الطريق القويم” فصل من رواية “الجثمان الحي” للكاتب العراقي حازم كمال الدين”

Hazim Kamaledin

قضيتُ الليالي كلها بحثا عن المعايشة. وحيثما وجدت رجلا كبّلته بين ساقي والسرير. ارتدتُ منطقة البحارة، الطاحونة الحمراء، بارك مدينة أنتوربن الشهير وسفحتُ جسدي هناك على كلّ مذبح.

أعددتُ نفسي بشكل جيد للغرق، أو الاستغراق، فحملت فتنتي على شفتيّ ولهفتي على لساني وناري المبلّلة بين ساقي. وما إن اقترب رجل مني حتّى أشرعتُ الكلام الناعم، والملامسة الرقيقة، والزفير الهامس.

كنت في الأشهر الأولى حين آسر الرجال، أغور إلى أعماقهم تنقيبا عن صديقتي التي لاقت مصيرا أسود، دليلي ما بين الفخذين. مجسّاتي تدبّ بحثا عن عوالمها وكأنّني أود استعادتها من الموت عبر أعماق الرجال، فأكتشف أنّ أعماقهم كيانات رجراجة في جسد قابل لأن يتكسّر ومشاعر تهطل ما أن تبدأ هزّات اللّذة.

وفي الأشهر التالية طوّرت استقصاءاتي بطريقة معاكسة. تركت الرجال يغورون إلى أعماقي المؤلفة من فجوات منحوتة من لدن ومن انتفاضة رياح ومن عوالم محدّدة الملامح تتمحور على ذكرى صديقة قتيلة وعلى افتقاد اسمه الفرح وتخمة اسمها العزلة وجنّة اسمها همّ الكتابة. بينما أنا أتأمّل كيف يخلق الرجل فيّ اللذة وانعكاس ذلك الخلق على دواخلي.

مع ذلك، حين كان الرجل يحطّ في أعماقي لم يكن يجد سوى سطح الأعماق الخارجي فقط! كيف أصوّر ذلك؟

أقصد أنّه حين يصل إلى المشارف تطالعه تعاريج وكهوف ليس فيها سوى فجوات وكوى وتكوينات تكتفي بعرض قشرتها الخارجية فقط. أعماق آسرة مغلّفة. الغلاف الخارجي للأعماق هو الذي كان يتوصل إليه الزبون لا ما يعتمل حقا من أحاسيس ورغبات.

قناع الأعماق.

هكذا أحبّ أن أسمّيه.

وعندما انتهت مرحلة سطح الأعماق، أو القناع الخارجي، وتآكلت أغلفة الفجوات والكوى شبّت جبال اللّذة والارتواء. وفي أتون الشهوات نسيت الزنجي الأشقر واللبؤة السمراء، ووجدت نفسي في دروب الكتابة عن فن الهوى:

اللقاء الحميم لذّة مذهلة. واللقاء الحميم إحباط كئيب. إذا أجاد الرجل استخدام سلاحه في رياح الوغى فسيكون اللقاء الحميم مناسبة عظيمة. أمّا إذا كان الرجل أميّا في فنون الفراش فتلك هوّة الإحباط فيه. السواد الأعظم من الرجال أميّون في ممارسة الحب. وأميّتهم لا علاقة لها بافتقاد الموهبة، بقدر ما هي مؤشر على بدائية الوعي لهذا الفن، والانخداع بأنّ الحب والعشق أمران يكفلان تحقيق جماليات الفراش.

هذا هراء طبعا.

فمن واجب الرجل أن يتعلّم أصول الممارسة الحميمة، تماما كما يتوجّب على كاتبة قصة تعلّم الارتقاء بالخبرة الحياتية إلى مستوى الإنتاج الإبداعي. لا توجد امرأة عاجزة عن تدبيج قصة. بيد أنّ الكاتبة أو الراوية قادرة على إمتاع المتلقي أكثر من تلك التي تجهل طرائق القص ومراجعه.

