عبد الرحمن الماجدي: صامتون أبديّون

Abdelrahman al-Majedi

صامتونَ أبديّون أرشدتنا ظلالُهم الى الأرضِ الخفيضةِ. يحرسونَ مقابرَ ملوكٍ وادعين. على أكتفِاهم أجنحةٌ زغباء، عائدونَ من أرضِ كوثى (1). يصبُّون خمرَهم العتيقَ على مرجٍ مأكولٍ، ناظرينَ الى السماءِ تتقلّبُ في لذّتها الثقيلةِ، تفرجُ عن غيمةٍ بيضاءَ، يصلُ رذاذُها أتباعَ نـِرگال (2)؛ يمدّونَ، من سقوفِ قبورهم، كفوفاً خذلتْها ملامساتٌ منهكةٌ بآثامِ الحروبِ، تردُّ التحية لعابرٍ قديم. نهضوا من رقدةٍ أليمةٍ يباشرون تطهيرَ ذبحِهم بنارٍ أزليّةٍ، منهمكينَ بصلاةٍ غزيرةٍ يرتّلونها بضجيجٍ مهموس. يمسحونَ أجسادَهم بزيتِ المـُـلكِ المحفوظِ في قرونِ الأيائلِ، لتهربَ أرواحُ الشرِّ تتّقي غضبَ إلهٍ شابٍّ نالَ الممالكَ بغوايةٍ أودتْ بسيّدهِ في نزهةٍ للقاءِ ربّةٍ نزلتْ منَ الأعالي ضيفةً وحيدةً تغويهِ مشغوفاً، واقعَها، بعدَ انتظارٍ، تصاحبا ستَّ ليالٍ، سلبتهُ، في السابعةِ، مُلكَهُ العَضوضَ، فتنفسَ الراقدونَ هواءَهم السجين.

2

في الأرضِ الخفيضةِ تركَنا نذرَنا العهيدَ ينمو على قبرٍ حميمٍ، كتبنا، بظلّهِ، على عجائنِ الآجرِّ، أسماءَ موتى ذابلينَ؛ لبثتْ أرواحُهم تجفُّ فيها، وزحفوا لضيافتِنا في حلمٍ أبكمٍ،
تلوكُ أفواهُهم، مرتعشةً، أنصافَ كلماتٍ محمومةٍ، أيقظتنا، وهجعوا يلفّهمُ الأنين.

3

في تلكَ الأرضِ دوّنا، في الصباحِ، آثامَنا، بأصابعَ مطيّنةٍ، على كَرَبٍ عريضٍ، وجمعنا شعبَنا الذليلَ شاهداً عندَ الجرفِ، فسادَ صمتٌ أجشُّ في ظهيرةٍ بطيئة.
أوقدَ قساتُنا النارَ في أكوامِ السعفِ، يقطعونَ ويحرقونَ المعتمَّ من التمائمِ، فاستعرَ نُواحُنا عُواءً مبحوحاً، تعثّرَ، قبلَ الوصولِ، في رحلتهِ العُضالِ، يتوسّلُ الغفرانَ من إلهينِ ضجرينِ
يحرسانِ، طفلاً ينامُ في تابوتِ الطينِ، قربنِاهما.

 

1 تلّ كوثى: منطقة أثرية شمال بابل أشتهرت كمركز عبادة الاله نرگال.
2 نرگال: إلهٌ العالم السفلي، سومريّ أكّديّ عُبدَ، على نطاقٍ واسعٍ، في بابلَ وآشورَ وتدمرَ وإيبلا وأوغاريت. وهو ابن الالهين إنليل ونينليل.

 

شاعر وصحفي عراقي، هواندا
ralmajedi@gmail.com