مقاطع من رواية “عش الخديعة” للكاتب العراقي حمزة الحسن

تصدر في الأيام القليلة المقبلة، رواية جديدة للكاتب العراقي حمزة الحسن بعنوان “عش الخديعة”. يقول عنها المؤلف: “لقد حلمت طويلاً بكتابتها وعندما كتبتها تمنيت لو لم اكتبها”. وجاء في مقدمة الناشر: بين حروب ومنافِ ومرارات كثيرة، تشق هذه الرواية طريقها لتبني صورة نعرفها لكننا لم نرها بوضوح الهارب منها. قليل فيها القول. انها عمل إستثنائي من روائي بارع جعل من القصة معركة حياة، بين موت وموت، وسنعرف أن له وجوهاً لا تحصى. أم أنها الخيبة بالذات حيث لا يكون الفرار حلاً، حيث تصبح الحياة مناورة ظالمة لا معنى لها.. لقد كُتب هذا العمل بِإيقاعات الحياة ونبضها لتكشف عن أحلام وبلدان وحيوات ضائعة يكاد الهباء يبدو رسوخاً منها. وبلغة ثرية مثقلة بالصور، فإن القارئ سوف لا يني يتأمل فيما يعرفه ولم يقدر على الإفلات منه..

 

***

“أنا ضواحي بلدة غير موجودة”
فرناندو بيسوا

 

بزغ الفجر الأبيض الرمادي من الغبش الشفاف وكانت رائحة الأشجار المبللة بالمطر تفوح عبر النافذة. ضوء الغرفة الأزرق الهادئ ينعكس على الجدران كأنه لون الوقت ويسيل كموسيقى تنبع من الحجر. عبر الشرفة كان العالم ساكناً والأرض تتنفس في يقظة خالدة مستمرة. لا يظهر أحد خلف الشرفة عدا فيللاّت وشقق صامتة مطلية بلون واحد هو الأصفر الرملي. لا أثر للحقول الخضراء، الآن. فقط تنبثق بين وقت وآخر قامة في الضباب وتختفي. نباح كلب حراسة الفيللاّت المنعزلة على حافة الريف والطريق العام. ضوء بعيد لنجمة صباح ضاحكة. إنه الفجر في الشمال الأفريقي. فجر حي لنهار مختلف يشبه الإحتفال. كل شيء كما يبدو إصطبغ بأحاسيسي التي تستيقظ كحبة قمح تحت المطر.

نحن في شهر فبراير/ شباط، شهر الأمطار، وبالنسبة لي شهر الموقد ولهب شموع الليل التي تطلق الخيال على الماضي، وعلى الأرجح الشهر الذي ولدت فيه لأن كل الوصف لذلك اليوم المنسي يدور حول المطر والريح والظلام رغم ان تاريخ الولادة مسجل في شهر يوليو/ تموز مما يعني أنه مجهول كولادة حشرات الليل ونباتات البراري.

يجب أن أكون في محطة القطار الساعة الثالثة فجراً في انتظار قطار الساعة العاشرة ليلاً القادم من طنجة. لا تبعد محطة القطار عن الشقة سوى نصف ساعة في أغرب موعد بالنسبة إليّ.

وصلت المحطة الساعة الثالثة والنصف وخمس دقائق بسيارة مستأجرة مسبقاً منذ اليوم السابق. كان علينا ترك الشقة المنعزلة الواقعة على تخوم ريف يحاذي الشارع العام من الخط السريع الذي يقطع مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخضراء وبيوت الريف المتباعدة. تلوح في النهار مراعي العشب والأبقار والمداخن أقرب ما تكون الى لوحات فان غوغ المتوهجة بالأخضر والأصفر الحي المحترق تحت شمس أفريقية مشعة.

كنا نمضي في الطريق الضبابي المعتم وكانت أنوار القرى تلوح معلقة في الفضاء الشفاف ورائحة العشب تفوح عبر نافذة السيارة في حين كانت السيارات تنبثق في الطريق وكذلك الأشجار وعلامات الطرق كما لو أن العالم يركض نحو موعد محطة القطار في ذلك الفجر الغريب والمربك.

