“لا تلعب معه” قصة قصيرة للكاتب المصري جمال زكي مقار

Gamal Makar

كان ماشيا عائدا من زيارة قريب مريض، مر في طريق عودته للبيت بخرابة (تربط فيها القرد يقطع1) هناك وجد رجلا في حالة يرثى لها، كان قاعدا على الأرض، تأمله وهو مقبل عليه، رأي علامات ضرب مبرح على وجهه، أثار ذلك الشفقة في نفسه، قال هامسا:

– مل عليه ربما استطاعت المساعدة في شيء يأخذ بيده.

اقترب منه أكثر، وجد شخصا إما إنه الشيطان أو قريب له من أقارب الدرجة الأولى، فانتفض مرتدا للخلف، لكنه بما استقر دائما في ضميره من قول ردده دائما لنفسه:

– لا تأخذ الناس من وجوهها، خذها بقلوبها.

أما في تلك الساعات التي يصيبه فيها اليأس منهم؛ فإنه كان يردد لنفسه:

– لا تأخذهم من وجوههم ولا قلوبهم، لأنك لست بأفضل منهم، خذهم من أقفيتهم، لكي لا ترى عيوبهم ولا يرون عيوبك.

هكذا قر عزما واقترب أكثر من الرجل الجالس على الأرض، وسأله:

– ما لك يا عم؟

قال له :

– ما تخليك في حالك أحسن.

– الناس للناس.

– يا جدع ابتعد عني وسبني في حالي؛ أنا الشيطان .

أمسكت به رعدة، لكنه تماسك متعجبا جدا، وقال متسائلا:

– أأنت سعادة جناب سمو الشيطان نفسه؟!

– نعم، أتراني كذابا أفاقا حتى أدعي ما ليس بي؟

همهم، وقال :

– صحيح معك كل الحق، يا سلام على الضمير الحي الذي تتمتع به الشياطين في أيامنا هذه خلافا لشياطين الزمن الماضي ولقواعد الشيطنة المرعية، هكذا يكون اللعب على المكشوف، أنت إذن الشيطان نفسه، لكن ما الذي دهاك حتى جربعت2 وبت من البؤس ورثة الحال بمكان؟ وما تلك الندوب والجروح التي تزين وجهك الجميل؟

– البشر أولاد الـ…….، أهناك غيرهم، كلما نزلت أعمل شغل، ذلك لأنني أعمل شيطانا باليومية، أجد مخلوقا بشريا لا يساوي قرشين خطف الشغلة مني، وعملها بإتقان تحسده عليه كبار الشياطين، أو تراني واقعا مع حاذق أريب له في أمور الشيطنة باع طويلة، يكشف لعبتي ويفسدها على، عندها يقوم المعلم بشطب يوميتي، هذا غير الضرب والعذاب اللذين يوقعهما بي.

– طيب؛ أعطني مثالا حيا .

– اسمع يا سيدي؛ سأخبرك بقصة على السريع، من شهر، كنت شغالا على امرأة رجل طيب، كرهتْ فيه الطيبة وحسن النية، الحقيقة بنت حلوة، حاجة تشبه المهلبية3 طراوة ولذاذة، رميت لها واحدا صاحبا لزوجها، لا يفترق عني كثيرا مظهرا ومخبرا، يعني شكله يقطع الخميرة من البيت، وصوّرته لها لتراه مثالا للرجولة التي تتمناها، ومن نظرة ثم ابتسامة إلى موعد ولقاء، وقعا بعدها في عشق مشبوب وغرقا في بحور العسل، ووسوسةٍ وراء وسوسة ثم وسوستين متتاليتين؛ لعبت بدماغيهما، وزينت لهما أن يقتلا الزوج فيخلو لهما الجو، عندها انسحبت في هدوء حتى لا أشيل ذنبهما.

همهم:

– يا للعبقرية ؛ إنك لتخدع حتى السماء نفسها، هكذا هي الشيطنة، ها، إكمل.

