سيف الرحبي: عن “البيت الأزرق” – رسالة الى عبده وازن

سيف الرحبي يقرأ رواية عبده وازن “البيت الأزرق” تصوير صموئيل شمعون

عبده وازن، أيها الصديق الذي لا أراه إلا عبر سنين ومجازر وغيابات. صداقتنا قرائياً بدأت مطلع الثمانينيّات، أو قبلها بقليل، حين كنتَ ببيروت التي لم تغادرها حتى في ذروة حروبها واحتدام مآسيها التي لا تحصى. وكنت تكتب في جريدة «النهار» الطليعيّة آنذاك، خاصةً على الصعيد الثقافي والابداعي مشرعة أبوابها للتعدد والاختلاف. كتاباتك التي تشي بنضج مبكّر تتوزّع بين الشعر والمسرح والنقد الأدبي أي الثقافة في تجلياتها المختلفة ملتقطاً نبض بيروت ولبنان، نزوعه الروحي العابر للأحقاد والضغائن والحروب.

وكنتُ في دمشق متردّداً على بيروت بين الوقت والآخر. كنا في العشرينيّات من العمر.. وها نحن نقتحم الستينيّات أو بصورة أدق هي التي تقتحمنا، من غير رباطة جأش ولا أمل، إلا القراءة والكتابة والأحلام في عزلة عن الحشْد.

كنت في دمشق مع أقران سوريين ومن بلاد عربيّة مختلفة، ننتظر الصحافة اللبنانية بصفحاتها وملاحقها الثقافيّة المنفتحة أمام صحافة الحزب الواحد والرأي الواحد، نتنفس من خلالها هواءً حراً وكتابات تجريبيّة ومغامِرة، كما كنا نتنفّس الهواءَ نفسَه حين نذهب بالسرفيس الى بيروت، على رغم احتدام الصراع الدموي وطيش القذائف والرصاص.

هذه الميزة المفارقة لبيروت ليست على الوضع السوري فحسب وإنما على مجمل أوضاع العرب و«دولهم» الواقعة تحت قبضة الاستبداد الأقصى.

في هذه اللحظة أقرأ روايتك الأخيرة (البيت الأزرق) أنت الذي منذ تلك البدايات التي أضحت غائرة في الزمن والتاريخ، لم تعرْ كبير انتباه للتصنيف المدرسي بين فنون القوْل وتجلِيات الروح الابداعية واللغة. شاعر ناثر، ومتابع عميق لثقافات العالم، الفرنسيّة خاصة. كان جموح روحك ونضارة أحلامك، مثل أبناء جيلك التراجيدي، والكلمة الأخيرة أو المصطلح، ليست مجانيّة ولا شكليّة مطلقاً، كتابة مشرعة على الأفق وتداعيه الحرّ الشاسع تخترق المحدّد سلفاً والنمطيّ المكرور في حداثة بدأت ملامح الترهل والاستسهال باديةً عليها.

في كل ما كتبت لاحقاً من كتب عديدة متنوعة، تنوعًا ثريًا، يسطع ذلك الألم الكبير المتوحِّد بهوية الابداع، روحًا جريحةً متموّجةً واضحة وضوح الصحراء الجارف والمفعَم بالدلالات والمعاني.

في (غرفة أبي) الذي قرأته منذ عام كل صباح، في بلاد الشمس والبحر، كنت أجبر نفسي أحياناً على تجاوز بعض المقاطع البالغة الحزن حد الفتك والتدمير، لوقت قراءة أخرى:

وكان ذلك القران المتوحّد الغريب، بين عذوبة لغة متدفقة آسرة، مبطنة بحمولة مأساوية تنوء بأعبائها لغة النص المفعمة بالصدق وتلقائية الموهبة. مقاطع موت الوالد، الاطفائي الكادح النبيل من أجل راحة العائلة كرامةً ومستقبلاً.. والغياب الموحش الجارح الذي خيّم على العائلة كباراً وصغاراً.. وذلك المزج الموفق الذي يتجاوز ثنائية الذات والموضوع المفتعلة الى حد كبير. وقبل (غرفة أبي) كتاب (قلب مفتوح) الذي انطلقت فيه من عملية جراحيّة، الى أفق سيرة الذات والعائلة وسيرة المرحلة المتشظِّية في القلوب والأحداق. الكتب، الدواوين الشعريّة التي ساهمت في تأسيس مسيرة الحداثة بمرحلتها الثانية في الثقافة العربيّة، على نحو خلاّق بعيداً عن التبشير والإدعاء.

