خلية النحل فصل من رواية بغداد وقد إنتصف الليل فيها للكاتبة التونسية حياة الرايس

 

خليّـــــــة النّحــــــــل

Hayet Raies

وصلت كلّ الطالبات الوافدات تقريبا. وصارت الغرفة ترطن بلهجات مختلفة ولكن متقاربة. يفهمن بعضهنّ البعض دون عناء، خاصّة بنات بلاد الشام أوالهلال الخصيب سابقا: سوريا، لبنان، فلسطين والأردن. عادات وتقاليد متشابهة ومتداخله. ينساب الكلام والحديث والتعامل بينهنّ سلسا، بأريحية كبيرة دون تعقيد. ويفيض حلوا من أنفسهن السخيّة، بكلّ عبارات الكياسة واللّطف والمجاملة… في وديّة ودفء وحميميّة وابتسام وأريحية…ولا عجب من سليلات الفينيقيين،المدنيّين، التجار اللّبقين. تفاجئك في الأوّل وتغمرك بقاموس لم نكن نسمعه إلاّ في الأفلام المصريّة: حبيبتي وقلبي وروحي وعمري وعيوني وحياتي و أغاتي العراقية….

ويحز ّفي نفسك أنّك قادم من بلدان، جافة في التّعامل الإجتماعي. فنحن في تونس لا نتبادل كلمات الحبّ والودّ يوميّا وليست في قاموس حياتنا الإجتماعية. بل نجد صعوبة في التفوّه بها حتّى في المناسبات. أسلوبنا في الحديث جاف وناشف وجاحد وربّما حادّ في كثير من الأحيان إلاّ ما ندر. نظرا لطبع التّونسي العصبي وضغط الحياة الصّعبة. أوهي ترجع إلى أبعد من ذلك ربّما لأجدادنا البربر… ويتضّح ذلك في الجزائر أكثر منّا لشدّة خشونة طباعهم، الحادّة والقاسيّة والجلفة وأقلّ منهم المغرب الأقصى بقليل. لكن عموما تلك طباع النّاس في المغرب العربي: جفاف وأسلوب ناشف في الكلام وفي الحياة بعيدا عن المجاملة. ربّما لطبعنا النقدي الصّريح والمباشر أيضا…

في حين أنّ المشرق العربي تختلف طباعه عنّا تماما. تُطرّزُ وتزيّن المجاملةُ، نسيج حياته الإجتماعية، بكلّ التّلوينات الزّاهية التّي تشرح القلب وتفتح النّفس… دون كلفة وتصنّع. إنّما هي عادة وأسلوب حياة، جرى بها لسانهم في كامل بلاد المشرق.

وكنت أتلعثم في الأوّل وأرتبك. عندما لا يفهمن كلماتي لغرابتها أولإيقاعها السّريع. فكنت أستنجد بالفصحى كحبل النجاة من عدم الفهم. ولكي لا تنفيني اللّهجات وتغرّبني وتقصيني عن دائرة حواراتهن وأريحيتهن في الكلام. أنا التّي أملك العربيّة جيّدا من الكُتّاب وأحبّ هذه اللّغة بكلّ تلويناتها ولهجاتها. دخلت في هذا النّسيج اللّغوي عن وعي وطواعية وعفويّة، فاخترت دارجة مهذّبة وفصحى مبسّطة. وبدأت أحاول تنقية لهجتي من كلّ تلك الكلمات التّي طعّمت العربيّة على مدى الآف السنين من الأمازيغيّة والفرنسيّة والإيطاليّة وغيرها….

ومع ذلك كانت حواراتنا مسرحا لنوادر ووصلات ضحك لاختلاف اللّهجات وما تؤدي إليه من سوء فهم… وكانت نهى التّي لا تركز كثيرا معنا في الكلام. تسمعني أستعمل كثيرا كلمة “إنّجم ” التّي تترّدد كثيرا في دارجتنا التونسيّة. كانت تسمعها خاصّة في دردشتنا الثنائية أنا وصباح، عندما نجلس على فنجان القهوة في ركن من الغرفة… حتّى أتتني مرّة بفنجان قهوتها، بعدما أفرغته في بطنها في رشفة واحدة. ولم يبق به غيرآثارالبنّ. ومدّته لي متوسّلة :” وهلاَ إجا دوري. بلييييز…. إقرئيلي فنجاني….نفسيتي كتيييير تعبانه اليوم” وعندما اندهشت منها وقلت لها أنّني لا أعتقد في هذه الأمور. زعلت واعتبرت أنّني أخصّ بذلك صباح فقط:” وليش بتنجّمي دائما مع صباح فقط؟” ردّت غيرانة غاضبة. وانفرطنا من الضّحك… قالت لها صباح: ” بشرفي إنّك طائشة وسخيفة وإنّك مو فهمانه شي. ولا على شوعمّ نحكي “

