور، وانهال عليَّ ضربًا بالسَّوط، وفي الوقت الذي كنتُ أخشى فيه موتهُ بنوبةِ سُكَّرٍ في هيجانه ذلك، سقطتُ أنا مغشيًا عليَّ، على إثر ضربةٍ خلف الأُذن تمامًا. وحتى لا يلومه أحدٌ، فقد تظاهر بارتفاع ضغط دمه، وظلَّ يُردد: “ليتني مِتُّ قبل هذا.” فحاز على شفقة الجميع، فيما راح البعض يُطببني بدواعي تدارك الأمر، لا بدواعي الإشفاق. تلك الليلة؛ حلَّ الصَّمت على المنزل الذي لا يهدأ عادةً، وساد الحذر، واحتل مكانته في الصَّادرة.

الجيّد في الأمر؛ أنَّ تلك الحادثة كانت السَّبب في انسكاب عاطفة ابنة جيراننا، من إناءِ حيائها -وسط دهشةِ أخواتي واستيائهن- وتدفُّقها بعنفوانٍ أنوثي مُفرطٍ، رغم مُحاولاتها السَّيطرة عليها، الأمر الذي أحدث قفزةً نوعيَّةً مُفاجئةً واستثنائيَّةً في علاقتنا. كان بإمكاني أن أرى العشق فتاةً مصلوبةً على نظرات إشفاقها، وحتى في ارتجاف كلماتها الملهوفة على شفتيها. الأمر الأكثر واقعيَّة في كل ذلك، هو أنَّها –منذ تلك اللحظة- أصبحتْ شيئًا يخصني، وشعرتُ -لأوَّل مرَّةٍ- بأنَّ لديَّ يدًا عُليا على أحدهم. طفا ذلك الحس السُّلطوي –لاشعوريًا- وأنا أُوجّه كلامي إليها: “أنا بخيرٍ الآن. عليكِ العودة إلى المنزل، حتى لا يُثير غيابكِ تساؤلاتِ الجميع.” وكان انصياعها الفوري -الذي بدافع الامتنان لاهتمامي- مُدغدغًا لأناي، تمامًا كصوتها الدَّاعر في خيالاتي الآثمة.

في الجزء الأكثر جموحًا من خطتي، في ليلةٍ فنتازيَّة غير مُقمرة، وفيما يُشبه المُطالبة الحقوقيَّة، حاولتُ تقبيلها عنوةً، بينما راحتْ تُقاوم بكبرياءٍ أنثويٍ مُغرٍ، وانتهى الأمر بصفعةٍ مُفاجئةٍ، حَسَمتْ بها موقفها بشكلٍ نهائي. استدعتْ صفعتها تلك نزعةً أبيقوريَّة مُتولدةً من اللَّذة والإحساس بالألم، ولسببٍ لا أعرفه على وجه الدقَّة، فقد مرَّ طيف أبي أمامي، واستقر –أخيرًا- في ملامحها، ما جعلني أشعر بغضبٍ، وحنقٍ شديدين. حاولتْ استرضائي بالحديث عن خجلها البتولي، وعدم اعتيادها على هذا الحد من الاقتراب الجسدي. وكُلَّما زادت تزلفًا، زِدتُ صَلفًا، ناعتًا محبَّتها لي بالهشاشة التي لا يُعوَّل عليها.

إزاء موقفي المُتعنّتِ ذاك؛ وَجَدتْ نفسها –في الأيام التالية- أمام مُعضلةٍ أخلاقيَّةٍ من النوع المُربك. وَقَفتْ في منتصف المسافة الفاصلة بين احتفاظها بعُذرية جسدها، والاحتفاظ بي. قرَّرتْ –أخيرًا- إلهائي بوعودٍ أفلاطونيَّة حماسيَّة. قالت وبريق الجِديَّة يشع من عينيها الوضاءتين: “أنا أيضًا أتحرَّقُ رغبةً بِك، ولكن دعنا نَرْعَى هذه الرغبة حتَّى نتزوَّج؛ فيكون للقائنا طعم الحلال المُستساغ. سأكون وقتها لكَ بكل جوانحي وجوارحي.” ولكنني اتهمتها بعدم الثقة بي؛ إضافةً إلى التشكيك في الولاء في محبتها. وهو ما جعلها ترضخُ لإرادتي الفولاذيَّة على مضض، رغبةً في إرضائي، وكإثباتٍ لمحبتها لي. بدا أنَّ التشكيك في محبتها كان جارحًا لها أكثر من أي شيءٍ آخر، وهذا ممَّا اكتشفته مُصادفةً، ولم أكن على علمٍ به مُسبقًا.

