“نبيذ أحمر” قصة قصيرة للكاتبة التونسية آمال مختار

Amel Mokhtar

ظللت متشبثة بقراري حتى تلك اللّحظة.

قراري أو قشّتي الواهية التي ستنقذني من الغرق في بحر يقول لون سمائه إنّه منطقة خصبة للعواصف والأعاصير.

قراري الذي نبت فيّ مثل نبوءة غير أنّه لا نبيّ في قومه …

الكل في عائلتي كان يساند قراري في تواطؤ الصمت أمّا عند لحظة الحسم فقد كنت وحيدة عزلاء مثل نبتة طرية في مهب الرّيح .

حاولت ثم حاولت ثم حاولت أن أمشي وراء حدسي الذي صرخ في أعماقي المتردّدة : ألاّ… صدّقت حدسي واتخذت قراري وكدت انتصر، نعم كدت أفلت من تحت المقصلة غير أنّه أمسك بتلابيب روحي في الثانية الأخيرة ، كانت لحظة فارقة ،غريبة ، خاطفة مثل شهاب ، سريالية مثل كابوس …

حاولت قبل ذلك بشتى السبل إرغام نفسي على بلع ما هو جيد فيه ـ هل كان فيه ماهو جيّد أم تهيأ لي ذلك؟ فلم أفلح .

اشتبهت عليّ الأمور وأنا أمشي مرتعشة على تلك المرحلة الأولى من عمري، مرحلة الهشاشة وانعدام التجربة فبدت لي منه الرجولة التي تأسر كل أنثى في مثل ظروفي تلك فوقعت في الفخّ .

مَن وضعه في طريقي ؟ أم هو قدري الذي تعثرت فيه ؟

كنت أقرب إلى الطفولة منه إلى الشباب لمّا غادرت قريتي الساحلية وتأشيرتي كانت معدل الامتياز في امتحان الباكالوريا ومنحة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي للدراسة في السربون في اختصاص الفرنسية .

أمّا دعوات أمّي وعائلتي فقد كانت بلا حساب ، فجعلتها تعويذتي لحمايتي من كل الشرر المترصّد بي أنا الشابة الجميلة التي ألقى بها التفوق بين براثن المغامرة وهي ما تزال روحا خاما لا تفقه من أسرار الحياة وعبثها شيئا !

كان زادي الوحيد حقيبة أحلامي وأحلام عائلتي بعد فشل أخي الأكبر في نيل شهادة الباكالوريا وانقطاعه عن التعليم وانصرافه إلى الانحراف باتمّ معنى الكلمة .

في تلك الحقيبة تكدست أحلامنا جميعا :أحلامي بنيل شهادة الدكتوراه والتدريس في السربون والعودة إلى أهلي متوجة باكليل التفوق الذي تعودت عليه منذ كنت تلميذة صغيرة بمدرسة قريتي . أحلام أمّي والمتمثلة في تشييد منزل فخم يكون ملكا لنا فنرتاح من كابوس الزيارة الشهرية لصاحب المنزل الذي يعتبر أنّه قد أغرقنا بطوفان جميله منذ سنين لأنّه لم يطردنا ليأتي بمؤجرين جدد لتلك الغرفة والصالة والتي يعتبرها منزلا، كما يعتبر أنّ من جمائله العديدة التي أثقلت كاهل والدي أنّه لم يرفّع الايجار ! أحلام أبي كانت بسيطة وطيبة وكريمة مثل شخصيته تماما وتتمثل في مساعدتي له على حمل العائلة الثقيل وخاصة مساعدة اختي وأخي الأصغر منّي سنا على مواصلة دراستهما والوقوف إلى جانبهما حتى لا يذهبا في طريق السوء كما فعل أخي حاتم .

