“مصائر” وقصائد أخرى للشاعر العراقي باسم الأنصار

Basem Al Ansar

مصائر

 

حينما كانا طفلين، تمشيّا في أزقة الرغبة وهما يحملان طائراتٍ ورقية على هيئة بلابل كبيرة. وحينما كبرا، خرج الأول من فم الوطن مثل بلبل يبحث عن عشٍ يقع فوق شجرة يستطيع من على قمتها النظر الى البوهيميين وهم يتحدثون عن مصير الانسان. بينما دخل الثاني كهف الماضي وهو ينشد أغنيةً عن الله.

ولكن المفارقة التي حدثت، هي أنّ الأول صار كلمةً في ذاكرة التأريخ، بينما ظلّ الثاني ينشد أغنيته عن الله الى أن اختفى تماماً، ولم يعد أحدٌ يسمع عنه شيئاً.

قطار

عندما كنتُ أنتظرُ مجيئ الغائب على متن القطار من البعيد، رأيتُ الخريفَ جالساً بالقرب مني.

وعندما أتى القطار المُنتَظر، ارتسمت ملامح الفرح على وجهي. غير أنني أُصبتُ بالدهشة حينما توقف القطار. ذلك لأنه كان خالياً من كلّ شيء إلاّ من الغبار!

طاووس

هذا الطاووس الذي هرب من سفينة نوح، راح يجرح كل يوم دجاجتي التي كانت تبيض لي بيوضاً من النار. هذه البيوض كانت زادي المفضل، كلما ركضت الكلاب خلف الأموات الراغبين في زيارة منزلي،

في الليالي التي تشرق فيها الشمس. تلك الشمس التي كانت حينما تتدفق من أفواهنا، تختبئ القبائل في الملاجئ كالجرذان.

الزقاق الجديد

في الزقاق الجديد!

الأطفال يرسمون على الجدران أحلامهم،

وحبات الفجر تنهمرُ عليها بمرح.

في الزقاق الجديد!

الرجال يشربون كؤوس الحياة بلذّة،

والنساء يتمايلن على أنغام الحرية بفرح.

في الزقاق الجديد!

كانت هناك موسيقى قديمة تنبعثُ من نافذة هرمة،

كان يجلس بالقرب منها عجوزٌ وحيد،

ينظر الى الزقاق بنظراتٍ حزينة،

حزينة جداً.

رحلة

لم أرحل الى المنفى هرباً من حروب البلاد الكثيرة،

أو من حاضرها الأسود،

أو حتى من مشهد زمنها المخنوق بأكفّ الطغاة.

كل ما أردته من رحلتي،

هو امساك الرؤى الجديدة قبل الآخرين.

دمية الغريبة

كانت الشمس تمسّد الساحة بكفّها،

وكان الأطفال يركضون مع الكلاب خلف الحكايات!

كانت البلابل تولدُ من النافورات،

وكانت الفتيات يعرضن شموسهنّ الى الفتيان.

كان البهلوان يذرف الدموع في الساحة،

وكان الجمهور يجمعها في الحقائب ببلاهة.

كانت التماثيل تُشير مبتسمةً بأيديها الى العاصفة،

وكان المارة يضعون القرابين تحت أقدامها.

كنتُ أرى الغريبة تجلس في الساحة أمامي،

وكنتُ أراها تحمل في أحضانها دميةً تشبهني جداً.

فتوحات

أفتح صدري،

فيخرج منه نهرٌ تركض فوقه الخيول!

أفتح عينيّ،

فيخرج منهما دربان ترابيان يؤديان الى المقبرة!

وأخيراً، أفتح قلبي،

فتخرج منه غربة الانسان الأول!

 

شاعر وكاتب عراقي مقيم في الدنمارك

basimalansar28@hotmail.com