فصل من رواية “الإمام الغجري” للكاتب السوداني عماد البليك

هوت السيارة من فوق الجسر الحديدي الرابط بين ضفتي النيل الأزرق في العاصمة الخرطوم، ليلقى من بداخلها حتفه على الفور. السيارة ماركة تويوتا لاندكروزر موديل 97 بيضاء اللون. الركاب ثلاثة أشخاص. السائق ومرافقه بالمقعد الأمامي صحفي وروائي. وشخص ثالث في المقعد الخلفي هويته غير محددة بحسب التحقيقات الجنائية، نسبه لتشويه كبير في الجثة والوجه بالتحديد.

التوقيت الساعة الثالثة فجر يوم الاثنين. قبل يومين من نهاية شهر مارس حيث يبدو الطقس في الانتقال من الشتاء إلى الصيف. فالربيع لا حضور له هنا، في هذه المدينة شبه الصحراوية. وفي حين كان الجميع يتنسمون الهواء العليل. مع رائحة أزمنة غابرة تختلط بروائح الأسماك الميتة في أسفل النهر التي أُلقي بها قبل يومين من قبل السلطات في إطار حروبها المفتعلة، ضد التجار. كان الراكب الأمامي، الصحفي، يمسك بالملف الأخير، الورقي. للحكاية الكاملة. القصة التي أنفق ثلاثة إلى أربعة أعوام في فكّ أسرارها الغامضة. يشد الملف شدًّا إليه وهو يتذكر كلمات سمعها في بداية الرحلة وقتها. الحذر ثم الحذر. ومن جديد سمعها في أيام متفاوتة عبر هذه السنين في أحلام مخيفة، يستيقظ منها ليرى أنه في الواقع وليس في الخيال المرعب. بين الكوابيس.

لكنه الآن بمواجهة الموت. والحذر لم يعد له من نصيب معه، لقد قررت إرادة الله العليا أن تختار روحه. أن يذهب إلى السماء أو يهوي إلى الأرض السابعة، كما يقولون أحيانًا. ليس من أمر واضح. ولم تمر سوى بضع ثوانٍ حتى كانت الأجساد الثلاثة قد تهاوت من السيارة. الغريب في الأمر أنها سقطت على الضفة باتجاه مدينة الخرطوم بحري، ولم تسقط في الماء الدافئ، حيث وقعت تمامًا أسفل قصر فخم كان يسكنه ذات يوم نفس الشخص موضوع الملف، الذي ضحى ووهب الشاب. الصحفي. حياته لأجله. فهاهو يموت الآن. أو كما وصفه بعضهم. مات شهيدًا لأجل قضية.

في اللحظات الأخيرة كان يسأل نفسه، وهو يرى نهايته، يعلم تمامًا أنه اقترب او دنا من عالم ثانٍ لا يشبه هذه الحياة الغامضة. قد يبدو مكانًا أشد غموضًا. سوف يفهم كلّ شيء بعد قليل وعليه الانتظار. رأى أنه كان مخطئًا يوم قرر أن يخوض هذه الرحلة، ولكن هيهات، حيث لا ينفع الندم فقد وقعت الفأس على الرأس. بل فصلت الروح عن الجسد. كان يعيد استرجاع صورة واحد من مشاهير الصحفيين في الخرطوم، كان يترأس صحيفة شائعة الانتشار يحررها كلها بنفسه. هذا الرجل الذي انتهت حياته باختطافه من منزله ليلًا ومن ثم قتله ورمي رأسه في جهة وباقي الجسد في مكان آخر. والسبب مقال اختلف الناس حوله. هناك من قال إنه يحرض على العنصرية في وطن أزماته لا تنتهي. وثمة من قال إن جهة ما استغلت الموضوع برمته للتخلص منه. لم تكن هناك إجابة واضحة وانطوى الملف في النسيان مع الزمن.