قالت لي سمعتك أكثر من مرّة تقولين أنّك “تنجمّين” وزادَ ضحكنا. حتّى أصبح دموعا. وأنا أشرح لها ولبقيّة البنات الموجودات بالغرفة : أنّ كلمة ” إنّجم” تعني أستطيع و” ما إنّجمش ” تعني لا أستطيع. يعني ” فيّ وما فيّ ” بلهجتكن. وأنّ أصلها من اللّغة الأمازيغية مثل ” إنّقز ” يعني أقفز وكرومتي يعني عنقي وفرطاس يعني أصلع وسفنارية يعني جزر وكرموس يعني تين…. ومفردات أخريات تسمعنها مني أحيانا مثل كلمة فكرون التّي تعني سلحفاة وببوش بمعنى حلزون وممّي بمعنى رضيع ودشرة بمعنى قرية….

كلّها مفردات باقيّة من اللّغة الأمازيغية لأجدادنا الأوائل والتّي كانت سائدة قبل فتح القبائل العربيّة لشمال إفريقيا.

قالت لها صباح:” إييه روحي تعلّمي الأمازيغية أوّلا. ثمّ تعالي إحكي معنا. أنا تعلّمتها من أوّل السّنة. لكي لا يفهمنا أحد أنا وصديقتي التونسيّة “.وغرقنا في الضّحك..

وكانت نهى أوّل مرّة تسمع عن اللّغة الأمازيغية، في حياتها.فذكّرتها. أنّ الأميرة علّيسة، التّي هربت من أخيها، من مدينة “صور ” حطّت رحالها في أرض الأمازيغ البربر: سكان تونس الأوائل وأسّست قرطاج العظيمة، على السّاحل المتوسّطي…

قالت:”لا غير صحيح أنتم كلّكم بتحكوا فرنسي في “تونس”. مستنجدة بتلك التّهمة القديمة التّي وجدتُها رائجة هنا في المشرق،لاصقة بنا. وهي أنّ شعوب المغرب كلّها على بعضها الجزائر مثل المغرب مثل تونس، يتكلّمون الفرنسيّة ولا يتقنون العربيّة. وليس لهم هويّة. في غمز لئيم لطعننا في عروبتنا.

شرحت لها أنّنا نخلط بعض الكلام صحيح.مثلما تخلطون أنتم الكلمات الإنجليزية والفارسيّة والكرديّة وغيرها مع العربيّة. ولكنّنا نتقن لغتنا أيضا ونحسن التعامل بها،خاصّة في المنابر الرسميّة. أمّا أنتم فإنّني لاحظت أنّكم تتكلّمون الدّارجه حتّى في خطبكم الرسميّة.

ثم قفلتُ الموضوع،الذّي أصبح ممجوجا لديّ قائلة :”على كلّ اللّغة الفرنسيّة، مكسب نفخر به. ونعتبره من غنائم حربنا مع فرنسا الإستعمارية. وهولا ينسينا لغتنا قط….”

كنت التونسيّة الوحيدة في السّكن الكبير، التّي تكابد غربة اللّهجات وافتتانها بها في ذات الوقت. ويبدو أنّ وجودي كفتاة مغاربية في المشرق العربي كان شيئا عجبا حينها. ولم تكن في ذلك الوقت (أواخر السبعينيات) لا فضائيات ولا وسائل اتصال سريعة تعرفنا ببعضنا.ولا شئ يقرّبنا ثقافيا واجتماعيا.كلّ ما كان هناك: ” إذاعة صوت العرب من القاهرة ” والأفلام المصرية…

وشاع في القسم الدّاخلي، بكثير من المبالغة. وتأثّرا بالأفكار المسبقة، عنّا في المغرب الكبير.أنّ هناك تونسيّة حكيها حلو وطريف ولكن غير مفهوم. لانّهم في تونس يحكون كلّهم فرنسي ويعيشون مثل الفرنساوية.