كذلك الأمر مع فن الهوى.

لابدّ أن يتعلّمه الرجل؛ وبعكس ذلك فسيكون حاله مثل كاتب الرواية الرديء. أكتب هذا دون أن أنكر لقاءاتي برجال ذوي ثقافة فراشية سامية.. بيد إنّني أقولها مرة أخرى:

“إنّهم نادرون!”

لكن دعيني أعترف أيضا بأنّ المستوى الثقافي الشخصي ليس شرطا حتميا للوصول إلى ذلك المستوى الرفيع. أفكّر الآن باللبؤة السمراء، وأرى أنّها كانت موهبة مكتفية بذاتها. فاللبؤة السمراء لم تكن بحاجة إلى ثقافة، لأنّها ولدت وولدت معها الموهبة.

أمّا أنا فعلى العكس. لقد احتجت إلى الدراسة والتعلّم والتثقف، عبر المحاكاة والقراءة والتحليل وتراكم الخبرة. والجانب التراكمي لا يقتصر على لقاء الزبائن. بل وتعضّده دخول الورشات المتخصّصة.

في واحدة من الورشات التخصصية تلك حصلت على درس ثمين من مرشدة تقدّم بها السن. مفاد الدرس هو أنّ ثقافة الزبون الفحل هي الأساس في المتعة، لا شكله الخارجي ولا طلعته البهيّة ولا عضلاته ولا حتّى أخمصه الطويل. في حين أنّ الشكل الخارجي كان عندي وهما طالما اتكأت عليه قبل تلك الورشة.

أعتقد يا عزيزتي بأنّ تبادل المعارف مع الحكيمات يعيد تشكيل الوعي. فبعد الورشة عادني زبون طبعه القدوم والمغادرة الصامتة بإيقاع غريب؛ إيقاع رجل في مهمة روتينية أو تجارية.

ما أن فتحت له الباب حتى أحاطتني نسمة من الإحباط من لقاءاتي الفائتة معه التي لم أكن أشعر فيها بما يدعو للاستثارة. وعندما شرع في خلع ملابسه ساد شعور بأنّه متعجرف غير راض، بسبب عدم إبدائه أيّ ملاحظة ولسلوكه “البروتوكولي”. لكنّي تنبّهت، بعد أن اقترب مني عاريا، أنّه اعتاد أن يطلب موعدا مسبقا وبكياسة راقية، وأنّه كان يأتي ويغادر في الزمان والمكان المحددين، وأنّ لقاءاتنا لا تشوبها التعليمات والاشتراطات المسبقة. وتذكّرت أنّه يكظم انفعالاته حين يقترب من تخوم الشهوة متفرّدا بذلك عن معظم الزبائن. أعني أنّه لا يتقافز أو يتأوه أو يصرخ أو يطلق كلمات بذيئة. بل كان يغذّ السير راسخ الخطو نحو المهمة الحاسمة. وانتبهت إلى أنّه لم يُبدِ أيّ تعليق في قضية “الكوندوم”، وأنّه كان يلاعب وردتي باصبعه ويجول حتى الأعماق، في حين أنّ زيارات الأصابع أمر لم أسمح به من قبل، بسبب البكتيريا وغيرها. كما تذكّرت كيف انتابني شعور مبهم منعني من اعتراض اصبعه. ولم أفهم أنّ شعوري كان في محلّه إلاّ في لقاء ما بعد الورشة. يومها أحسست أنّ الرجل خبير في إدارة الأصابع.

تذكرت كل ذلك وأنا أستغرق في النظر إلى نخلة اللحم ولحائها الجلدي وعانتها المنزّهة عن الشعر والرائحة. لقد شعرت وكأنّي أرى ما أرى للمرة الأولى. قبّلت النخلة فكان دفء اللحاء الطريّ في فمي تينا فردوسيا. وإذ أرسل اصبعه إلى وديان زهرتي، فاض الإكسير وانبلجت نداءات اللقاء الحميم.