أحلام أختي سامية التي تصغرني بسنتين لم تتجاوز ساعتئذ أحلام المراهقات من لباس والبعض من أدوات الزينة التي كنا نستعملها خلسة من الأهل والمسؤولين في المعاهد . أما أخي الأصغر عادل فقد كانت فرحته بالالعاب التي جئت بها إليه في أول عودة لي من الغربة بعد سنة من الغياب أجمل الأحلام التي تحققت له في حياته …

ما عدا أحلام النّجاح بإتمام الدراسة بتفوق هل كانت لدي أحلام أخرى ؟ لا أتذكر أحلاما واضحة بل قل إنّني لما كنت أغمض عينيّ في خلوتي في غفلة من الازدحام العائلي كنت أرى أشياء هلامية بلا ملامح غير أنّها كانت براقة ومشعّة مثل النجوم في سماء صافية السواد ، ولها رائحة مثل رائحة البحر ورائحة كتب فلوبير وفيكتور هيغو وبدلير والثورة الفرنسية وثورة شباب 1968 التي كنت ألتهمها على شاطئ البحر في قريتي الصغيرة من ولاية المهدية ، بل إنّ رائحتها تماما مثل رائحة عشق بونابرت لحبيبته جوزفين: رائحة اللقاءات الرومانسية بينهما والنبيذ المعتّق اللذان كانا يشربانه على نخب عشقهما المجنون .لعلّني عشقت بونابارت في لاوعي وخلسة عنّي تمثلت نفسي جوزفين …لكن أين أنا من جوزفين وأين هو من بونابرت …!!!

أضحك الآن حتى أشرق في مرارة ضحكي …أي قدر عجيب جعلني أتعثر فأسقط في أحضانه المشعّة بدفء تعبق منه رائحة عربية مثل رائحة القهوة المغلاة في ززوة *على جمر هادئ …في بلاد البرد والقهوة المقطّرة بدت رائحة تلك الأحضان فريدة ولا مثيل لها في العالم بأسره بل كان يكفيني في ذلك الزمن الذي يبدو لي الآن سحيقا ـ أنّ تلك الرائحة كانت تثير حنيني إلى دفء أمّي ووطني وشمسهما التي غابت عنّي وراء البحار.

لم أخطط قط لأي شيء في حياتي . ولم أكن أنتظر من عشقي للأداب الفرنسية شيئا سوى متعتي الخرافية خلال تلك اللّحظات التي تجنّح فيها روحي وتطير خفيفة مثل ريشة في سماء تركوازية كلون البحر في قريتي .

– نجاح …نجاح …ستكتبين إليّ رسائل عندما تسافرين إلى فرنسا ؟

انتبهت على صوت أختي سامية . هززت رأسي مجيبة بنعم بينما لم يكن في ذهني سوى تلك الزرقة التركوازية المنعشة وتلك الخفّة التي تحلق بروحي في الأعالي النقية . ما لم أكن أدركه ساعتئذ أنّ تلك الومضات ـ والتي ستشعّ في ذاكرتي بعد ذلك مثل برق كلّما بلغت حدود الاختناق ـ الهاربة من رتابة الحياة كانت قطفة من ثمار السعادة التي عنّ للحياة أن تجود بها في غفلة من وعيّ لذلك لم أتلذذ بها كما كان يجب أن أفعل …يحز في نفسي الآن أنّني لم أتلمظها جيدا ولم أقتّرها حتى الثمالة . لم يكن لدي من الوعي لأحدس أنّ تلك اللّحظات لن تتكرّر وأنّها ستكون فارقة في حياتي تماما مثل تلك التي اتخذت فيها قراري بعد أربع سنوات لأهرب من الدوامة التي ستجرفني إلى رحاها وتلتهمني …

لست أدري كيف تركته خلال تلك السنوات الأربع التي كنت فيها مثل العجين الذي تصنع منه أمّي الخبز، كيف تركته يشكّل شخصيتي ويرسم مسار حياتي ليَهوي على شجرة أحلامي بفأس أنانيته فيقطعها ، جفّت الشجرة الخضراء وباتت أغصانها حطبا بنيّا لا يصلح إلاّ لإيقاد نيران الحقد أمّا الجذع فقد تيبّست جذوره وظلّ مغروسا في أرضي الجرداء مثل ساق بُترت في الحرب.