وكانت بين الحين والآخر، تدقّ غرفتي، إحدى الطالبات، لتسألني: “أنت التونسيّة الجديدة؟ أين تقع تونس؟ وهل هي بعيدة؟. يقولون تونس حلوة. تونس الخضراء. هل هي خضراء فعلا.كما يقول فريد الأطرش؟

وبعضهنّ يقتربن منّي، ليسمعن غرابة وطرافة لهجتي ويكدن يلمسنني، ليتأكّدن أنّه لي نفس اللّحم ونفس الدّم الذي لهنّ. يهمسن لي بكلّ لطف وتودّد وفضول وعفويّة :” إحكي تونسي بليييييز خلّينا نسمعك “

ومثلما كانت بعض البنات المشرقيّات يطربن لنبرتي وإيقاع لهجتي…. كنت أستعذب رحيق شهد الكلام الحلو في المشرق.

وفي مرّة دخلت علىّ مريم اللّبنانية، الطويلة، الأنيقة، ذات الشّعر، الأسود،الطويل، الفاحم. أطلّت برأسها من الباب. وقالت أين التونسيّة؟ ولم يكن غيري بالغرفة. قالت ببهجة وانشراح وكمن وقع على إكتشاف:” صحيح أنكم تعيشون كما في باريس. نحن نقول في لبنان أن تونس مثل باريس. كم أشتهي أن أزور تونس.

نظرت إليها باعتزاز.وقد بعثت في نفسي بعض انشراح، ضحكت عيناي… وقلت لها ونحن نقول عنكم أيضا: أنّ لبنان هيّ باريس الشّرق. ومن يومها صارت صديقتي و أناديها “كنّتنا ” لأنها تزوّجت فيما بعد تونسيّا من شباب كليّتي. من قسم التّاريخ. وراحت على تونس….

ومن نوادر اختلاف لهجاتنا أنّني عدت ذات يوم من الكلية أُسرُّ لبنات غرفتي: أنّني تعرّفت على شاب لبناني ” أزعر” بيجنّن وأنّنا شربنا شايا بالنادي مع بعض….وأسمعني كثيرا من الكلام الحلو…استغربت البنات من أنّني أجلس مع شاب أزعر بالنادي…. قالت لي نوّال: هل أنت متأكّدة أنّه أزعر؟ قلت لها نعم، طبعا مثل أغلب الشّباب اللبنانيّين.

وهنا غضبت نهى: كيف أنعت شباب لبنان بالزعران. فقالت نوّال: إذا كنت تعرفين أنّه أزعر، كيف تجلسين معه بالنادي، أمام الجميع وتشربين شايا معه؟ قلت على هذا الأساس لن أجلس مع أحد بالنادي. إذ أنّ أغلب شباب الكليّة “زعر”. قالت نهى: أهذه هي كليّة “الآداب” عندكم؟ شبابها كلّهم زعران؟ أنا أعرف كلّ الطلبة اللبنانيّين بالآداب. قولي لي أوّلا، ما إسمه هذا الأزعر الذي تعرفت عليه؟ قلت لها “رامي يوسف” بقسم اللّغات. اندهشت نهى وزاد غضبها. قالت:”حرام عليك. بشرفي أعرفه جيّدا. ورامي مستحيل يكون أزعر”. قلت لها: العتب عن النّظر إذا. وأنا لا أفهم لماذا أنت مغتاضة وزعلانة؟ قالت أنا مستغربة أنّك معجبة بشاب أزعر؟ قلت لها نعم يعجبني الشّاب، الأشقر الشّعر، الأخضر العينين، مثل رامي تماما هههه… حينها انفرطنا من الضّحك…. ولوكانت صباح معنا حينها، لأفهمتهما أنّ أزعر يعني أشقر عندنا وليس شابا طائشا، غير مؤدب وعينه زائغة كما عندهم.

وكنت كلّما صار سوء فهم بيننا. أوكلّما وجدت كلمات غريبة، تتردّد في الغرفة أوفي الخارج…. أهرع إلى القاموس كحدّ فاصل بيننا وكنت أحتفظ ب “المعجم الوسيط ” في غرفتي الذي اشتريته من شارع المتنبي. ليس للشّرح.فالمعنى يمكن أن يفهم من السيّاق. لكنّني كنت أخاف على لغة الكتابة عندي. وأن تختلط عليّ الأمور بين العاميّة والفصحى.وقد تملّكني فضول كبير بفك معاني الكلمات وتفسيرها بالرجوع إلى اشتقاقاتها الأولى في العربيّة أوفي لغات أخرى…وصارت تلك لعبتي وتسليتي.

فلم تكن بنات العلوم لتفدنني كثيرا.أوحتّى أغلبيّة من يتكلّمها.