كنَّا قد أمضينا –بعدها- أسابيعَ في استراق القبلات السَّريعة والحارة، بصبرٍ يكاد ينفد. عَالجتْ فيه شبقي المحموم بحَزمٍ بطولي، رغم اللحظات التي كادت فيها أن تستسلم لإغوائي، ونزواتها العابرة. وبمُعدلٍ طردي: كُلَّما زاد عنف والدي، زاد عنفي وإلحاحي في المُطالبة بحريَّةٍ جنسيَّةٍ أكثر، ومساحةٍ أكبر من الوقت معها. بطريقةٍ سرياليَّة، اعتبرتُها مُتنفسي الوحيد، للانتقام لنفسي من العنف الأبوي، الذي ترك آثاره في جسدي، وعميقًا في روحي الثائرة. لم أتوقف عن مُمارسة الاستمناء؛ بل العكس من ذلك، سَاعَدَتِ النَّفحاتُ الجنسيَّةُ في تخليق خيالاتٍ أكثر خصوبةً، وأشد جنوحًا من ذي قبل. لم أعد قادرًا على النَّوم دون أن أفعلها، فأصبح عادةً يوميَّةً لا مناص منها.

ظلَّ الحبل الذي بيننا يرتخي تدريجيًا، وتبدَّدتْ تلك الطاقة المشاعريَّة التي كانت تمنحنا الحماس واللهفة، ولم يعد لديَّ القدرة على احتمال الصَّبر كما في السابق. عشتُ حالةً من الزُّهد العاطفي، وبدأتُ أتهرَّب منها أحيانًا، ولا أتذكّرها أو أشعر بالحاجة إليها، إلَّا عندما يتجدَّد العنف الأبوي، وتجف منابع ثقتي بالذَّات. بَدَأتْ –وقتها- باتهامي علنًا بالابتزاز العاطفي، واستغلال أنوثتها لأغراضٍ ذكوريَّة. ورغم بشاعة الاتهامات؛ إلَّا أنَّني لم أشعر بحماسٍ لنفيها أو إنكارها. وكنتيجةٍ حتميَّةٍ لكُل ذلك؛ فإنَّها اتخذتْ قرارها بإنهاء العلاقة، آسفةً على ما منحتُهُ لي –خلالها- من مُتعٍ حسيَّة لا أستحقها، مُتحمّلةً سطوتي التي لا تعرف منابعها أو دوافعها.

للحق؛ لقد آلمني قرارها ذلك كثيرًا، واكتشفتُ فَدَاحة الأمرِ، عندما تزعزعتْ ثقتي بقيمتي كرجلٍ يُمكن الاعتماد عليه في المنزل، بفضل الرُّعونة الأبويَّة التي لم تفتر يومًا، وبفضل تواطؤ الأسرة على ذلك. تملكني إحساسٌ مًتعاظمٌ بالقهر، والدونيَّة، وضآلة الذَّات. حاولتُ أن أكشطَ طبقاتِ الأسى المُتراكمةِ على روحي، ولكنها كانت أكثرَ مِن أن تُعالجَ بالنسيان، والمُداراة. عشتُ كشبحٍ شفَّاف غير مرئي، رغم السَّواد الدَّاكن الذي غطَّى كُلَّ جوانبَ حياتي؛ حتى تلك التي تُثير البهجة عادةً. لم يعد بإمكاني استرداد ابنة الجيران، بعد أن تَركتُ لها جراحًا مفتوحةً يصعب مُداواتها قريبًا. ولم يعد بإمكاني استرداد أناي، التي كانت تَمنحُهُ لي بخضوعها المُحِب.

آخر ما تركتُه لي، بعد مُحاولاتي اليائسة لاستعادتها، رسالةٌ مُقتضبةٌ تُخبرني فيها بأنَّها تُسامحني لوجه الله والإنسانيَّة، وأنَّها أوصَدَتْ قلبها، وأضاعتْ مَفاتِيحَهُ إلى الأبد. أدركتُ أنَّها لو استنفذَتْ طاقتها اللغويَّة في لعني وشتمي، لكان من المُحتمل أن يكون ذلك أمارةً على إمكانيَّة رأب الصَّدع، بقليلٍ من الاجتهاد والتحايل، ولكن مَن عفا عنكَ استعبدكَ، وأصبحتَ أسيرًا لعفوه، وقتيل رحمته غير المُتوقعة. ولا شك أنَّ هذه العقوبة أشد وطأةً، وأقسى وقعًا.