لست أدري أي ضعف جعلني أسمح لهوسه المرضي أن يكبّل روحي بقيد الخوف الذي أدماها لتظل تنزف طوال عمر بحاله فلم أقدر لا على كسره والانعتاق منه ولا على الاستسلام والخضوع لجنون عقده وقبح أعماقه السوداء والقذرة مثل حاوية القمامة .

لمَ …لم؟؟؟؟

أتطلّع إلى المرآة فأرى وجهي وقد تحوّل بياضه إلى سواد ! لكأنّه ألبس جمالي قناع قبحه ، لكأنّه تعمّد بل إنّه تعمّد وخطّط لإطفاء شموع الأمل في أعماقي فآسودت بشرتي وآنطفأ بريق الضوء في عينيّ .

تهاوى تفوقي وعنفواني وصرح جمالي الذي تغنى به الجميع منذ كنت طفلة مثل ناطحة سحاب هزّها زلزال حقده وعقد نفسه المريضة .

مررتُ أصابعي على وجهي الذابل كوردة ذاوية ، بدت عينايا أصغر قليلا وقد أحاطت بهما هالة بنفسجية تروي عذاب سنوات القهر التي عشتها خانعة ، أنا المرأة الجامعية ، أستاذة الأداب الفرنسية المتخرجة من السربون والتى رضيَت ذات لحظة خوف أن تتراجع عن قرارها ليقع اغتيال طموحها فينتهي بها الأمر هنا عارية أمام هذه المرآة التي رفضت أن تكذب عليها هذه المرّة ،أم أنّها تلك المرأة المسجونة داخل رعبها منذ سنوات هي التي تمرّدت و قرّرت أن تستمع إلى حديث المرآة ؟

تواصل أصابعي رحلة التلمّس : هذا أنفي الواقف مثل أنفي أبي الشامخ ،أنفي الذي كان يمنحني المزيد من الثقة في نفسي ها قد انكسر…لكأنّه عُقف عند ذؤابته ! وشفتاي الورديتان ازرقتا وانكمش سطحهما الرقيق مثل جلد الفيل !

أجذب خديَ إلى أعلى . أسحب التجاعيد التي تراكمت بفعل قهر السنوات وفشلي في تحقيق ذاتي نحو فروة شعري ، لن أستطيع أن أنفخ في جذوة شبابي التي انطفأت حتى لو قمت بعشرات عمليات التجميل .لم أتجاوز منتصف الاربعينات بينما أبدو قد اقتربت من الستين !

يا لهول ما أرى!

كبرت والله كبرت !

كيف مشيت كل هذه المسافة في أرض الشيخوخة دون أن أنتبه للأمر ؟ ألم أكن أنظر إلى المرآة قط ؟ أم كنت أنظر ولا أرى !!

الأكيد أنّني لم أكبر وأتقدم نحو هذه الشيخوخة خطوة خطوة مثل كل البشر، بل إنّني سقطت فيها تماما عند تلك اللّحظة التي تخلّيت فيها عن قراري …

بعد محاولات دامت لأشهر وبعد أن تأكد سعد أنّني لن أعود عن قراري وبعد أن أحاط به صمت العائلة المتواطئ ، طلب فرصة أخيرة للحديث معي على انفراد لدقيقة واحدة ،” دقيقة واحدة لا أكثر ولا أقل ” هكذا قال .تبادل الجميع النظرات الغريبة المتسائلة عماذا سيقوله لي ليدفعني للتراجع عن قراري …

استخفيت بالأمر ساعتئذ فوافقت غير أنّني لم أكن أدري أنّني في تلك اللّحظة ضغطت على زر ساعة الرمل لتبدأ عملية تسريب الزمن حبّة حبّة ليتطاير معها عمري هباء مثل ذرات الغبار في العدم .