وقد وجدت،أنّ كلمة، أزعر،في الفصحى: تعني خفيف الشعر قليله. فربّما كان وصفنا للشعر الخفيف الأصفر أنّه أزعر أمام غزارة الشعر الاسود.

كما استغربت أنا في الأوّل كلمات مثل: “بلشنا ” يعني (بدأنا) والزّلمي (الشّاب أوالرّجل ) التّي يستعملها أهل الشّام كثيرا. واصطفل (دبّر راسك أوأنت حرّ )….واستظرفت كلمتيْ بَدّي وما بَدّي وفيّ وما فيّ وقد جرى بهما لساني أنا أيضا لخفتهما. ودخيلك ودخيل الله التّي لم أكن أسمعها إلاّ من نجاح سلام.

أمّا كلمة ” تفنيص ” وفنّاصة التّي تتّهم بها نهى صباح دائما. فقد حيّرتني، حتّى وجدت أنّ الكلمة جاءت من فعل ” تفحّس″ بمعني تكبّر وتعظّم. وصارت تنطق في لهجة الكلام تفنحص ثمّ خفّفت إلى تفنّص،ومنها التفنيص وفنّاص أوفنّاصة وأنّها تفيد نفس المعنى الفصيح عند أهل الشام. وبمعنى كذّاب أيضا.

وكنت أسمع كلمة شنب وأبوشنب تتردّد كثيرا في الشّرق. وتستخدم مرادفة لكلمة شارب وشوارب. بينما معناها الأصلي في العربيّة بريق الأسنان

والبندورة (الطماطم)التّي يشترك في استعمالها بلدان المشرق وراثة من التسميّة الفرنسيّة عن الإيطالية والإسبانية pommedor التّي تعني «التفاحة الذهبية»

وأذكر أنّني أوّل ما استعملت كلمة “شرميطة” حتّى صرخت البنات وضحكن: “هل تقصدين ” شرموطة؟ (التّي تعني عاهرة في بلاد الشّرق) قلت: ” لا. أقصد خرقة ممزّقة فقط ههه. والكلمة فصيحة، جاءت من فعل شَرَط وشرمط الورق. أي قصّه قطعا.

أحبّت صباح كثيرا اللّهجة التونسيّة وصارت تقلّدني، حتّى في النّبرة والإيقاع. وتبنّت الغرفة كلّها كلمة ” يعيّشك ” التّي تدخل القلب دون استئذان . كما كلمة ” تدلّلي ” العراقيّة. فتنتنا هذه الكلمة أيضا، لما فيها من سخاء ورخاء وسعة نفس وطيبة قلب،كما عرفنا العراقيّين،في سبعينيات القرن الماضي،أصحاب قلوب كبيرة، بسطاء وطيّبون وعفويّون ولازالوا. رغم كلّ ما أصابهم من دمار الحروب… وكلمة “تكرمي ” اللّبنانية… إلاّ كلمة ” تقبرني ” السّورية ما أحببتها. فقد كانت تقع مثل الوخز في قلبي، لبشاعة الصّورة،التّي تحيل على القبر مباشرة، بمجرد أن يحبّ أحد الآخر. بمعنى أتمنى أن أموت قبلك وتدفنني قبل أن أدفنك من فرط حبّي لك…ونهيتُ صباح كثيرا عن استعمالها. إذ أنّ الحبّ ليس جنازة.ولكنّني أحببت اللهجة السّورية عموما فقد اصطفاها لساني من بين كلّ اللهجات وصرت أرطن بها أنا أيضا على مرّ السنين. ويمكن أن يعود ذلك إلى قربي من صباح ومن السّوريين عامّة: في الكليّة وفي رابطة الطلبة السّوريين…

وصرت أرتمي تعبا على الفراش، عندما أعود من الكليّة:”هلكااااانيي ” وتُعلّق نهى:” ليك ليك كيف صارت حياة تحكي لبناني ” فأقول لها ضاحكة: صرت أتعب على الطّريقة اللّبنانية.

فتقول نوّال:ونحن نقولها أيضا. وصباح كذلك.فأقول ّ:طيّب، طيّب. ما تزعلوش. أنا هلكانه بلهجات الشّرق كلّه. ولوكنت في تونس لهلكت أكثر ولأعلنت هلاكي النّهائي بالموت مرّة واحدة.لأننا نقول ” باش نموت من التّعب. أومتُّ من التّعب “.