كانت محطة القطار فارغة وبين وقت وآخر ينبثق من الضباب مسافر يجر خلفه حقائب ويجلس على مقاعد قاعة الانتظار ثم يأتي قطار ويختفي. كان سقف المحطة على شكل قبة وتظهر لوحة مواعيد القطار مضاءة باللون الأصفر في حين تومض نقاط ضوئية من جهاز سحب النقود الآلى، ومن محلات الهواتف والحواسيب المغلقة. لم أتمكن من الجلوس في مكان واحد دقيقة واحدة كلما اقترب الموعد.

خرجت الى رصيف المحطة الغارق بالضوء والضباب وكانت الأشجار مغسولة تبرق تحت المطر وسكة الحديد تلمع وتلوح طويلة أكثر مما هي عليه سكة حديد في ذلك الفجر الرماني حيث رائحة طحالب البحر بدأت تهب والأشجار تفوح بعطر بدائي والمطر الرذاذي ينثال فوق الأشياء كما لو أن العالم بدأ يتشكل، الآن، كما لو أنه لم يكن موجوداً قبل دقائق.

أنا أيضاً شعرت أنني أولد معه وقد لا يكون التعبير دقيقاً تماماً والأصح أن جزءاً يولد والجزء الآخر يختفي ولم أكن أعرف الى أي جزء أنتمي في محطة ماطرة.

نظرت عبر الزجاج الى الشارع العام فرأيت السائق ينظف الواجهة الأمامية لزجاج السيارة وهو غير مدرك لطبيعة هذا الموعد أو غير مهتم لكني أنا أيضا غير مدرك الى حد ما طبيعة هذا الموعد الذي وجدت نفسي فيه كطفل متروك في محطة قطار فارغة في فجر ماطر وسكة حديد صامتة يعبرها مسرعا قط يبدو مروره الخاطف أكثر مما هو في مشهد عبور واقعي كما لو أن الواقع لشدة كثافته صار حلماً.

لكن أكثر الأحاسيس غرابةً واضطراباً تتعلق بطبيعة هذا الموعد غير المتوقع الذي جاء من الاتجاه المعاكس للزمن لرجل عاش حروباً وسجوناً لينتهي، مع ضيق العبارة، في منفى جليدي على حافة العالم، وجاء هنا لقضاء الصيف هرباً من الثلوج ليجد نفسه في محطة قطار مدينة محلية في فجر مجهول.

في الليلة الماضية بين اغفاءة وأخرى حلمت أننا نخوض في مياه باردة تحت ثلج متساقط ونحن نرفع البنادق فوق رؤوسنا في ظلام عميق في حين تلوح قمم الجبال مثلجة تحت سماء رمادية كلون ذئب ورغم تقدمنا في عبور النهر الصغير المثلج لكننا لا نصل الحافة الأخرى في حين كانت البغال قد عبرت وانتظرت واقفة بالعتاد والأمتعة ورائحتها تنتشر في المكان والبخار يتصاعد منها وعندما وصلت الحافة الأخيرة والماء البارد المتجلد يلسع جسدي، عدت ثانية وانزلقت مع البندقية وكان هذا قد حدث أكثر من مرة ونحن في الطريق للقيام بعملية خاصة في الجبال في توقيت سيئ لنا لكنه يشكل صدمة للطرف الآخر الذي لا يتوقع هذا العمل في ساعة يخلد المحاربون فيها الى النوم من التعب والإرهاق والنعاس خاصة ساعات الفجر تحت ثلج منهمر وأمام مواقد جمر في ملاجئ تحت الأرض مكسوة بأشجار السرو والصنوبر.

ما الذي جعلني أستعيد تلك اللحظات من الحرب قبل ليلة واحدة من الموعد غير المتوقع؟ هل تحاول ذاكرة المحارب مقاومة اللحظة المرتقبة المضادة لكي تكون الاقامة دائمة في سنوات الحريق؟ أم على العكس تقدم الذاكرة مشهدها القديم الدامي احتفالاً بحدث سعيد غامض هدية حياة في لحظة غير متوقعة؟

سواء كان السبب هذا او ذاك، فلن يغير هذا في الوقت الراهن من حقيقة الأمر شيئاً أمام محطة قطار مهجورة في فجر أبيض تحت المطر الاحتفالي المنثال وقط يعبر سكة الحديد على مقربة من البحر.