كنت أمشي على أرض الشباب الهشّة ، تتقاذفني هواجس الخوف من المجهول ، من فرنسا ، من الناس في القرية وأقاويلهم التي تكبر مثل كرة الثلج .

صورة أبي وهو يفتخر بي في مقهى القرية بين أصدقائه البحارة لم تكن لتفارقني في لياليّ الباردة. صوت أمّي وهي تتحدث بوجهها المشرق عن ابنتها نجاح التي تساويها بألف رجل في شهامتها وتربيتها العالية ، ظل يرنّ في رأسي طوال كل تلك السنوات الأربع التي قضيتها في بلاد الجن والملائكة كما قال الحكيم *.

كنت مثل عصفور صغير يحلم بالطيران في سماء تركوازية صافية بينما كان والداي يتنظراني أن أظل ملائكة كما ربياني طفلة ، في حين كان أهل قريتي ينتظرون بشماتة أن تتحول الصبيّة البريئة إلى جنّ بما أنّها قبلت بالسفر إلى بلاد الغرب ، بلاد الجن .أما هو فقد خطّط منذ أن رآني لأوّل مرّة أن يصيبني بالجنون .

وها قد نجح …!

إذ بتّ أفكّر في التخلّص من حياتي بشتى الطرق . فكرت في كل الاساليب الكلاسكية للانتحار ثم عدلت عنها بعد أن راقت لي فكرة الانتحار البطيء التي شاهدت طبيبا يتحدث عنها في اعلان تلفزي لمكافحة الادمان عن التدخين . أعجبتني فكرة البطء التي فيها من العذاب ما يكفي لعقابي حتى الموت بسرطان الرئة أو الحنجرة لتخاذلي واستهتاري بنفسي ومستقبلي الذي حطمته على أرضية الخوف والجبن .فأدمنت التدخين لتصبح السيجارة رفيقة دربي إلى الموت وصديقتي الوحيدة التي لا تخون.

ماذا قال لي حتى أخافني وأرعبني ؟

سألني جميع أفراد عائلتي ماذا قال لك خلال هذه الدقيقة لتتراجعي عن قرارك؟

ماذا قال لي ؟

لست أدري …أتذكّر كل شيء بالتفصيل إلا ما قاله خلال تلك الدقيقة فقد مُسح من ذاكرتي .

سمحت له أن يضع خاتم الخطوبة طوقا حول روحي لخنقها منذ أن طأطأت الرأس وأشرت بالموافقة …

وافقت ؟؟ على ماذا بالضبط ؟

وافقت على الانقطاع عن الدراسة وعدم اتمام بقية المراحل لنيل الدكتوراه .

وافقت على العودة إلى قريتي والغاء فكرة العمل والتفرغ لتأسيس عائلة وانجاب أطفال أربيهم بثقافتي العالية فأساهم بتقديم مواطنين صالحين لخدمة الوطن .

كذلك كان يزين لي الحياة الجميلة والبسيطة والهادئة في القرية بعيدا عن عذابات الغربة والوحدة في باريس .بعيدا عن السفرات اليومية في المتروهات بين الجامعة وحي السكن الطلابي التونسي .

كان يهمس لي في اللّحظات الحميمة :” ماذا ستساوي الدكتوراه وثمنها سنوات أخرى من التضحية والشباب الضائع أمام تمتعك باحساس الأمومة ودفء العائلة ؟ أنا هنا إلى جانبك على الدوام ، سندك الذي لن يتخلى عنك ، وهل يقدر الانسان على التخلي عن روحه ؟…”

يتسرّب همسه إلى أعماقي مثل البلسم الذي يهدّئ من وجع الحيرة في الاختيار بين أحلامي التي توضحت بعد أربع سنوات من الغربة في باريس وبين حلاوة العيش في القرية معه ومع الابناء الذين سيجئ بهم الزواج .

حلاوة العيش في القرية مثل أمّي وأمّه اللّتان كافحتا طويلا بطريقتهما من أجل تعليمنا ونجاحنا .