ونضحك كثيرا عندما تطلّ علينا إحدى العراقيّات ب “اشلونكن عيني؟ “: ( شني أحوالكم ) فنقول أحمر أوأزرق أوأخضر أوأصفر حسب الحالة النفسيّة التّي نحن عليها….

وعجبنا للغة الكشكشة أيضا في خطاب المؤنث. فالعراقيّون عندما يتّجهون للمؤنث يسألون “: آش لونش بدل آش لونك؟ ويشتركون فيها مع أهل الخليج في كيف حالش؟ وخاصّة أهل اليمن من حضرموت وجنوب السعودية.

حيث يجعلون الكاف شين في خطاب المؤنث فقط وليس في كل الأحوال… مثلا حقك (حقش) وعندك (عندش) وهكذا…

وتزورنا العراقيّات في الغرفة،سائلات عن الأحوال والأخبار الجديدة:

” شاكو\ماكو؟ ” فنجيبها ضاحكات بما حفضناه من العراقيّين:” كلّ شيء أكو…أوكلّ شيء ماكو.. وعندما استفسرنا عنها عرفنا أنّ أصل (ماكو/ أكو) من بقايا اللغة السومريّة القديمة. عندما لايوجد شيء نقول ماكو. وأكو: عند وجود ذلك الشيء. (كون)للشيء الموجود..و(ماكون) للشيء غير الموجود فحذفت النون باللهجة الدارجة.

ولم تكن الفضائيات موجودة. ووسائل الإعلام حينذاك منتشرة كما الآن، لتقريب اللّهجات ومعرفة الشّعوب العربيّة بعضها ببعض…. وكان الكثير من أهل المشرق لا يعرفون موقع تونس بالذات ويخلطون بينها وبين المغرب والجزائر. كما لم يكن يفرق أهل المغرب بين سوريا ولبنان والعراق تقريبا، في سبعينيات القرن العشرين.

وحدهم المصريّون كانوا لا يغيّرون لهجتهم أبدا وليسوا في حاجة إلى ترجمان. يتكلّمون بثقة وطلاقة، لا يخشون معها عدم الفهم. فقد مهّدت لهم الأفلام والمسلسلات، التّي دخلت كلّ البيوت العربيّة، في كلّ الأقطار. قبل أن نراهم مباشرة. بل أنّ بعض العرب كان يقلّدهم ويتكلّم مصري خالص معتقدا أنّ هذه “لغة ” يفهمها الجميع. والعامّة لا يفرقون عادة بين لهجة ولغة. رغم أنّ اللهجة المصرية الحديثة، خاصّة اللّهجة القاهريّة،لم تكن الأقرب إلى الفصحى.ولم تكن لهجة فصحى صحيحة خاصّة فيما يتعلق بالنطق.فقد فقدت اللهجة المصريّة بعضاً من الأصوات العربيّة القديمة مثل “الثاء، والذال والظاء، والقاف”؛ واستبدلتها بالترتيب هكذا “التاء، والدال، والضاد، والهمزة أوالجيم.

وأنا لولا كثرة الأفلام التي شاهدتها منذ صغري ما كنت لأفهمهم بسبب ظاهرة الميل إلى الإستفال في لغة الكلام المصريّة. وهوانخفاض اللّسان إلى قاع الفم “عند النطق بحروف الكلام؛، ويقلّ التجويف الفمي، ولا يصعد الصّوت إلى الجزء العلوي من الفم، بل ينحدر إلى خارج الفم، ويكون صوتاً نحيلاً “؛ فتُنْطق “الصاد”.. “سيناً”، “والطاء”.. “تاء”، و”الضاد”.. “دال”، و”الظاء”.. “زاي” مخفّفة؛

مثال ذلك: يقولون: “سَكع” فلاناً قلماً، بدلاً من “صقع”، وأيضاً قولهم: “مَدْغ” بدلاً من “مَضْغ.

والحقيقة أنّني بدأت أطرب لهذه الحفلة الصّوتيّة التّي تؤثث سهراتنا في هذه الغرفة / الخليّة من النّحل… هذه الغرفة التّي عرفت فيها نكهة الإختلاف ضمن هذه الجوقة الفسيفسائية المنسجمة في النّهاية، بفعل الغرابة والتنوع والجديد وحبّ ولذّة اكتشاف الآخر المختلف. وكنت أتابع المفردات في اختلافها الذي يحيل على تنوّع شعوبها…فكلمة هؤلاء تصبح في شرق الأردن وبلاد الشّام ” هاذُول ” وفي العراق ” ذول أوذولا ” في مصر ” دول، دولا ” وفي اليمن ” هاذول ” في السودان “ديل ” وفي تونس ” هذوما أوهاذوكم “… في نغمات مختلفة.