لم تكن المرة الأولى التي انتظرت فيها قطاراً في حياة حافلة بالهروب المتواصل انتهت بمنفى بارد، لكنها المرة الأولى التي أنتظر فيها قطاراً في ظروف خارج اي واقع وفوق أي تصور وأبعد من كل احتمال. كانت محطة القطار في الفجر العاري والمطر الناعم والسكون وبريق أضواء المحطة ولمعان سكة الحديد المبللة قد منحت المشهد شكلاً مغايراً لواقع رتيب ومألوف.

الساعة الثالثة والنصف وعشر دقائق وجدتني أعبر سكة الحديد من رصيف إلى آخر رغم علامات التحذير من عبور السكة لكن من عبر ثلاثة حدود دولية على قدميه في أزمنة قاسية لا يشكل عبور سكة حديد مشكلة ولا يعدو أكثر من عبور شارع في الفجر.

قبل الساعة العاشرة موعد انطلاق قطارها من محطة قطار طنجة قالت في اتصال هاتفي إنها ترتدي معطفاً رمادياً نصفياً بسبب المطر وربما الانفعال وكان هو لون معطفي مصادفة وسمعت ضحكة خافتة في السؤال:

– وأنت ماذا ترتدي؟

لم أكن أعرف ماذا أرتدي حتى تلك اللحظة ونظرت الى معطفي الرمادي النصفي واكتشفت أن أحد الأزرار في غير مكانه الحقيقي إذا كنت أنا في مكان حقيقي وليس في حلم وقلت:

– لون معطفك.

انقطع الاتصال لان القطار الذي أسمع ضجيج عجلاته قد دخل في نفق ثم جاء الصوت مرتبكاً:

– كيف تشعر؟

لم أمسك في نفسي أي شعور محدد، وكنت مبعثراً لكنه أفضل من أي تماسك وانسجام جعل أيامي السابقة صورة مكررة لحياة فارغة من كل شيء عدا ذكريات الحرب والمنفى ومع ذلك خرج صوت مني لا ينتمي إلا لتلك اللحظة:

– سعيد ومرتبك.

– أنا أيضاً.

في الساعة الثالثة وخمس واربعين دقيقة عدت ثانية الى رصيف الانتظار رقم واحد وقد ظهرت الأشجار أكثر وضوحاً ولم ينقطع المطر ونظرت الى الجهة التي سيدخل منها القطار المحطة، فبدت السكة ممتدة حتى الحافة الاخيرة من الأفق كما لو انها ليست سكة حديد ولا تحمل قطاراً بل قدراً.

عاد القط للعبور مرة أخرى واقترب مني جداً وتمدد على الرصيف وشرع في لحس جسده وفطنت الى أن بعض نوافذ المنازل القريبة من المحطة مضاءة الآن. دخل مسافرون من الباب الرئيس وبين لحظة وأخرى أسمع صفير قطار قادم من الاتجاه نفسه لكنه لم يكن هناك أي قطار ولا صفير وليس غير المطر يتكئ فوق المقاعد الفارغة والصمت وأنوار علامات سكة الحديد وخطواتي في كل الاتجاهات ورائحة بحرية تهب من مكان غير بعيد في ساعة تلوح المحطة فيها كرحم لولادة أشياء جديدة وقد يبدو كل شيء متخيلاً، المطر المحطة والقط وأنا والقطار والموعد وحتى البحر، لكن تلويحة من السائق منحت المشهد صورته الواقعية: المشهد الخارجي فحسب.

 

***

 

أتذكر بوضوح مشع يوم كنت أتمشى على الساحل نازلاً من الطريق الحجري المؤدي الى مسرح سرفانتيس المهجور والمظلم في طنجة في غسق مسائي من شهر فبراير/ شباط، من دون هدف سوى التسكع وقد لا يكون تسكعاً بالمعنى العميق لكنه التفسير الأقرب في تلك اللحظة. كان البحر هائجاً في ظلام بعيد وتلوح في الافق أضواء سفينة مغادرة أو قادمة وصخور الساحل تترك صدى خافتاً عندما تضربها الأمواج. لم أنتظر أحداً ولا ينتظرني أحد.

أسافر إلى طنجة هرباً من عزلة الشقة ثم أعود مرهقاً من تداخل شوارعها وعالمها العميق. مسافر منسي لا أحد يحفل بحضوره أو غيابه وهو كل ما كنت أحلم به. أن أكون منسياً بعد سنوات من الرصد والمطاردة كطريدة تزداد سرعتها كلما كثير عدد مطارديها. لم أفطن لبزوغ الفجر وشروق الشمس من بعد ربما بسبب نوم مباغت فوق مصطبة قرب الساحل.