بحسٍ واقعيٍ؛ اكتشفتُ أنَّه لم يتبق لي من أهل الأرضِ قريبٌ أصدُّهُ، أو بعيدٌ أُوُدُّه، وعندها انتبهتُ إلى الفارقَ الجهنميَّ بين الحياةِ، والبقاءِ على قيدِ الحياةِ؛ فزهدتُ فيها، وعندما زهدتُ في الحياةِ، ضاقتْ عليَّ الأرض، وفُتِحتْ أمامي أبواب السَّماء. وجدتُ نفسي -دون مُقدّماتٍ منطقيَّة- أبذِلُ ما تبقى من طاقتي في العبادة والدُّعاء. لم أعد أخشى تهديدات والدي المُتكرّرة بالطَّرد من المنزل، فوطَّنتُ نفسي على الاعتكاف في المسجد لأيام. فقط وَحدَها خيوط التستوستيرون ما كانت تشدُّني إلى البيت؛ فأذهبُ لأستمنيَ، ثمَّ أستحمُ، وأعودُ لأدخل في اعتكافي مُجددًا.

عندما تفقد الحياة معناها، تتساوى مع الموت شكلًا ومضمونًا، وهو ما يَجعلُهُ خيارًا كأي خيارٍ آخر، ليسَ مُستهجنًا أو مُستبعدًا أو حتَّى مُخيفًا. تُصبح الحياة ترفًا مُرهِقًا وشاقًا، لا يُمكن احتماله. إنَّه قدري أن أمرَّ بكُل ما مَررتُ به، والقدر لا يرحم حتَّى المُنجّمين. ولكن وإن تكن الحياة قدرًا؛ فلن يكون موتي كذلك؛ بل رُبَّما أجملُ مَا في حياتي قد يكونُ موتي؛ لذا لم أجد صعوبةً في اتخاذ القرار، غير أنَّني درستُ احتمالاتِ جَعلِه أكثر نفعًا؛ لذا فلم أُقرّر إنهاء مهزلة بقائي حيًا شنقًا أو حرقًا أو حتَّى بالقفز من شاهق. لا أريد لموتي أن يُصبح عِبرةً يستشهد بها الأحياء مِن بَعدي أو طُرفةً يتندَّرون بها. أريده أن يكون شأنًا خاصًا وحصريًا.

مُحتملًا كل أخطائي ونكباتي، خرجتُ من منزلنا ذلك اليوم، دون إشعارٍ مُسبقٍ، ودون رسالةٍ وداعيَّةٍ؛ فلا أحدَ يُهِمُّه أمري، ولا أحدَ يَعنيني أمرُهُ هنا. خرجتُ مع بزوغِ خيوطِ الفجر الأولى، وقبل أن تَجْهَر الشَّمسُ بنِدائها الصَّباحي المُزعج، حاملًا حقيبةً مُرتَجَلةً، وضعتُ داخلها بعض الملابسِ، وفُرشَاةَ ومَعجُونَ الأسنان، وموسى للحلاقة، ومِصْحَفَ جيب. هذا كُلُّ مَا حَملته معي، في طريقي إلى المَنفَذِ الليبي شمالًا، حيث قرَّرتُ الانضمام إلى مجموعة المُجاهدين هناك. هذا أنسبُ ما تفتَّق عنه ذهني، بعد تفكيرٍ طويلٍ: مِيتةٌ بطوليَّةٌ تُعزّز ثقتي بالذَّات، وتضمنُ لي الجنَّة ونعيمها، والرَّاحة الأبديَّة اللذان أفتقد إليهما.

واتتني الفكرة لحظةَ صفاءٍ إيمانيَّةٍ، وأنا في مُعْتكَفِي؛ فبدت كإلهامٍ ربَّاني حميم. لم أستطع مُقاومةَ إغراءَ النّداء الإلهيِ، وعبقريته، فحزمتُ أمري وحقيبتي، وانطلقتُ من فوري. خلال يومين؛ سأعبر صحراءَ المُهرّبين الليبيَّة، إلى مدينةِ أجدابيا، ومنها إلى سَرْت أخيرًا. ظلَّ ذهني مُعلقًا بابنة جيراننا الفاتنة، التي غذَّت مَوَاقِدَ خيالي الجنسي الجامح، وأبقتْ نيرانها مُتقِدَةً كشُعلةِ الأولمبياد. بداخلي حماسةٌ مُستعرةٌ، وغضبٌ مُلتهبٌ، ولكنني أعلم أنَّني سوف أتوقف عن الاستمناءِ قريبًا، وأتمكَّنُ من قطع خيوط التستوستيرون آخر المطاف.

كاتب سوداني مقيم في بلجيكا

Hisham.adam@gmail.com