“واو الكبير وقصائد أخرى” عاشور الطويبي للشاعر الليبي عاشور الطويبي

1975، في الطريق إلى واو الكبير

Ashur Etwebi

تمَسّهْ*، حائظ طيني بارتفاع 150 سم، يأخذ منه الظلّ نصفه

ما يتبقّى فهو للذباب وزفير الصحراء.

حرس حدود في بيت لا تصل إليه عين غوعل ولا يد حاكم ينام على الساحل الأبيض المتوسط

لم نكن خمسة كرفاق الجيلاني طريبشان في باريس، ولم يتجرّا أحد منا على الكلام، كانت أيدينا فقط تمتد إلى صينية المكرونة والطماطم الطازج، وراء الكثيب

يا لوحشة هذا العالم ويا لشدّة حزن هذي العيون!

الوقت في تمسّه عدم، المكان في تمسّه عدم.

حين نهضنا واقفين، كان الحائظ قد ارتفع قليلا والسماء قد رحلت!

واو الكبير **، 1975

 

وأنا الآن في مدينة تروندهايم، النرويج استرجع تلك اللحظة، عام 1975

حين اقترب الموت مني. كنتُ نازلا من القارة***، المغطّى بالحجارة السوداء

كانت قدمي اليمنى قد سبقت اليسرى، وعيني التفتت إلى طائرٍ، جناحاه كلما لمعت الشمس عليهما ازدادا اخضرارا. لحظة انزاحت فيها الظلال عن الأشياء. لم يحط بي نور ولم اسمع همس حوريات ولا هبّت نسمات طريّة. لحظةٌ غمرتني فيها اللّذة وانسابت الشهوات الدفيئة الدفينة.

يا لتلك اللحظة الزرقاء الأبدية التي عبرتني أو عبرتها.

اجْخرّة **** أو ساراجينا

 

يلوحُ نخيلها من وراء كثبان الرمل كغربان تحوّم في السماء

شوارعها أخذتها الزلزلة والعبيد الذين قذفت بهم قوافل الألم تفرّقوا في الأرض

في العقد الثامن من القرن العشرين دخلتها بحذاء عسكري

لم يكن رملها كريما ولا ظلّها باردا

ليلها غافل عن أمره يتقلّب بين نواح العبيد ونار اللذّة المحرّمة

ما رقّت في حياتها لغير خيلها ولا حنّت في حياتها لغير مطرٍ يلوح من ورائها

“إلى أين يا راحلُ؟” تسألني صبيّة من وراء باب

إلى سرّة وحبلٍ، أتعلّق بهما، علّني أقبض قبضة من أثر الرسول

وما طول خطوتك في الليل وفي النهار؟

هل من فرق بينهما؟

النهار تؤنسه الخطوات القصيرة الهشّة أمّا الليل فلا أحد أخبر بما يؤنسه

ما جلبت معك إلى اجخرّة يا راحل؟

ما جلبته معي أخذه ضابط الدورية ورجلٌ منكم في رقبته وشم غزالة

ستجد في آخر الليل تحت هذا الحائظ نبيذ نخل وخبز تنور وباباً مفتوحا.

بلاد

لأنّ في ليبيا لا يوجد نهر لم أعرف صوت النهر

لأنّ في ليبيا لا يوجد ثلج لم أعرف رائحة الثلج

لكني أعرف صوت الحجارة في الجبل العاري

أعرف نشيج الريح في الخلاء

أعرف أفراس الخريف حين تغضب

أعرف رهافة أشجار الكرموس في شهر أغسطس

أعرف تقلّب البحر حين تغادره الأرواح

أعرف مشية الليبي الحزينة ويده الفارغة أبدا

مقفل باب النبي القديم الجديد

ثقيل هوى هذي البلاد

 

*تمسه: قرية تقع في وسط بحر من الرمال، جنوب شرق ليبيا. تطلّ علي جبال الهروج السوداء ويحدها من الغرب مدينة زويله الأثريه، ومن الشرق منطقة واو الكبير، ومن الجنوب أودية وجبال ورمال.

**واو الكبير: واحد من ثلاثة واوات، واحات صغيرة جدا في الصحراء الليبية: واو الناموس، و واو حريرة التي يقال عنه أنه خطفته الجنّ، إذا رآه أحد لا يرجع إلى أهله أبدا.

*** القَارَةُ : جبل صغيرٌ منفردٌ أَسودُ مستديرٌ ملمومٌ طويلٌ في السماءِ (معجم المعاني)

****اجخرّة: تتوسط منطقة الواحات الليبية، وتقع جنوب مدينة اجدابيا، كما أنها تكون مع واحتي جالو وأوجلة مثلثا متساوي الأضلاع. كانت محطة لقوافل التجارة والعبيد. ذكرها بطلميوس باسم: ساراجينا. تشتهر بالتمور

bashirmetwebi@gmail.com