شروق نظيف وباهر ونقي يذكّر بلوحة كلود مونيه”شروق الشمس″ اللوحة التي شكلت بداية المدرسة الانطباعية. من دون أي هدف تركت الساحل وصعدت نحو مركز طنجة المدينة الدولية التي اختصرها كتاب الغرب في الجنس والمخدرات والشذوذ والسكر وكل ما هو منحرف وقد انساق كتاب البلد نحو هذه الرؤية واستعاروا المنظار الغربي وأوغلوا فيه واختزلوها في إطار ضيق ولم يكن هذا ما رأيته وعشته وقد يكون السبب أنني قادم لطنجة من خلفية مختلفة وتجارب مختلفة ونوايا مختلفة.

عندما كنت أعبر شارع محمد الخامس في ساعة مبكرة من الصباح، كانت فتاة تعبر أمامي مهرولة وسقطت حقيبتها الصغيرة والتقطتها وركضت خلفها وبمشقة لحقت بها وسلمتها الحقيبة. عندما استدارت نحوي، كانت عيناها تشع شراسةً وتحفزاً قبل أن تدرك الموقف، لكنها شكرتني باقتضاب شديد وانصرفت ودخلت مقهى قريب فقررتُ الجلوس في المقهى لكن بعيداً عنها، لكني شعرت أن شيئاً ما تغير فيّ من دون تحديده.

لم تظهر أي اهتمام سوى بنفسها في انتشاء طفولي مدهش، وبالقهوة، وكانت تتفحص حقيبتها بدقة وتعيد ترتيب الاشياء كما لو أنها تجلس وحدها رغم صخب الشارع ومرور المشاة. الشيء الاستثنائي الذي قامت به وهي ترفع جسدها عن الكرسي هو أنها نظرت إليّ بتركيز وابتسمت من غير تكلف بل بعفوية طفلة عثرت على دميتها المفقودة وغادرت المكان في منعطف لتختفي. كانت تبدو صغيرة بما يوحي أنها طالبة جامعة أو موظفة في أول عهدها في العمل وكان مظهرها العام جميلاً وعفوياً حتى تبدو طفلة كبيرة يصعب تحديد عمرها لكن بلا شك في أوائل سنواتها العشرين، وأقل من عمري بحربين وعدة منافي وصدوع وسجون، لكن هذا لا قيمة ولا معنى له تلك اللحظات من ذلك المرور الخاطف الذي قرع جرساً عتيقاً صدئاً في اعماقي من أن شيئاً غائباً كل تلك السنوات قد بزغ فجأة خلال عبور شارع وسقوط حقيبة وقهوة ومقهى لكني لم أكن متيقناً بصورة قاطعة من هذه الأحاسيس التي عادة ما ترافق الخارج من حروب طويلة مهلكة، القادم من منفى جليدي، ويعيش في عزلة تامة، إلى طنجة المتاهة وفردوس الإغواء والخطر وشعرية الأمكنة.

ليست طنجة محمد شكري، السكارى والعاهرات واللصوص والمخدرات والحانات والسياح، لكنها طنجة الأخرى، الالغاز المنسية، والضواحي المهمشة، عالم ما وراء الحيطان والنوافذ المغلقة، المظاهرات التي تندلع بين وقت وآخر لأسباب مختلفة، عالم المجانين الفلاسفة حيث ليس من الغريب أن يقف متسول بأسمال بالية ليلقي خطاباً أمام زبائن المقهى الصامتين وهو يلعن كل شيء بكل العبارات والحركات ثم يختفي ويحل بدله آخر، ثم تأتي مسيرة ترفع شعارات الاحتجاج ضد اسعار الكهرباء والنقل والسكن ومكافحة الفساد والرشوة في تمازج فريد بين صوت الجنون وصوت الجموع حتى تضيع الفواصل بين الاثنين أمام زبائن صامتين يدخنون الأيام والجسد.

 

***

 

كنت قد أطلقت عليها منذ تلك اللحظة اسم جوليا من دون أي تفكير مسبق بالاسم لكني عند البحث في القواميس عرفت معنى الاسم: هو الفتاة الصبية، جوليت، جولي، جوليانا، جوليا، أما الاسم جولي في تعريف لغوي آخر” منسوب إلى جُوْل: القلب، العقل، الحزم، العزيمة، التراب الذي تجول به الريح على وجه الأرض، شاطئ البحر، جدار البئر، جانب الجبل، الثلاثون من الإبل، والصخرة التي في الماء”.