كانت لحظة الإيلاج أسعد اللحظات. اشرأبّ جسدي فجأة وطوّقته بساقيّ بينما قشعريرة وريح صفصف تهبّ في بدني. وابتدأت الاهتزازات اللاحقة رتيبة ذكّرتني برتابة مهمات رجل الأعمال. لكن ما أن تموّجتُ بخليط من المتعة الحقيقية وتلك التي نفتعلها عادة حتّى اكتشفتُ ولعه بالتظاهر بالمتعة. ذلك أنّني ما أن كففت عن التمثيل حتى بدرتْ منه حركة ديبلوماسية أنيقة تخبرني أن:

“تظاهري بالمتعة. تظاهري أكثر!! اهتزي كجذع نخلة”

فأوغلت في الفبركات العتيدة التي أمارسها مع بقية الزبائن حتّى ضاعت الحدود وصارت الأوهام حقائق تعرفين أنّها أوهام لكنّك تعايشينها كتجربة حقيقية من لحم ودم. صار الحدث بيننا مناسبة تقع عند حدود الوهم والحقيقة، أو ما يشبه لحظة رقاد تظنين أثناءها أنّك على يقظة، لكنك في الحقيقة في عالم النوم، ولا تدركين أنّك في ذلك البرزخ إلاّ إذا أوقف حادث خارجي أوهامك لتفزّين قائلة:

        “آها؟ هل كنت نائمة أم ماذا؟”

وصلت شهوته إلى ذروتها فحاول إخفاءها فتورّم التوتر ووقعتُ بين نار الانفجار العظيم وواجبات الافتعال. فاخترت التمثيل لكي لا أحيد عن قوانين اللعبة، وأميط اللثام عن أمواج الشهوات التي أغرقتني كحقل أخضر. كان الزبون الفحل قادرا على إطالة الإيلاج والإخراج بشكل دفعني للوصول إلى أقصى تخوم المتعة والعودة، ثمّ ارتقاء المتعة ثمّ العودة، ثمّ تسلّق المشارف والعودة. ولم يبق منّي إذ ذاك سوى ينبوع مطاطي يجول فيه أرقمٌ ينزع جلده كل لحظة. كان قادرا على التوقف الحرج، والصمت الذي لا يشبه الصمت، والانتقال في وضعيات الشراكة الجسدية من حالة إلى أخرى إلى ثالثة بأساليب تجعل الارتواء عطشا وجوعا ضاريا، وكان جسدي يتماوج كسويق زهرة في ريح، وكانت روحي تحلّق في السماوات. وحين أزفت لحظة الـ Squirt أنشبتُ أسناني في صدره فشاغت روحه وروحي وهمدنا فوق بعض. وأصبح منذ ذلك اللقاء ثعباني المفضّل أو زبوني الفحل.

غير أنّ البناء الفيزيائي لذلك البطل ليس استثنائيا البتة. فهو لا يتعدّى أن يكون رجلا تركيا عاديا بشارب لا أحبّه، وبكرش وحدبتين صغيرتين في ظهره.

الكثير من الرجال يمتلكون جمالا يفطر القلب بين سيقانهم، لكنّ هؤلاء تحديدا أكثر من يستفزّني. فجهلهم المدقع في فكّ أسرار الكنز الذي يخبئون شيء لا يطاق.

تصوّري..

ما أن يشمّر الكنز المهيب عن رأسه الأشم حتّى ينكفئ فيرمى بمتاعه ويرحل. أو.. ما أنّ يطلّ سموّه من ثنيات الرداء، حتى أكتشفُ أنّه متوّجٌ بإكليل روائح تستغيث من عفونتها الهوام.

تصوّري..

حجر كريم ودرّته المكوّرة يراوغاني وأنا أهمّ بالمداعبة، ويتسلّلان صوب البئر فيتركاني وحيدة أمام طقوس المراودة والمعاودة والاستراحة والصحوة والانسحاب.