يهزّني طرب الشّرق كلّه. وتعظم في عيني لغتنا العربيّة التّي تهتزّ وتتمايل بأكثر من نغم. لأكثر من بلد، لكلّ هذه اللهجات المنبثقة، كينابيع منحدرة منها، المتفتّقة عنها، والمطعمّة والمرّصعة بلغات الحضارات السّابقة عنها. في نوع من التمازج والتزاوج والإختلاف والتميّز… والمحمّلة بأكثر من إيقاع…. وقدرتها الخارقة على استيعاب كلّ ذلك. والوقوف صامدة زاخرة بعطاء لا حدود له.

العربيّة التّي عاشت الصّراع اللغوي وقت الفتوحات حين دخل العرب جهات كثيرة. متعدّدة اللغات في المنطقة؛ استطاعت اللغة العربيّة الانتصار على اللغة الأم وحلّت محلها.

فطغت اللغة العربيّة على الآرامية في العراق والشام، وعلى القبطية في مصر، وعلى البربرية في بلاد المغرب، وعلى الفارسيّة في بعض بقاع مملكة فارس القديمة. عند نشر العرب ثقافتهم وتوسعهم الحضاري..

وأحزن لمّا أرى لغات أخرى ليست بمستوى ثراء العربيّة تكتسح العالم مثل الإنجليزية التّي ليست بمستوى ثرائها أوالإسبانية أوالإيطالية…

في هذا الحفل الصّوتي، الراقص، على إيقاع النغمات المختلفة…انسحر لساني وانخرط في لولب الحلبة. ليضعني في قلب الشّرق السّاحر. مأخوذة بغواية الكلمات الرّنانة،الطربيّة، الحلوة، التي عُرف بها المشرق دون المغرب العربي، الذي كانت لهجاته على اختلافها، محمّله بنوع من العنف كما اسلفت. وكما نعاني نحن في تونس من العنف اللفظي وبذاءة القول للأسف.ومن الطّبع العصبي والتوتر اليومي في إيقاع الحياة وفي السّلوك وفي الخطاب.في حين مازال إيقاع الحياة في المشرق يسير بهدوء ورنّة ونغمة تختلف عنّا.

وليس صدفة أن تظهر شهرزاد في الشّرق. وأن يكون هذا الشرق القديم مهد كلّ الأنبياء. حيث تجاوزت الكلمة السّحر والسلطة وبلغت المقدس:

وفي البدء كانت الكلمة…

كلّ طالبات القسم الدّاخلي الرئيسي،كنّ في أغلبهنّ من كليّات العلوم والهندسة والصيدلة…كامتياز لهنّ دون طالبات الآداب اللّاتي يسكنّ الأقسام الصّغيرة وكذلك الأمر بالنّسبة للشّباب كما أسلفت. والواضح أنّ العراق في منتصف سبعينيات القرن الماضي وحتّى بداية ثمانينياته كان يولي أهميّة كبيرة للعلوم وكانت الجامعات العراقيّة حتّى سنة 1979 من أفضل جامعات المنطقة بدليل شهادة اليونسكو: (الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة ) حينذاك.

كانت هناك حركة علميّة ومختبرات متطوّرة بشكل ملفت للنّظر. أشهرها مختبرات كليّة الهندسة الحديثة التّي كانت مفخرة الجميع. حتّى أنّ الجامعات العراقيّة فاقت الجامعات البريطانية التّي كانت تستخدم ثمانيّة مختبرات في السّنة، بينما تستخدم الجامعات العراقيّة ثلاثة في الأسبوع.كما كنت أسمع حينها من بنات غرفتي اللّواتي يفخرن بالتكنولوجيا المتطوّرة المتوفره لهنّ بجامعاتهنّ.مقارنة ببلدانهنّ الأصليّة. وببعض البلدان المتقدمة أيضا.