اليوم هل سيتكرر التاريخ مع قصته؟!مخطئ من يظن أن الأموات لا يبصرون ولا يرون ما يدور في عالمنا. هم يرون كل شيء ويكون لهم موقف وغضب وانفعال. بيد أنهم لا يقدرون على التدخل مطلقًا. يكتفون بالتفرج من وراء بيوت يسكنونها في أماكن غامضة في الفراغ. لا أحد دخلها من قبل ولا يمكن له إلا أن يتحرر من ضيق الأرض وأسر الجسد ليكون حرًا طليقًا. غير أن الروح بمجرد التحرر من البدن، لا تعود قادرة مرة أخرى على التواصل مع الآدميين إلا في محيط عمليات محدودة يطلق عليها البعض تحضير الأرواح. وكثيرون بل أغلب الناس لا يصدق ذلك. لا يمكنهم توقع عودة الروح بأي شكل كان.

الصحفي نفسه كان من المشككين في ذلك الأمر. حتى جاء ذلك اليوم الذي جلس فيه داخل كوخ من الخشب، أثناء رحلته التي وهب نفسه فداءً لها، وكان أمامه ذلك الكاهن الجنوبي يخبره أن الصوت الذي يحدثه داخل الكوخ هو صاحبه. حتى وقتها؛ لم يصدق. برغم أن مقارنة بسيطة له في دماغه كشفت أن الصوت فعلًا يعود للرجل الذي ظلّ يطارد سرّه ويحاول أن يكشف أمره ولغزه. فقد سمعه كثيرًا في تسجيلات قديمة له. جلّها موجود الآن على مواقع الانترنت واليوتيوب، يقوم على تحميلها شباب صغار السن من الذين تأثروا بفكر الإمام سفيان النصري موضوع هذه القضية والرحلة.

***

بعد أقل من 24 ساعة من وقوع حادثة سقوط سيارة اللاندكروزر في النيل الأزرق والتقاط الجثث الثلاثة من داخل حوش قصر الإمام النصري، وقد كان أول من رآها أحد الخدم الذي كان يتمشى في الساحة المجاورة للنهر من المبنى الذي يمتد لمسافة طويلة لا تقل عن كيلومترين من الشمال الغربي إلى الجنوب الغربي مع انحناءة الشاطئ. حدث في ذلك الوقت، أن تجمع عدد من الرجال داخل غرفة طرفية من القصر، لمناقشة أمر هام يتعلق بالتطورات والأسرار التي من المفترض أن الملف قد كشفها. تلك الألغاز التي ظلت حبيسة الكتمان لقرابة نصف قرن من الزمان، بالتحديد ما يقترب من 46 سنة ظل فيها موضوع الإمام النصري يشكّل غموضًا وحكاية غريبة لا أحد استطاع يفككها أو يقترب من حل واضح لها.

لكن اجتماع الرجال لم يكن يتعلق مباشرة، بالملف الذي هو الآن تحت أيدٍ أخرى هي غالبًا الجهة التي نفذت هذا الهجوم، وليس من دليل واضح حول هويتها وربما يتضح الأمر لاحقًا في مقبل الأيام وقد لا يحدث. ليس لأحد أن يعرف أو يتأكد. الملف الذي تسربت أخباره أنه ليس إلاّ 300 صفحة، مطبوعة ومنضدة على الكمبيوتر ببنط 14 إريل، الذي وحسب الرواية التي بات الجميع يعرفها في مزيج ما بين الحقيقة والزيف، يتضمن القصة الكاملة لما حصل ما بعد ذلك اليوم الأخير. أين ذهب الإمام وهل هو حي أم ميت وماذا صار معه بالضبط.

جاء اجتماع الرجال الأربعة في الغرفة بإيعاز من أربعة آخرين من نخبة الحزب المعارض، الذي كان الإمام رئيسه قبل أن تبدأ قصة اختفاءه عن الناس وانفتاح التاريخ الشخصي للرجل باتجاه تأويلات لم يصل فيها أحد لتصور محدد إلى هذا اليوم.هؤلاء الرجالات من النخبة، مختلفون، عن المجموعة الجالسة الآن بالغرفة،من حيث الأفكار والمبادئ، لكنهم لا يمانعون من التجريب إذا كان هناك من سرّ سوف ينكشف عاجلًا أم آجلًا. على الأقل العثور على خطوط تخدم القضية، التي صارت حديث الرأي العام.