تصوّري أنّ صولجان النار يتلاشى صبره وهو في حضرة المُلْك. فما أن يستقيم له الطريق، حتى يأبى ويستكبر وقبل أن يدير رأسه شطر البوابة يقتحمها بفوضى تعمي البصر والبصيرة، ويضرب بعرض الحائط كلّ طقوس البيت والحجرات، ويكتفي بالتسابق والتمسّح بالرواق الطويل.

غير أنّ الزبون الخرتيت يزعجني أكثر من ذاك الغشيم. فالخرتيت نوعٌ يرغب أن يكون تحت رحمتي، خاشعا متعبّدا، شريطة أن أكون عبدة لأهوائه. وأهواؤه شعائر يقتضي تطبيقها أطنانا من الحبوب المانعة للضحك وللغثيان. ميزة هذا الزبون الخرتيت أنّه يطلب مني أن أكون “آلهة” تفرض رغباتها عليه بالقوة، وهو يلعب دور العابد المطيع. بيد أنّني في واقع الأمر آلهة مشروطة بتنفيذ شعائر تحيي شهوات ذلك العابد، ومشروطة بتبنّي الشعائر كخلق خاص بي ومتعة ذاتية. أنا آلهة لا تُعبد إلاّ إذا أشبعتُ رغبات عبادي. أو قولي إنّني ربّة تعبد العباد!

أما شعائر هذا النوع من “الرجال” فهي تتشابه بالأسماء: ادعسيني، اسحقيني، طئيني، ابصقي عليّ، شقّيني، السوط السوط، اغتصبيني، الكيس على رأسي، ادهسيني، اغرزي الإبرة، اركلي، ارفسي، اصرخي بوجهي أنّني دنيء، حقير، وضيع.. وغير ذلك مما يقتضي تمريغ أنف الزبون في الوحل، وتعذيبه، وتزحيفه على أربع، والزعيق بوجهه أنّه مسخ.. وكذلك هي شعائر تمارس بالطرق التي يحدّدها المشرّع الأعلى للقوانين التي ما أن يختل أحدها حتى تقرع أجراس الخوف أو إشعاعات التبرّم أو يفيض من عينيه المتكبّرتين نور من اللوم.

تصوّري أنّ هذا المسخ يريني حتى أثناء فيض اللوم، من طرف خفيّ، أنّه مازال يلعب دور الكائن الدوني في حضرتي؛ حضرة الآلهة!

نعم.

يختلف هذا الكائن المتغطرس الوضيع عن الرجال الذين يقضون وطرا ويذهبون. فهذا يشترط اهتماما استثنائيا يصادر أحيانا حتى ساعات ما بعد العمل. فلا يضيره مثلا أن يقطع أوقات قيلولتي باتصال تلفوني راجيا:

        هل يمكن أن تقولي إنّني قطعة خراء!”

أو بتلويحة أس أم أس تبدأ بنقطتين فوق بعض وعلى يسارهما قوس مغلق:

        “J تكتبين لي أنّني صرصار في مرحاض؟”

أو باستجداء في إيميل:

        “قرّعيني فأنا أوسخ من مزبلة!.. مع حبي”

أو بتوسّل عبر الماسنجر:

        “Buzz!! Buzz!!.. أتمنى أن تكتبي لي وصفا لرنين السوط الذي تجلديني به!..”

وكل تلك الدعوات والالتماسات ليست في واقع الأمر سوى تعاليم، وفرائض تدفعني أحيانا للثورة والصراخ بأنّه خرتيت وسقط متاع ودملة لابدّ من استئصالها. بيد أن مثل هذه الثورة تجعل الأمر أسوأ! فالخرتيت يطلب عندها أن أكرّر صرخاتي بطريقة مسرحية، أن أغنّي ما تفوّهت به، أن أبصق الكلمات في وجهه، أن أسوطه وأنا أطلق تلك الأوصاف.. ولكن.. ودائما.. إيّاي إيّاي أن أصدق حقّا بأنّه خرتيت وتافه!