ويرجع تطوّر الحركة العلميّة في ذلك الوقت إلى سياسة الحكومة التي كان دورها كبيرا في الدّعم المالي وفي طريقة معالجة القضيّة العلميّة وخلق الكادر العلمي، والتّي أسهمت بإيفاد عدد كبير من الإختصاصات إلى مختلف دول العالم لنيل شهادة الماجستير والدكتوراه، الذّين ساهموا بعد عودتهم في إغناء القاعدة العلمية في العراق. بما يشهد على فترة العصر الذهبي للجامعات العراقيّة التّي كان فيها تعليم حقيقي وجاد واستقرار في التربيّة والتعليم العالي، حيث كان وضع العراق جيّدا قبل أن يحلّ بها الحصار الإقتصادي. والحرب العراقيّة الإيرانيّة، وأخيرا الإحتلال الأمريكي كانت كلها عوامل لتراجع أوتدهور الحركة العلمية في العراق

فمنذ العام 2003 خرج حوالي ثمانية آلاف عالما عراقيّا من البلاد. نسبة عالية جدّا منهم من الأساتذه المتميّزين وتمّت تصفيّة علماء بارزين جدّا حيث قتل أكثر من 500 عالم وكانت هناك عمليّات مبرمجه لتهجير العقول العراقيّة بإتجاه الغرب.

كانت دراستنا مختلفة عن بعضنا في الغرفة لكن كنّا كلّنا نشترك في القراءة ونتبادل الكتب والرّوايات… وكانت رواية “شرق المتوسّط ” لعبد الرّحمان منيف أسطورة العصر في النّضال. كأكبر شاهد على تناقضات المرحلة التّي كانت في أوج المدّ القومي. وأوج الأنظمة القمعيّة في ذات الوقت… قرأناها وأعدنا قراءتها… وكانت حديث الشّباب. كأكبر مثال على فضاعات عذاب السّجن السّياسي ومآسيه التّي تفوق كلّ احتمال…حتّى لنكاد نلامس جروح وندوب ” رجب ” البطل السّجين. عبر صفحاتها، التي تتفحّص وتغور عميقاً في الآثار الجسديّة والنفسيّة التّي تركها السّجن في داخل السّجين حتّى بعد خروجه، والذّكريات المؤلمة التّي ترافقه ولا تبرح خياله ورأسه أبدا… والتّي تتركها في نفسك ولا يمكن أن تُنسى أبدا حتّى لوخرجت من الكتاب…وتلاحقك أسئلتها كوابيس ليليّة:

” ترى هل أستطيع أن أصمد.فيما لواعتقلت خمس سنوات مثلما صمد “رجب “؟ قبل أن يوقّع على وثيقة الإعتراف.

وهل تستطيع أمّ أن تتحمّل ما تحمّلته أمّ رجب؟

صورة الأمّ التّي يعتقل ابنها، لا تمحّي من خيالي. وتفتُّت قلبها حزنا على ولدها. يعصف بقلبي. “أمّ رجب” التّي تحتفظ في ذاكرتها بمشاهد اعتقال إبنها، أمام عينيها، ثم تدخل في اكتئاب تام: تعصّب جبينها بشريط أسود، وترفض الأكل، وتعيش مخاوفها هوسا مرضيّا،من أن يموت ابنها تحت التعذيب. “كنت ألوم أمّي كثيراً، وأنا أراها كالنّحلة تحوم في البيت والأزقة طوال النّهار، كانت تقضي وقتها أمام باب السّجن، وعندما تريد أن تستريح تذهب لأم سجين آخر وتبدآن معاً الندب والذكرى ” كما جاء على لسان ” رجب “.

وكانت الرّواية كافية لتكون شاهدة على فضاعة الأنظمة القمعيّة العربيّة وبشاعة الإستبداد والتّعذيب في ذلك العصر.رغم أن الرّوائي عبد الرّحمان منيف،لم يحدّد بلدا معيّنا.وإنّما أعطاها إسم عموريّة لتكون في أي مكان من الوطن العربي …. هونفسه اللّاجيء السّياسي في العراق بلد والدته. وممنوع من دخول السّعودية بلد والده. رغم أنّه مولود في الأردن. بسبب مواقفه السياسيّة.

ويوم جاءت السّت “حصّة منيف ” أخت الدّكتور عبد الرّحمان منيف من السّعوديّة في زيارة إلى العراق. وهاتفت صباح. اكتشفت أنّ هناك قرابة نسب بينهما. ذلك أنّ أخت الدّكتور تكون إمرأة خالها. ومن يومها صرنا نزورهم مع بعض….

وأعجبنا ب ” قصّة حبّ مجوسيّة” و” الأشجار واغتيال مرزوق ” للدّكتور منيف. وروايات جبرا إبراهيم جبرا التّي كنّا نتخاطفها من بعضنا ونتنافس في إكمالها والسّهر عليها…وأهمّها “السّفينة ” تحفته الفنيّة الكبرى.

كانت نوّال منافستي الأولى في القراءة وبعدها صباح ونهى.