مضت نصف ساعة والرجال في انتظار قدوم الكاهن العظيم كابلوز الذي يعتبر الرجل الأشهر في البلاد في عمليات تحضير الأرواح، وهو تلميذ الكاهن الجنوبي الذي التقى به الصحفي والروائي قبل أن يصبح الآن في عداد الموتى. وكما يحدث مرات أن التلميذ يتفوق على المعلم، بغض النظر عن الوسائل المستخدمة، فقد استطاع كابلوز أن يقصي معلمه ويصير أشهر منه ومقربًا من الطبقات النافذة في المجتمع، وخلال سنوات وجيزة بنى أفخم البيوت في العاصمة وصار من كبار تجار العملة الأجنبية، الدولار، وسمسارًا كبيرًا في العقارات، وهي المهن التي تدّرُ الثروة وتضاعفها في البلد.

وبعيدًا عن الفتاوى الدينية التي يحرّم بعضها عمليات تحضير الأرواح وتلك التي تجعلها حلالًا وتضع لها أدلة من النصوص المقدسة في ظل اختلاط المفاهيم وكل يدلي بدلوه. فإن حزب الإمام الذي تأسس على طابع ديني، وبعد بداية لغز الاختفاء الغامض بسنين وجيزة؛ كان قد شهد تغيرات جذرية قادته إلى أن يصبح أشبه بالتجمع المختلط الذي يضم أطيافًا من مثقفين ومنتفعين ورجال دين ومشعوذين، في بوتقة تمكنت من تحقيق نتائج طيبة وتشكيل حكومة وطنية دون الحاجة لأي ائتلاف مع أي حزب آخر، قبل أن يأتي الجيش كالعادة فيسيطر على الأوضاع ويضع قادة الحزب والنافذين في السجون. ولم تمض سوى بضع سنوات إلا واعتدلت الأمور مرة أخرى بتصالح بين الطرفين، وخرج القادة من السجن، لكنهم ظلوا في خط المعارضة، مع الانفتاح الذي أراد به العسكريون أن يجعلوا الحياة السياسة أقل توترًا، إرضاء منهم للمجتمع الدولي الذي كان يفرض خناقًا على البلاد، بعد ان استضافت الحكومة قادة “إرهابيين” – كما تمت تسميتهم في التقارير الأمريكية، جاؤوا قادمين من دول مجاورة وبعيدة.

مثل هذا التحول الكبير، كان الإمام يرغب فيه ذات يوم، أن يرى حزبه يصبح بهذا الملمح المتحرر والمنفتح الذي لا يصنف الناس بناء على موقف أو عقيدة، وكان الوقت مبكرًا في تلك الأزمنة قبل خمسة عقود، إذ لم يشهد الرجل تلك الثورة الضخمة في الحزب. بما في ذلك عمليات تحضير الأرواح التي تتم الآن وبرضى تام من القادة العلمانيين والملحدين داخل المجلس الاستشاري الأعلى للحزب. الذين هم يديرون النقاش الآن حول هوية هذا الصحفي الذي أراد أن يرمي بحجر في البركة الراكدة ويريد للتاريخ أن يعود خمسين سنة للوراء، وهذا لكثيرين ليس بالأمر الحسن، فأي حقائق بخصوص قصة الإمام وما حدث بعد خروجه أو اختفاءه أو غيبته، وغيرها من المسميات التي أطلقت وقتها وإلى اليوم، لن تكون مفيدة الآن، بالأحرى سوف تتدخل في مصالح استراتيجية كبيرة للبعض وتخلط أوراق اللعب، وهذا غير مقبول من ناحية سياسية تمامًا. في كل الظروف فالذي يجب أن يبقى مُفضّلًا أن القضية تراوح نفسها بما اعتاده الناس، بل بالنسيان الذي غلّفها، حتى لو أن ثمة من ينتظر عودة سيده الإمام بأحر من الجمر، كان يرى ذلك من الأقدار الإلهية التي سوف تحدث فعلًا ذات يوم قريب، دون أن يهتم بتقادم الزمان.

 

 

صدرت عن دار أطلس للنشر بالقاهرة مؤخرًا

 

emadblake@gmail.com