أما إذا طلب مني أن أطأه من دبره فلابدّ لي أن أولج القضيب المطاطي أو قبضة السوط وكأنّي أمارس فعلا بيولوجيا بديهيا تاركة ورائي أيّ اشمئزاز لمرأى تمرّغه كخنزير في وحل، أو ركوعه على أربع متفاعلا مع حركة القضيب الصناعي في رواحها ومجيئها في مؤخرته المرقّطة ببقع خراءٍ جاف. وبالطبع عليّ أن أخفي نكراني لرجولته وموت رغبتي الجنسية فيه.

وعند مرحلة التوصيف بأنّه مسخ ورعديد يستقبل الشتائم وكأنّي أدبّج قصيدة رومانسية سرعان ما تبعث فيه الطاقة الذكورية! فينقلب عليّ، كاللعنة الإلهية، ويحملني إلى الفراش ويشلخ ساقيّ، الأمر الذي يجعلني أبذل جهدا ربّانيا لإحياء رميم أنوثتي، وارتداء برقع الوصال، وفبركة سائلٍ ما بين فخذيّ بينما هو يلعب دور من يراني أتصبّب سوائل للقائه الحميم.

وفي أوار التقاذف والتلاقي يتوقف فجأة ليطلب مني أن ألبسه زيّا غريبا سرقه من خزانة زوجته على ما أظنّ. وهو سوتيان يبقى متهدلا أعلى صدره وباروكة شعر نسائي برتقالية وحذاء عالي الكعب.

كل ذلك مطلوب مني تطبيقه وكأنّي ألعب دورا مكتوبا في سكربت مسرحي مطرز بملاحظات إخراجية صارمة، ولا ينتظر منّي أيّ فتنة غير فتنة الخضوع المكين لوصايا السكربت العشرة، القاضية بأن تسمرّني في موقع الوسيطة بين الخرتيت وأدواته وشعائره.

تصوري..

لقد فقد واحد من هذه المسوخ صبره ذات مرة، عندما تأخرت قليلا عن تطبيق الشرائع. فرفع رأسه وأشار عليّ بازدراء أن أبدأ من جديد، غير أنّني لم أتمالك نفسي. وقبل أن أعي شيئا رأيت بصاقي يفترش وجهه وزعيقي يهتزّ في قحف رأسه:

        “أيّ عفنٍ أنت!”

وإذا به يقرّب فمه من أذني ويفحّ:

        “قوليها مرة أخرى. مرة أخرى رجاءً!”

هذا رياء بلا ضفاف!

أن لا يرى المرء من العالم شيئا غير ذاته المتوّرمة المهيمنة فهذه هي النرجسية بعينها. وهذه الذاتية المريضة هي السبب الذي يضع شراكتي لمثل هذا الكائن تغرق في لجج من الغضب، وفي حروب لا تحطّ أوزارها إلاّ إذا أنضيته عني وقذفت به خارج الكابوس!

الزبون السويّ ليس كذلك. إنّه يأتي بقصد زيارتي أنا، بغرض التمتع بجسدي. بينما جلّ ما يصبو إليه المسخ المخنّث هو أن يوظفّني كأداة من أدواته المقيتة.

ليس عيبا أن تكون مخنثا، أو ذا نزعات ذليلة، فهذه حالة تصيب الكثير من الرجال، لكن أن تكون ذاتيا استحواذيا تقرر سيرورة الأشياء بالطريقة التي تودّها أنت فقط، فذلك ما يجعلني أستجير بالسماء وأدعو:

        “ كس عرضك يا منيوك!”

أنا أيضا شخصية ذاتية! بيد أنّ ذاتيتي ليست نرجسية ولا مرضية.