هل درست طوال هذه السنوات وتعبت وتحمّلت البرد والسّهر للعمل في مطعم أغسل الكؤوس والصحون في الجزء الأول من الليل وللدراسة في الجزء الثاني منه حتى الفجر لأعود إلى القرية وأتزوج سعد الجربي ابن العطار* في قريتنا وأنجب أطفالا أهتم بهم وأربيهم ؟؟

لماذا سافرت إذن ؟

هل كان ذلك حبكة من القدر العجيب لأتعثر ذات صدفة في محطة السكن الجامعي بسعد جارنا الذي أسمع عنه وعن تفوقه في الدراسة .لا أكاد أجمّع ملامح وجهه غندئذ فأنا لم أقابله قطّ ، ربّما لمحته من بعيد ذات مرّة في السوق الأسبوعية …أما هو فقد كان يعرفني جيدا وعندما ناداني باسمي في المحطة في ذلك الصباح البارد بينما كانت ندف الثلج تتهاطل على هاماتنا اعتراني احساس بأنّ لقاءنا ذلك لم يكن صدفة كما أقنعني بل إنّه خطط له كما خطّط لكل شيء بعد ذلك .

كنت لم أزل حتى ذلك الصباح نجاح الفتاة الجميلة ، الهادئة ، الحالمة ، الطموحة لأتحوّل شيئا فشيء خلال تلك السنوات الأربع إلى فتاة مخدّرة بحلو كلامه وسحر أحلامه وقدرته على تسهيل الأمور وتبسيط المشاكل وحلّها بسرعة فائقة تأسرني إلي شخصيته أما شكله فلم يكن من النوع الذي يروق لي البتّة .

كان قصير القامة ، سمينا، ذا بشرة بيضاء تشعّ بحمرة من خديه . أما لون عينيه فلم أقدر طوال هذه السنوات على تحديد لونهما ولعلني أجزم أن لون عينيه يتبدل كالحرباء حسب المواقف التي يعيشها والشخصيات التي يتقمصها.

الشخصية الأولى التي تقمصها معي لما تقدّم نحوي بثبات العارف والمجرّب هي شخصية ابن الوطن الذي يصبح في بلاد الغربة أقرب إليك من أي أحد، ثمّ إنّه ابن القرية والجار الذي يعرف العائلة ،على هذا البساط من الطمأنينة اقترب منيّ فسهّل حياتي هناك انا التي ما زلت في شهر غربتي الأول لا أفقه من نظام الحياة الطلابية في باريس شيئا . هو كان يكبرني بخمس سنوات ،وكان بصدد اعداد المرحلة الثالثة في اختصاص العلوم السياسية لما كنت في سنتي الأولى .كانت شخصيته متفتحة على الجميع ،وكان بارعا في ربط العلاقات وفي تقديم الخدمات . كان ينشط في خلايا حزب التجمع الديمقراطي وكان يخطط لمستقبل سياسي في تونس وقد نجح .

ساعدني في كل المهمات التي كانت تبدو لي صعبة بل مستحيلة مثل استخراج الوثائق والعثور على عمل لتحصيل بعض المال لأن المنحة لم تكن كافية للحياة هناك كما لم يكن في استطاعة والدي مساعدتي .سحرني بشخصيته حتى بتّ أتحدث مثله بل وبتّ بخيلة مثله أحسب للمال ألف حساب كذلك لاحظ أهلي هذه التغيرات في شخصيتي لما عدت إلى القرية في أول صيف بعد انقضاء سنتي الأولى …

اقترن اسمي باسمه دون طلب ولا موافقة وباتت رفقتنا لبعضنا البعض في السكن الطالبي أشهر من نار على علم وبتنا في عداد المخطوبين عند الجميع .كان هو مزهوا بذلك أما أنا فإنّني مع الأيام أصبحت أرى عن قرب ما لا يراه الآخرون .