هزه المديح ( أو هكذا خيل لي ) ابتسم في فرح، وواصل:

– انتحيت بعيدا أرقبهما وهما يضعان خطة التخلص من المسكين، باستدراج الرجل الطيب بدعوى شراء قطعة أرض، ليأتي معهما في سيارة العاشق، والسير به في طريق تكثر فيه الزراعات والأشجار؛ ثم قتله والتخلص منه برمي جثته في مصرف من مصارف المياه، وقبل التنفيذ بساعات اشتغلت قريحة عشيق الزوجة، اكتشف اللعبة، وشتمني قائلا وهو يتميز غيظا :

– يا ابن الحرام، أسنلعب على بعض؟ تريد أن تُذهب بثلاثتنا في داهية، طيب طيب، سأشكوك إلى بعلزبول4 نفسه.

رجع للزوجة وأقنعها وقال لها:

– لِم القتل؟ سيكون ذلك غباوة منا، إن زوجك غطاء لأفعالنا، كما إن الرجل لم يعترض، ذلك غير حلاوة العشق المحرم وجنونه وطعم المغامرة فيه، يا ست سيبك من هذه اللعبة الخطرة.

بعدها اتصل بشيطان معرفته، واشتكاني عنده لكبير الشياطين، ضُربت حتى عميت من الضرب، وأخذت لفت نظر.

همهم مفكرا وهو يرآه ينظر إليه نظرة متوسلة كمن يبحث عن حل، قال يواسيه بلهجة أبوية :

– لا تبتأس ولا تحزن أخي الشيطان الصغير البائس، هناك خطآن في أسلوبك وفي آلية عملك.

– خطآن؟ كيف؟

– أنت تعلم جيدا أن ذهننا يقود أفعالنا.

– هذا ليس صحيحا تماما، الإنسان تقود غرائزه أفعاله من لحظة استيقاظه إلى منامه، تراه بعد أن ينهض؛ بذهب ليتخلص من أدران جسده، فإن لم يفعل يظل طوال يومه مأزوما، ثم يخرج للعمل مضطرا بحثا عما يقيم أوده إن كان فقيرا محتاجا لذلك، أو بحثا عن المال والثراء إن كان غنيا، ثم هو مدفوع بغرائز الجنس والأبوة والأمومة، يسعى لقضاء وتره، وهلم جرا، ومع ذلك ما دخل ذلك بمشكلتي؟

– أولا أنت لا تقرأ، يجب ان تقرأ لتتعرف على نماذج من أساطين الشر مثل: موفستوفيليس5 شيطان فاوست، وياجو شيطان عطيل، والسيدة الفاضلة ذات الدواهي.

قال متأففا ضجرا:

– أنا لا احب القراءة، أنا شيطان عملي.

– جميل جدا، دعك من القراءة، هناك ثقافة اخرى سائدة الآن، ثقافة المشاهدة،

أتشاهد أفلام؟

رد مرتبكا:

– أحب الأفلام العربي القديمة.

– آه، قلت لي، هنا يكمن الخطأ الكبير.

– وما الخطأ في ذلك؟

– أنت شغال على استايل عتيق عفا عنه الزمن والناس والتاريخ، استايل الميللو دراما الموجود في الأفلام العربي القديمة، مثل ( الأستاذة فاطمة ) ذلك لم يعد له نفع، يجب أن تجدد لتبدع، ابدأ في الفرجة على الأفلام الأمريكية، يا أخي؛ الأمريكان عملوا شغلا هائلا في السينما، أفلام عن الزومبي؛ وعن داركولا ، أقول لك: تفرج على ( Devil Advocate) لإل باتشينو، وانظر كيف تكون الشيطنة بأصولها المرعية، أظنهم يعلمون الشياطين أنفسهم ويسخرون منكم.

بدأ ينتبه، وقال له :

– وما الفرق بين هذا وذاك؟

أشاح بوجهه متعاظما متعالما متعاليا، وقال:

– أنت تبدو شيطانا غشيما لا تدرك إلا القشور من معنى الشر، خذ مثلا الفلم العربي (الأستاذة فاطمة) إنه يقوم بتصوير الشر من خلال حادثة شريرة يوقعها الأشرار برجل طيب غرير، مجرد موقف جزئي، بينما الطيبون كثر، أما فلم ( Devil Advocate) فيقدم الشر على إنه مفهوم؛ والشيطان بما هو مطلق يمسك بالعالم كله؛ ويدخله في صراع مع الخير المطلق، والأخيار قلة، هكذا تكون الشيطنة وإلا فلا.