شكل ذاتيتي الخارجي هو رغبة أنيقة للانتقام الحميم من الرجل، وحبّ السيطرة على طقوس الفراش! غير أنّ حبّ السيطرة لا يمكن فهمه إلاّ إذا تتبّعتِ أصول العلاقة بين الزبون وبائعة الهوى. فالأخيرة تتمتّع بإحساس عالي من النضج المهني الذي يضعها بشكل ما في موقع المربيّة!

طبعا!

نزعة السيطرة يمكنك تأويلها كمساعدة للشريك، توجيهه إلى الحد الواصل بين الألم والمتعة. والشريك الذي أبادله هذه الديالوجات الجسدية يكون في العادة سويا لا يشترط شيئا أو لا يمتلك سكربتا وشعائر، بل مثلي تماما.

هذا الشريك يمكنني أن أجده في أحد هذه الأصناف من الرجال:

الجاهل بأصول اللقاء. وهذا يجعلني مسكونة، بغريزة العنف والعدوانية! ذلك أنّ الأميّة الجنسية تدفعني أن أتملّك الفراش، رغم معرفتي بأنّ الشريك يبذل، بلا أمل، أقصى ما يستطيع لكي يرضي أنوثتي. النوع الثاني هو الذي يحبّ الوصال العنيف حبّا تجريديا ويعيش اللذة والألم في سياقهما الطبيعي. والنوع الثالث هو الرجل الخبير بالدوافع الدراماتيكية للّعبة، وهذا هو الأمثل بالطبع.

أترين؟

ذاتيّتي لا تشبه نرجسية الزبون الدوني. وقسوتي لا علاقة لها بديكتاتوريته. إنّها ليست أكثر من رغبة في التحليق بالزبون، بلا فبركات، إلى عالم غرائزي. لكنّ الناظر للوهلة الأولى يرى في هذه الرغبة طورا من أطوار السادومازوخية، أو أحد تنويعاتها. غير أنّك، ما إن تمعني النظر حتى ينقشع الخيط الأبيض عن الخيط الأسود، فتميّزين بين غريزة حقّة أمارسها أنا وافتعال يغرق فيه الخرتيت الدوني. الاختلاف شاسع رغم تشابه المزايا الظاهري. إنّه اختلاف الكلب الوفيّ عن الضبع العجيب؛ تمايزٌ في الطبائع والأهداف وتشابه بالجلد.

إنّ نزوات مناكفة الزبون، وتعذيبه، والتعالي عليه هي جزء ثانوي. فمصدر تحقيره مثلا ربما هو رد فعل على معاجلته لعجيزتي بصفعة، أمّا التعالي عليه فقد يهدف لطأطأة رأسه صوب أسفل بطني حيث الطريق معبّد للخيال وعالم الالتحام.

ساحرةٌ هي الطريقة العنيفة التي أمارس من خلالها مفاتني. فهي مزيج من خيال وإيلام جسدي، وتهويمٌ، وإجهاد عقلي، وحلمٌ، وتوهّج انفعالي تؤدي جميعها إلى وهم مجسّد.

حدثٌ ممزوجٌ بوقائع ملموسة توقظ فضاءات خفية في الجسد، وتحيل مسار الأشياء إلى طريق رخو. حدثٌ أخلطه بخميرة تجعله وهماً ماشيا على قدمين كملاك يحمل رسالة من عالم علويّ.

كيمياء الألم السعيد هذا، هو إكسير عالم لا أرضي يعجّ بقوى لا يمكن الإحاطة بها عبر الكلمات.

أترين؟!

إنّ قسوتي تتموضع فقط في مرحلة التشويق و(الدراما) والتقوية لتوتر العضلات استعدادا للّقاء الحميم. صدقيني.. إنّ من لا يعي الألم كجزء عضوي من الموضوع فهو غبيّ!!

 

كاتب ومخرج مسرحي عراقي، بلجيكا

hazimkamaledin@gmail.com