من نظرة حصان قديم بالدروب، عرفت أنها تحمل بعض هذه المعاني أو في الأقل الكثير منها وربما أبعد، لكن جوليا اختفت بعد ذلك المرور الشبحي السريع حتى صار سقوط الحقيبة منتصف الطريق سقوطاً لي كما لو أن القدر أو الأيام جهزت لي سقوطاً رمزياً يختلف كل الاختلاف عن كل سقوط في الماضي في فخاخ ومصايد وأعشاش صيد مموهة.

كيف يمكن العثور على جوليا الفتاة الصبية التي نظرت إليّ في المقهى نظرة غزال مداهم في الدغل شم رائحة خطر وشيك أو شباك صيد أو بندقية مصوبة؟ صار البحث عن جوليا هو كل شيء، صارت متاهة تشبه طنجة، لكن ليست طنجة اليوم، ليست المدينة الظاهرة، بل طنجة المختبئة في الجذور وفي أعماق الأرض كحبة قمح نائمة. كيف تنام جوليا الآن؟

 

***

 

عدت في المساء من الشقة الى شارع البوليفار. وصلت مقهى بانوراما المطلة على البحر عبر واجهات زجاجية. يلوح البحر في الليل تحت ضوء القمر في غاية البهاء والتوهج، لكني تجاوزت المقهى الذي سيكون في يوم ما مسرحاً لأحداث قادمة مع غيره من الأمكنة التي ستكون من شخصيات هذه الرواية التي بلا بداية محددة بل فوضى تكاد من شدة دقتها أن تكون مبعثرة عكس النص المتماسك في الشكل والمنسجم والموحد والمتتابع، وربما بهذا الشكل تحمل سردها الخاص خارج اي نظام سردي مقرر ولا هوامش معدة سلفاً بل حتى بلا تخطيط أولي.

مررت من أمام فندق ريتز. تذكرت الصورة الملتقطة من نافذة غرفة الشاعر سعدي يوسف لفتاتين في مواجهة باب حديدي مشبك، من شارع موسى بن نصير مروراً بحومة الشياطين، شياطين الجسد، حتى سور المعكازين الذي تأسس 1911 أو ساحة فارو وهو اسم برتغالي الأصل، وعلامة السور: منظر البحر والمدافع الاثرية والساحة والدكة والحديقة. بعد العاشرة ليلاً تظهر مخلوقات منتصف الليل حيث تنام طنجة وتستيقظ أخرى، لكن جوليا ليست من هذا العالم كما شعّت نظرتها وهي تغادر المقهى ولا من أي عالم آخر مألوف وقد يكون انتظاري لها هنا في هذه الأمكنة لا معنى له بل مضيعة للوقت، ومن يدري قد تكون جوليا حلماً بعد ليلة منهكة قرب صخب البحر وليس حادث سقوط الحقيبة منها سوى واحدة من الاختراعات التي نمارسها لنقبض على حلم أو وهم عندما يكون الواقع شاحباً كحقل نهاية صيف. كنت على وشك العودة الى الشقة في ضاحية قريبة عندما شاهدت شبحها يعبر الشارع الساعة السابعة وعشر دقائق وتمشي بخطى هادئة غير متعجلة ولا مبطئة ترتدي معطفاً نصفياً رمادياً وشالاً من الأزرق الفاتح وحذاءً رياضياً ملوناً وشاهدتها تقترب من بائع هدايا رصيف كالاقراط والاساور الجلدية والقلائد اليدوية الافريقية ولم أتمكن من سماع صوتها وهي تكلم البائع لأن صوت مسجل من محل بيع شرائط كان يصدح بأغنية مغربية ريفية بإيقاع راقص وحزين، لكنها استدارت من دون أي سبب وصوبت نحوي نظر مندهشة ومستفهمة، حدست أنها أكثر من ذلك، وفي الحال غادرتْ المكان مسرعة من دون أن تلتفت وتختفي في زحام الشارع.