مصمص بشفتيه متعجبا، وقال:

– تبدو ضليعا في الشر وعلى جانب من خبرة كبيرة بأبوابه السبعة، ومع إني لم أفهم شيئا من كلامك، لكني معك بإحساسي.

قال متأسفا:

– طبعا أنا خبرة شيطنة لكن بمفهوم السلب.

– بمعنى ؟

– بمعني أنني كنت دائما ألعب دور الضحية، حتى اكتفيت ركلا وخوازيق و….

قعد على الأرض يضحك، وقال له وهو يزوم كحيوان كاسر:

– أضحكتني يا جدع وأنا حزين، هكذا الواحد يستطيع أن يقوم ليعمل بمزاج رائق.

قام من مكانه، وقال :

– طيب، أروح وأحضر شنطة العدة؟

تعجب وتساءل:

– شنطة العدة؟ ! ماذا بها؟

ضحك ضحكة صفراء لعينة، وهمس:

– بها أقنعة من كل لون ؛ وأزياء من كل مذهب ومشرب، لأتمثل كيفما أريد، تراني مرة امرأة تتعهر؛ أو رجلا داعرا يفسق؛ أو أفاقا محتالا يزين للناس بضاعته المزيفة كأنها كنز مخبوء؛ أو طبيبا يوهم مرضاه بقدرته على شفائهم ثم يبدأ في مص دمائهم، باختصار الأدوار كثيرة، لكن العامل الثابت فيها جميعا هو أن أبدو جميلا براقا، أخطف الأبصار وأسحر الألباب وأمتلك القلوب.

فتح الرجل فمه من الدهشة، وود لو قال له ( يا ابن الحرام)

ثم سمعه يقول بصوت حلو عذب دوخ عقله:

– ممكن تخللي هذا الكيس معك.

تساءل متوجسا:

– كيس؟! ماذا به؟

– لا تخف هكذا وتبدو هرارا، كل ما هنالك بعض سندويتشات كانت الست أم أباليسو جهزتها لي.

– ممكن، ولم لا؟ الناس للشياطين كما إن الشياطين للناس.

أخذ الكيس منه، ووقف يتابعه وهو يمضي مبتعدا، ولم يدرِ لِم أمسك به جوع قارص لعب في معدته وعضه بنابه.

من بعيد وسوس له:

– افتح الكيس.

فتح الكيس؛ ولولا بقايا من حرص قديم تركته فيه التجارب المريرة أخذه إلى إلهام غامض جعله ينظر داخل الكيس قبل أن يمد يده، لما أبصر حزمة العقارب السوداء التي بصبصت بحماتها في الهواء ومن تحتها لفة من ثعابين تلوت وهي تفح وتنفث سمومها، أمسكت جسده رعشة جعلته يرمي الكيس ويندفع جريا، يصاحبه صوت ضحكة كلها سخرية، وصيحة مدوية تأتي من خلفه، ترن في الفضاء وتصم أذنيه:

– لا تلعب معي أبدا، أيها المغفل الكبير.

* تربط فيها القرد يقطع : مثل مصري يفيد شدة وحشة المكان ورهبته.

• جربعت : نسبة إلى حيوان الجربوع الذي يشبه الفأر، ويضرب به المثل على ضعة الحال والبؤس.

• المهلبية : نوع من الحلوي المصرية يشبه الجيلي مصنوع من نشا الذرة والماء والسكر واللبن

• بعلزبول : أو بعل القاذورات هو رئيس الشيطان بحسب الأناجيل وما ورد في التراث المسيحي.

• موفستوفيليس : الشيطان الذي عقد معه د. فاوست صفقة بحسب مسرحية الشاعر الأماني يوهان جوته

• ذات الدواهي : امرأة ورد خبر شرها وحكاياته الماتعة في ألف ليلة .

gamal_z_m@hotmail.com