رأيت فيه الوجه القبيح الذي يجمله بعسل الكلام أمام الجميع ، رأيت فيه التخلّف والعقليىة الذكورية التي تسمح للرجل ما لا تسمح به للمرأة . في الحفلات التي كان يشرف على تنطيمها كان يأمرني بأن لا أشرب الكحول وأن أتظاهر بأنني لا أحب ذلك .أما مصادقة طلبة ذكور غيره فذاك كان أمرا مستحيلا أدركته دون أن يفصح عنه . وكيف أجرؤ وهو حاضر في كل مكان حتي بالغياب فهو موجود من خلال الحديث عنه .

تلبّس بي ولم يترك لي فرص استرجاع النفس للخلو بنفسي والتأمل في ما أفعل . كنت خلال تلك السنوات مثل رياضي سباقات المشي الطويلة ، تمشي دون توقف وهدفك الفوز فقط .

عدنا إلى تونس معا في أوّل عطلة لي .استقبلتني عائلتي في مطار المنستير ، وقدمته لهم وكانوا على علم بمساعدته لي عبر الرسائل التي كنت أكتبها إلى أختي سامية .

ولن أنسى ما حييت تلك الخيبة التي رأيتها في أعينهم جميعا . تخيلت المشهد الذي كان أمامهم: أنا ممشوقة القوام بشعري الأسود الحريري الطويل ووجهي ببياض الحليب وعينايا الكبيرتان السودوان وحاجبايا المرسومان كسيف وابتسامتي التي يتغزل بها الجميع وهو إلى جانبي أقصر مني بقميصه المورد الذي يكاد ينفلق عند البطن وسرواله الذي يبدو أكبر منه ووجهه الذي ازداد احمرارا مع توهّج اللقاء .لم يكن بيننا أي تناسق ولا أي انسجام …

انتابني وجع لما رأيت تلك الخيبة في نظراتهم التي سرعان ما غطتها أمّي بثرثرة ومجاملات الاستقبال .

رحّب به أهلي وهم يعرفونه لمَاما لمّا كان تلميذا بالقرية وشكرنه على مساعدته لي في بلاد الغربة مجاملة .ولم ينته الصيف والعطلة حتي باتوا جميعا يحبونه مثل فرد من العائلة وقد وقعوا تحت وطأة سحره .

أتممت بقية السنوات على نفس المنوال بين مارطون الدراسة والعمل وتحت حراسته المشددة إلى أن تخرّجت بتفوق ،كان الأصدقاء والأساتذة يشجعونني على المواصلة أما هو فقد زين لي الحياة في تونس مثل جنّة ،أما حدسي فقد كان يحدثني بغير ذلك .

طلبت منه أن ينقطع عن زيارتنا في منزلنا خلال العطلة التي تلت تخرّجي لأتأمل الأمر واتخذ قراري النهائي .كان يكره الابتعاد عنّي بل كان يخاف من ذلك لأنه كان يدرك جيدا في أعماقه أنّني لا أحبه ولن أحبه …

تلك كانت الحقيقة التي يعرفها كلانا في صمته وفي العلن كنّا نكذب على بعضنا البعض . أنا اشتبه علىّ الأمر فلم اقدر على الفصل بين الاعتراف بجميل المساعدة وبين المشاعر وهو كان يخطط للزواج بي مهما كان لأنّه عشقني .

هل عشقني حقا ؟؟؟

ربّما …عشقني حتى بات عشقه حبلا خانقا حول رقبتي غير أنّني لم أكن أرى في طريقة عشقه إلا نوعا من الإنتقام …نعم الانتقام المرضي ليس منّي شخصيا بقدر ما هو من المرأة الجميلة والذكية تحديدا .

كنت أرى الشرر في عينيه وهو يحاول اخفاءه تحت ضلال ابتسامة مزيفة كلّما نلت شهادة أو اعجابا ما بذكائي في دراستي بل حتى في عملي في المطعم الذي انتهي بأن أقنعني بالانقطاع عنه في السنة الأخيرة بعد أن أتمّ هو دكتوراه وتفرّغ للعمل هنا وهناك ومساعدتي على مصاريفي ،وأمام رفضي قبول ذلك أقنعني بأن ذلك سيكون دينا أرده عندما أتخرّج وأعمل .