كنت أشعر مع الوقت أن ذاكرة بياض تولد على انقاض ذاكرة ممزقة وعالم رحلتي الى هنا قد انقلب ولم أعد سائحاً عادياً بل تحولت الى سائح داخل جسدي عثر في شارع على صورته القديمة يوم كان طفلاً يركض في البراري يطارد الفراشات لكن الصورة طارت في الهواء وظل يطاردها في كل مكان دون أن يمسك بها أو حتى يتحقق من وجودها لكن جوليا، قلت لنفسي عند العودة للشقة، يجب أن تكون موجودة، ومن المحتمل أن حادث سقوط الحقيبة مفتعل أو أنني أحاول اختلاق مقدمات حكاية حب لا وجود له إلا في خيال منفي أنهكه الزمن ويحاول مطاردة حلم بعد أن عاش مطارداً، لكن هل يمكن حقاً أن تكون جوليا امرأة حقيقية أم متخيلة؟ ألا يحتمل أن تكون واحدة من الشخصيات الروائية التي تمتلئ بها رواياتي وتعايشت مع بعضها حتى التماهي؟ هل ستكون النتيجة مختلفة اذا كانت حقيقية أم متخيلة ما دامت الأحاسيس الحية نفسها؟ كيف يمكن لرجل مثلي عاش كل تلك الحروب والخيبات أن يتوقع يوماً أن يقع في عشق فتاة في رصانة جمال بري غير مدرك لنفسه كالعشب والزهور ورشاقة غزال نافر؟

هبطت نحو البحر عبر مسرح سرفانتيس المهجور والمظلم في الساعة التاسعة بعد أن لم أتمكن من البقاء في الشقة. كان المسرح الذي تأسس عام 1913 كما هو واضح من العلامة المثبتة على الواجهة غارقاً في كآبة الليل والزمن كما لو أنه وجه طنجة الآخر، كأسد هرم في قفص، كليل أفريقي مهمل لكنه ضاج بالاحتمالات، وفي أقرب مقعد فارغ في مواجهة البحر جلست وكان ظلي يمتد طويلاً على الممشى الحجري تحت مصابيح مضاءة على طوال الشريط الساحلي الذي يبدو رغم برودة الطقس غاصاً بالمتنزهين والمتسكعين والمشردين والعشاق الذين يختارون عتمة الرمل وصخب البحر وحماية الظلام. قبل أن أغادر المكان منتصف الليل، قررت أن أكون في الصباح أول زبون في مقهى جوليا كما أسميها وما دامت جلست ذلك اليوم في المقهى، فلا شك أنها معتادة الجلوس هنا، لكنها هذه المرة لن تفلت من المطاردة ولم تعد فتاة أو صبية كبيرة بل صارت هاجساً مغمورة دوافعه في أعماق لا يمكن الوصول اليها بالتفكير وما يظهر من مشاعر هو فقاعات البحيرة وليس القاع العميق النائم في الادغال النفسية العميقة وفي العتمة النائية. لكنها لم تأت وبغضب طفولي مزمن شعرت انها خالفت الموعد وسأعاتبها بلا أي تردد لكني نهضت منزعجاً وانحدرت نحو مقهى الحافة مشياً على الأقدام، والمقهى فوق مرتفع مطل على البحر.

***

 

 دخلت جيان الشقة ودخلت خلفها لأول مرة. في الماضي ومنذ قدومي الى هذا المكان، كنت أفتح الباب ولا شيء غير الصمت والظلام والكراسي الصامتة والفراغ الموحش. لا شيء إلا الإنتظار. إنتظار من؟

 الآن، تحت نهار صريح، وعلاقة مضطربة، وأمام القامة الرشيقة كسروة تحت المطر، الصدر الصغير النائم كأرنب في العشب، والورك الملفوف بتناسق مع الكتفين الضيقين كممر جبلي في ليل مضيء، جعل التحليق فوق كل شيء ممكناً، تغيرت الأحاسيس.

 أستأذنتْ الدخول الى الغرفة لتغيير ملابسها وتأخرت بعض الوقت وخلال ذلك لم أغير من وضعية جلوسي. لا شعور عن أغواء. في هذه اللحظات لا أستطيع أن أكون سعيداً فقط ولا مضطرباً فقط. كنت في حالة نمو. من فينا أكبر أو أصغر من الآخر؟ سقطت هذه الحدود كحصون تتهاوى. هذه المقاييس ليست من طبيعة البشر بل إختراع طقوس وأقفاص. لا حدود لسعة القلب.