كنّا نلتقي آخر النّهار. بعدما يعدن من كليّة العلوم، بمدينة الأعظمية. وحدي كانت كليّتي قريبة بنفس المجمّع السّكني.

نصلّي ثمّ نقوم لتحضير العشاء.كلّ تأخذ مهمّة: واحدة ترتيب الغرفة والأخرى تحضير السّفرة وإثنتان في المطبخ كلّ حسب وقتها. ومواد تحضيرها وإمتحاناتها….

كان يجمع بيننا العشاء أوّلا على طاولة ملآنة بالحواضر كما يسمّيها أهل بلاد الشّام وهي أطباقُ، مقبّلات لا بدّ منها كلّ يوم، وعلى كلّ مائدة:صحون الزّيتون والجبنة واللّبنة والخيار والطماطم والبيض المقلي أوالمسلوق، المرفوس،مع زيت الزيتون. والمتبّل:” بابا غنوج ” والتبّوله والفول المدمّس المرفوس المفوّح بكلّ أنواع التوابل والحمص والمكدوس (وهوالباذنجان المخلّل مع التوابل،المحشوبحبّات الفستق) الذّي تبعثه لنا جدّة صباح من قرية “النبك “وتصنعه بيديها مع قمر الدّين (المشمش المجفف ) والمربّى (معجون المشمش). مع إبريق الشّاي الذّي لابدّ منه والذّي يفتح شهيّتنا على كلّ هذا الأكل. وفي ليالي الشّتاء نضيف شربة العدس، بأنواعه الأصفر أوالأخضر… التّي تظلّ تغلي أمامنا على نار هادئة طوال السّهرة،على مدفأة “علاء الدّين: “الصوبا”، الحديديّة،الطويلة الشّكل، الزيتيّة اللّون، ذات غطاء الرأس المشبّك،الّذي تتوهّج النّار تحته وتردّ أنفاسنا. ” الصوبا ” العراقيّة الصنع، الشهيرة، الموجودة بكلّ غرفة. نتجمّع حولها، ليالي البرد الشّديد: برد العراق الّذي يصيب العظم مباشرة،في الشتاءات القارسة. يظلّ قدر الشربة معنا حتّى آخر الليل. لأنّه يحدث أن نعود إليه كلّما اشتدّ البرد. ليسكّن إرتجاف أوصالنا. حتّى نستطيع النوم.

برغل أمّي

يوم العطلة: الجمعة، تطبخ كلّ واحدة طبخ بلدها المشهور.

طبخت لهم الكسكسي والمحمّص والروز الجربي وعلّمتهن طبخ الطواجن على أنواعها…والملوخيّة، والبريك المقلي… وكم أحببن العجّة والشكشوكة التونسيّة، بل النابليّة ( المحرحره) التّي أختص بها باعتبار أصولي النابليّة.

.

أمّا “برغل أمّي” فإنّي أحنّ إليه عندما تعود الشّتويّة. واُعدّه يوم الطّقس الماطر والبرد القارس. كما كانت أمّي رحمها الله تفعل تماما أيّام الشتاء: أوّل ما يصبح النهار باردا ــ تركّب ــ البرغل، الجاري، الحارّ.مثلها صرت أهرع إليه أيّام البرد. لأنّه وحده يدثّر الأوصال. أهرع إليه بنوع من الإحتفائية والحنين والتناغم بين ترانيم المطر في الخارج وغليان قدر البرغل في الدّاخل.

مثل أمّي صرت ( أركّب ) البرغل بالقدّيد (الذي تزوّدني به رحمها الله مع بقية التوابل غير الموجودة في العراق). والدبابش وهي: الحمص والفول المصري واللّوبيا الشايحه والفول الأخضر والجلبانه والجزر واللّفت والبطاطا والكلافس والمعدنوس والبصل والكرمب وكلّ أنواع التوابل… والهريسة النابلية الفوّاحة بالتّابل والثّوم…. أضعه على نار هادئة، ليطبخ سلّه سلّه…كما كانت تطبخه جدّتي ” أمّي شلبيّة “على الكانون، في بيتنا العتيق بنابل.مازلت أذكرها وأذكر قلائد الفلفل الأحمر الشّايح،تتدلّي من فوق السطوح وتغطي الجدران وسط الدار العربي في الصّيف وأطباق الطماطم الجافّة، مزدانه برذاذ الملح، تنتظر دورها للعجن والتصبير والتخزين… أيّام كانت للفصول نكهة.

raieshay@gmail.com