بعض كتبك ربما تنتمي الى كتابة المجزرة أو الكارثة، لكن من غير ان تقع في اغراءات تسويق الأدب الكارثي. انما دخول واستبطان للذوات التي طوّح بها العذاب والتيه بكل معانيه بعيداً، والأوطان التي دمّرتها فيالق قتلة من أبشع ما مرّ به تاريخ البشر قاطبةً.

جميع ما كتبت ليس المصنّف شعراً ودواوين شعريّة كثيرة، وإنما كتبك النثريّة (السير الروائية) مفعَمة بالشعر، كُتبت بمباني الشعر مجازاته وجموح خياله وأحلامه، إنها قصائد سرديّة شعرية بصريّة. أما كتابك (حياة معلقة بخيط) الذي يتوسّل الأحلام، كثيمة ينهض على هذيان خاماتها النص والكتابة، فهو فريد ونوعي في الكتابة العربيّة عامة. الانسان صُنع من مادة الأحلام، حسب شكسبير. انه كتاب يمكن أن يندرج في سياق هواجسك وانشغالاتك، لكنه على حدة. كان السورياليون يكتبون ويرسمون أحلامهم، مفككة متشظِّية، كما هي في المنامات. لكن هذا الكتاب جاء هذيانًا شعريًا حلميًا طويلًا متسقًا جماليًا وفنيًا، على تبعثر مادته وسرَحانها في مراعي الفضاء الزمني والمنام.

***

كتابك الجديد، أو بصورة أكثر دقة روايتك (البيت الأزرق) التي أقرأها الآن، في صيف بلاد الفرنجة، كما عبر مؤرخون عرب قدماء، فردوسية الطقس والطبيعة في ضوء ما نعاني ونكابد في صيف بلادنا، فهي (الرواية) اختبار آخر ومغامرة ابداعيّة تفارق فيها انجازاتك السابقة عليها، باتجاه رواية مركبة (بوليفونيّة) في تعدد أصواتها وسياقاتها السرديّة التي تتخلى عن التكثيف والايجاز الشعريّين، لصالح استقصاء أكثر شساعة لقدرة التعبير النثري عن قلق الذات العاصف بمنحاه الوجودي الميتافيزيقي، أو بمنحاه الاجتماعي التاريخي. معاينة الخراب اللبناني المتراكم، والانهيار العربي الشامل على وتائر شتى من الألم والعقاب.

عقاب الآلهة والتاريخ الذي هو في واقع الحال، عقاب أنظمة الاستبداد والفساد، الطائفيّة والمافيويّة التي هيمنت على لبنان ودنيا العرب عقودًا مديدة شلّت طاقاتها، وكادت أن تخنق فيها حتى روح الابداع الفردي لتحقيق الدمج القسري لكل عناصر المجتمع أركانِه وتفاصيله في مسيرة قطيع العبوديّة والإذعان..

(البيت الأزرق) السجن المعتقل، مكان الحبْس والقهر وتحطيم الارادة الانسانيّة والأخلاقيّة، ليس إلا الوطن والبلاد في أبعادها الواقعيّة والرمزيّة، حيث ينهض السرد وعالمه ومصبّاته الكثيرة، على ذريعة بوليسيّة وتحقيقًا وتنقيحًا لمخطوطة متخيّلة وواقعيّة، يتركها (بول) المغدور من قبل حرّاس الانحطاط وملوك الطوائف. (بول اندراوس) محور السرد وأحداثه، ليس إلا قناع الى حد كبير لعبده وازن وجيله المنكوب، بمراياه المتعددة تعدد الشخصيات التي تضيء وتختفي لتعود أو تعود أطيافها وظلالها، كاشفة الجوانب المعتمة لشخصيّة (بول) العابرة للأديان والمذاهب والثقافات. عابرة للأديان وليس الإيمان، إذ يتجلى ذلك النور الخبيئ من الأعماق المضرّجة بالضياع وغموض الكون. وهي شخصيّة شكلت معظم النخبة اللبنانية والشاميّة منذ الهيمنة العثمانيّة على المنطقة، وحتى مطالع الحداثة، امتد تأثيرها الى كافة أرجاء البلدان العربيّة. وإن خفّ أو تقلص هذا التأثير في مراحل الحروب الأهليّة المتناسلة في خضّم هيجان قطعان الغرائز والاستقطابات المظلمة.

أكاد أقول ان (البيت الأزرق) رواية الاحتراف صنيعًا وتقنية، لو أن ما ينتجه الكثير من محترفي الرواية العربيّة من الفجاجة والسطحيّة بمكان.. أو كما عبّر الراوي «هاوياً حتى في ذروة الاحتراف».

رواية المطاردة الشبحيّة لهباء الكائن وعبوره على هذه الأرض المكتظة بكل أنواع المظالم والأوبئة.

رواية التيه والارتطام..