 كان من الواضح أنها من البراءة ما يجعل حتى التفكير بلمسها نوعاً من الأثم، جرأتها عند الخروج من الغرفة في ثياب منزلية موحية كانت تبدو فضيلة أكثر من كونها أغراءً.

 هل تتقاطع المبادئ مع السعادة؟ هناك بداية لكل ما يحدث الآن لكن تتبعها يشبه تتبع ضباب في الليل، لا شيء يحدث من العدم، جيان واثقة، كما أنا، أنها ستعطي شيئاً وبعض هذا العطاء سيبقى. شعرت ربما من دون تفكير أن لا شيء سيبقى من الرجل الذي عاش سنوات الحرب والعزلة والنفي، لكن كم سيدوم ذلك وكيف؟

– جيان، هل أنت متعبة؟

– قليلاً. وأنت؟

 لست أدري اذا كنت متعباً أم لا لكني كنت يقظاً. لماذا لا يأتي التوازن إلا عن طريق طويل في رفقة الموت أو الحب؟ جيان جالسة على الأريكة لا تكف عن النظر إليّ مما جعلني أفتقد للهواء والضوء والدم. كنا نتحاور بلا لغة. ماتت اللغة القديمة. صارت عاجزة. كنا في حالة اكتشاف وغوص ونعيش متعة الغوص والمخاطرة والبراءة. كنا نتبادل النمو. أنا أصغر وهي تكبر في لحظة أو العكس في لحظة أخرى. انهارت حدود العالم القديم وسقط الاختزال.

– هل ترغبين في فنجان قهوة؟

– شكراً اذا كان ذلك ممكناً.

 بعد القهوة مر النهار سريعاً، مر المساء أسرع، مرت الحرب، مرت القنبلة، كيف يمكن عبور القلق الى الحب؟

 تحويل الفضيلة الى متعة مقدسة؟ أنتظر بقلق قدوم شيء قد لا يقع. لماذا عندما هربت من الحرب صرت أبحث عن الحب؟

 خرجت جيان إلى الشرفة في الليل. كان حوض السباحة ًمشرقاً تحت الضوء. الأشجار ناعسة والهواء خفيف وكنت أصغي بصمت الى حفيف حضورها. في خلفية المشهد نباح كلب حراسة يعوي على قمر بعيد. كنت أريد حصتي من هذا الحضور. حين كانت جيان تتكئ على سور الشرفة، استدارت فجأة كما لو أنها استفاقت من حلم أو نوم عابر في حين كنت جاهزاً لقبول كل شيء.

 في البعيد كان الليل يبدو بسيطاً وأقرب الى الإحتفال والأشجار تنطرح فوق جدران الفيللاّت بطمأنينة وادعة في اللحظة نفسها التي مر فيها طائر قريب وصفق جناحيه. كانت أضواء المراعي مزروعة في قلب الليل الأفريقي تحت سماء فبراير الرمادية.

 عندما عادت من الشرفة كنت أجلس كما أنا مع أن عبارة كما أنا ليست دقيقة. تحدثنا في كل شيء رغم أن أحدنا لم يكن يجهل الآخر وكنت أشعر أننا نتواطأ خلف الصمت المتقطع لإخفاء ما نريد قوله. ماذا كنا نريد أن نقول في الحقيقة؟ من غير الممكن معرفة مدى حساسية جيان وماذا تفكر تلك اللحظة لكن من الواضح أنها كانت قد بدأت تستمتع بكل شيء بلا شهود غيرنا في تمرد متوهج محرق بين فرح الاحتفال السعيد وخطر الإحتمالات الخفية لطائر خرج تواً من العش ويحاول تعلم الطيران فوق حافة هاوية. لماذا يجب أن تكون هناك هاوية قبل القفز نحو حرية بسيطة؟

– سعيد من يموت وهو واثق من أنه حي حتى اللحظة الأخيرة.

قلت لها وكان جوابها متناغماً مع عباراتي:

– صحيح لكن لا تكتمل السعادة بالموت في هذه الحالة إلا اذا كنا واثقين مما نفعل.

قلت وكنت أشير الى حياة طويلة شاقة:

– جيان، وصلتِ متأخرة.