انتهت فترة تفكيري التي التزم خلالها بعدم الزيارة واتخذت قراري برفض الارتباط به .

جنّ جنونه وفقد السيطرة على نفسه لما أعلمته بالقرار الذي نزل عليه كالصاعقة .خرج عن طوره ورأيت لأول مرّة وجهه القبيح وكمية السواد الآسنة في أعماقه الملوثة بكل أنواع العقد .

شتمني وعيّرني بكل ما قدمه لي من مساعدات وقال لي كلمته الشهيرة التي ظل يردّدها بعد ذلك لأكثر من عشرين سنة كلّما تخاصمنا :”لولاي لما كنت أنت كما أنت “.

لحظة عرائه تلك جعلتني أتشبث بقراري ولم تنفع كل محاولاته خلال أشهر والتي سيطر خلالها على غضبه وعاد فيه إلى أقنعته المتعددة وشخصياته التي يجيد تقمصها إلى أن كانت تلك اللحظة التي طلب الاختلاء بي لدقيقة واحدة …

مرست عقب السيجارة بتشف في المنفضة التي امتلأت بأعقاب السجائر كما امتلأت غرفة الاستحمام بسحابة من الدخان .

فتحت النافذة .كان ضوء الصباح قد بدأ يتسلل ليبدد عتمة الليلة الطويلة التي قضيتها هناك دون أن أنتبه وقد دخلت بنية الأستحمام . فتحت ماء الدش ووقفت تحته أفرك جسدي الملوث بأدران سنوات من الخنوع والاغتصاب الليلي لرجل كان يبدو لي وهو فوقي مثل وزغة تسحل على جدار بارد مثل الصقيع .أشتهي خلال تلك اللّحظات أن أمرسها تحت قدمي وأمضي سعيدة بجريمتي ضد حقوق الحيوانات .

تنشفت ، ارتديت دجينز وجاكيت أسود .وضعت شالا أحمر حول رقبتي .كحلت عينيّ وصبغت شفتيّ بالأحمر الفاقع الذي منعني طوال عمري منه .تعطرت .قصدت غرف ابنائي من الاغتصاب الحلال غرفة، غرفة: ماهر ابني البكر سنة أولى اقتصاد وتصرف، رشا ستجتاز امتحان الباكالوريا لهذه السنة، رباب وتصغر أختها بسنة وهي بالسنة الأخيرة قبل الباكالوريا .قبلتهم وهم نياما وتركت ورقة على مكتب ماهر أطلب فيها الغفران وغادرت .تركت كل شيء القصر الفخم الذي بناه دون أن أساهم فيه حتي بابداء الرأي.الأثاث الفخم الذي لم أختره .والدته التي جاء بها للعيش معنا منذ السنة الأولى التي تزوجنا فيها لتكون هي سيّدة المنزل الفعليّة . كل الذهب الذي اشتراه لي لأرتديه وأفتخر به باعتباري زوجته .لم أحمل معي سوي حقيبة يدي بها أوراق عليها بعض الأشعار التي كنت كتبتها خلسة في لحظات انهياري وشهادة تخرحي وجواز سفري الذي سرقته من خزانته وجددته وتدبرت أمر التأشيرة مع صديقة لي خلسة .

وقفت سيارة التاكسي أمام مطار المنستير … أحسست بقلبي يدق مثل مراهقة ذاهبة إلى موعدها الأوّل.ختمت عاملة الديوانة الجواز وقدمته لي مبتسة قائلة:

” رحلة موفقة ” .

في الطائرة أحسست بنفسي أحلق مثل عصفور في سماء تركوازية صافية .فتحت أوراق أشعاري السرّية ففاحت رائحة عشق بونابرت وجوزفين عابقة ومعتّقة .سألتني المضيّفة ماذا أشرب فقلت :” نبيذا أحمرا”.

amel4464@yahoo.fr