– أعرف لكن متى كان الناس يصلون الى مواعيدهم الكبرى في الوقت المحدد؟

بعد صمت وتأمل ونظرة طويلة إليّ، قالت بما يشبه الشرود:

– عندما رأيتك أول مرة شعرت أنني التقيت بك يوماً في مكان ما أو في حياة سابقة. هل تعرف هذا الإحساس؟

قلت مرتبكاً:

– ظاهرة غامضة محيرة وقديمة. اين التقينا سابقاً قبل قرون في نظرك؟

أجابت بكل جدية:

– في غابة على ساحل بحري منعزل وفي كوخ من الأعشاب.

 نظرتْ بتركيز الى كتاب فوق الطاولة المكسوة بمشمع زهور رقيقة منتشرة فوقها وعرفت أن جيان بدأت محاولة التعرف على المكان وفي الخروج البطيء من عالمها الداخلي.

قلت لها قبل أن تسأل:

– رواية “حماقات بروكلين” لبول أوستر.

– لم أقرأها. عن أي شيء تتحدث؟

قلت:

– تتحدث عن رجل يبحث عن مكان ليموت فيه كما في أول السطر.

– وفي آخر السطور؟

 حملتُ الكتاب وقرأتُ السطور الأخيرة دون أن أعرف تماماً ما الذي جعل الرجل ينتهي سعيداً وقد كان على أعتاب موت وشيك لمرض عصي: ” أما الآن فإن الساعة لم تتجاوز الثامنة، وبينما أمشي على طوال الجادة، تحت تلك السماء الزرقاء البراقة، أنا سعيد، يا أصدقائي، سعيد كأي إنسان عاش على الأرض”.

كانت جيان تصغي ليس للعبارات الأخيرة أكثر من الإصغاء لصوتي كما لو أنها تحاول تحاشي فكرة ممكنة أو هزيمة محتملة فقلت لها مطمئناً:

– لا تقلقي من شيء لأنني تصالحت مع الموت وليس مع الألم. لا يبدو أن القهوة أعجبتك؟

 قالت بشرود عبارة مبهمة:

– رغم زعمنا الدائم في الركض نحو الحقيقة غير أننا لا نتحمل اللقاء بها يوماً.

 قالتها وقد بدات فاتنة أكثر من أي وقت مضى. من زجاج الشرفة، كان الفجر يقترب كما لو أننا من فرط النشوة نسينا طلوع الفجر.

 كان المطر يضرب الشرفة وزهور الحدائق ترتعش تحت الريح وبرقت الفيللاّت بضوء داخلي ناعم وحط طائر فوق شجرة مواجهة للشرفة. تذكرت بلا توقع كيف أن طائر سنونو وقف فوق خشبة اعدام لجندي هارب أُعدم بسبب الهروب من الحرب في ذلك الصيف.

 عاد النشيد البوذي الى الذاكرة:

_” تحط الفراشات على صدور المنتصرين النائمين وعلى صدور القتلى المهزومين”.

 لا تكف ذاكرة المحارب عن الهطول في لحظات سعادة طارئة. تبزغ بين وقت وآخر كما لو أنها تواجه خطر الاقتلاع في مواجهة حرية بلا تكلف ولا شفقة في اللحظة التي لا نتوقع فيها قدوم أحد أو شيء.

– لا يمكن قول كل شيء مرة واحدة، جيان.

لا أدري كيف ولماذا قلت تلك العبارة، لكنها ردت بتأكيد سريع:

– مؤكد.

وأضافت:

– لن نستطيع تجنب بعض المخاطر مهما فعلنا.

– لا خيار لنا غير الاكتفاء بما هو موجود.

 هزت رأسها مؤيدة وانسدل شعرها على الوجه الطفولي الفتي الناعس البعيد عن الاغواء العابر والقريب من نشوة الأرض للمطر.

 قالت جيان بعد رشفة سريعة واحدة من القهوة إنها متعبة من الرحلة وتشعر بالنعاس وكنت أنا كذلك وربما أكثر ودخلت باب غرفتها مقابل غرفة أخرى وجلست على حافة السرير.

 قلت لها ضاحكاً:

– سأروي لك حكاية للأطفال قبل النوم.

 قبلت بسرور واضح لكني لم أتذكر أية حكاية ولم أشعر بشيء عدا بياض في داخلي وموسيقى الجدران والليل.

 تم كل شيء بلا هتاف ولا تحكم ولا نظام كما يحدث في الغابات البكر.

 

hamzaalhassan@hotmail.no