حوار مع الكاتبة التركية أسلي إردوغان ترجمة سعيد بن الهاني

لماذا الالتزام؟ كيف لنا أن نجد الكلمات لمقاومة الخوف والدوغمائيات؟

ليلى السليماني ورفائيل غلوكسمان يحاوران أسلي إردوغان عن سلطة الأدب، الحصن الوحيد لمواجهة استبداد الهويّة.

 

أسلي أردوغان Asli Erdogan روائية تركية وصحافية مناضلة في حقوق الإنسان ولدت في إسطنبول سنة 1967، عاشت سنة 1971 توقيف واعتقال والدها النّقابي. وفي سنة 1990 تبعا لدراستها الفيزياء، أصبحت مكلّفة بالبحث في المركز الأوروبّي من أجل البحث النّووي (Cern) بالقرب من جنيف. أما سنة 1993 فقد شهدت ولادة أوّل عمل لها الإنسان المحارة l’homme coquillage. وفي سنة 2003 نشرت عمل المدينة بردائها الأحمر (Act Sud)، أما في سنة 2014 فشهدت اعتقالها لمدة أربعة أشهر في سجن Bakirkôy باسطنبول، لأنّها شاركت كمتعاونة مع صحيفة özgûr Gündem. ظهرت سنة 2018 ترجمتها الفرنسية لروايتها الإنسان المحارة في منشورات (Act Sud). كتبت إسلي اردوغان في “حتّى الصّمت لم يعد حقًّا لك أبدًا” “لا أريد أن أكون شريكة في جريمة قتْل النّاس ولا في جريمة قتْل الكلمات”، إنّ فعل أن تكون لا شريكة في أيَّة جريمة ولأيّ كذبة، هذا هو البحث السّياسي، الفلسفي والأدبي الوحيد. إنَّ مبدأَ كلّ انشقاق، أينما كان وفي أيّة حقبة. إسلي اردوغان في خطّ سلجنستين أوشالاموف، تَهَبُ حياتَها لهذا البَحْث كما لعَمَلِها. هذا الطّريق صعب للغاية في كل نمط مجتمعي، في الاستبداد، سيؤدّي بك ذلك إلى الموت، السجن أو المنفى. إنّ المرأة التي تستقبلنا بخجل مرّت بقرب الأول، وعاشت الإثنين الآخرين.

في مبادلاتنا الأولى، الّتي انحرفت بها نحو دوستويفسكي، التي تلهم رواياته بشكل واضح رواياتي. أدركتُ أنَّه من النّادر لقاء أحد ما، أو كائن دون تسوية شخصيّته لا تنقاد للسّلطة في أي شيء، أو التّفاهة. لم أسمع إن صحّ القَوْل كلمات أكثر صفاء ، أو لم أتقاطع بنظراتي الحقيقية منذ لحظاتي الأخيرة مع Anna politkovkaïaأنا بوليتكوفسكايا، فترة قصيرة قبل اغتيالها، إن اللّقاء بالكاتبة هو مقاومة عظيمة.

 

رفائيل غلوكسمان: حكى لي صديق من روسيا مؤخرا أنّه تشكّل لديه الانطباع بأنّه “فقد” بلده، وهو يراه غارقا في النّزعة البوتينية (نسبة إلى بوتين). هل تشعرين بنفس الشيء وأنت ترين ماذا يصنع رجب طيب أردوغان بتركيا؟ هل تشكل لديكم الانطباع بأنكم فقدتم بلدكم؟

إنّها الكلمة الدّقيقة، فَقْدُ البلد، أتعرف بأنّ تركيا لم تكن أبدا جنّة ديمقراطيّة، فقد عشت تحت حكم مجلسين عسكريين. المرّة الأولى كان سنّي خمس سنوات، الثانية ثلاثة عشرة سنة. أحتفظ بذكريات بارزة. إنّ الشّعور بـ”فقد بلده” هو شيء جديد تماما. حتّى ولو في أصعب لحظات الحُكْم العسكري، لم يكن النّاس يشعرون بذلك ،كلّ النّاس كانوا يعرفون أن ذلك سيكون مؤقّتا، حتّى ولو كان العسكريون متشبثين بالسلطة، كان ذلك عبورا، نَفَقًا، كما لو أنّ البلدَ ينتظر دون تغيير في العُمْق، أن تنهار البنية الفوْقية السّياسية.

ومن ناحية أخرى، في هذه السنوات الأخيرة، إن مصدر يأس من لم ينخرطوا في النظام يعود إلى فكرة أنّهم لم يعودوا قادرين على التّظاهر بالجهل: ينزلق البلد من بين أيديهم . تصنع الإيديولوجيا، التحوّل الاجتماعي الفارق بين الحكم العسكري، وحكم من قبيل حُكْم أردوغان، اعتباطية القمع كذلك. كان أمْرُ فَهْمِ العسكر بسيطا، يُمكننا استباق تحرّكاتهم في السُّلطة. مِثْل دَبَّابة، يسحق النظام العسكري أدنى معارضة ،إذ من السّهل تقريبا معرفة من سيتِمّ توقيفه، متى ولماذا. كلُّ ذلك من شأنه أن يُشْعلَ الثَّورة، وهذا له دلالة. اليوم في تركيا دخان كثيف يُغَلِّفُ الأوعاء والوقائع. لم نعرف من سيتمُّ توقيفه ولماذا. هذا العبث في القمع يُخْضِعُ شعبا ويحوِّلُه في العُمْق. لم نعد أبدا وبشكل جماعي غارقين في القاع أقل ممّا سبق بل ازددنا، وأنا أخجل حقًّا لما أصبحنا عليه الآن.

 

ليلى السليماني: هل تشكَّل لديكم الانطباع الآن الانتساب إلى أقليّة؟ هل كان لديكم سابقا هذا الشعور؟

أسلي أردوغان: لم أنتسب أبدا إلى أي شيء في تركيا، حتى ولو إلى “أقلّية”. استوعبت باكرا أنَّني (أجنبية) غريبة، كيف أقول ذلك بكل جذريّة. إذا قلت لكم إنّني يهودية، شركسية، هذا ليس حقيقي. أبي كان شركسيا وأمي من أسرة يهودية استبدلت ديانتها بديانة أخرى. إذا قلت لكم أنّني تركية، هذا سيرنُّ بشكل سيء في أذني. ربما الحياة ستكون بسيطة أكثر عندما أنحاز إلى مجموعة محدَّدة بشكل جيِّد، وهذه راحة لم تكنْ لديَّ. ربما باعتباري امرأة؟ وحدها نساء تركيا يستحيل تقريبا تحديدهم كمجموعة: إنَّنا مختلفين جدّا الواحدة عن الأخرى، وينقصنا بشكل خاص التّضامن. توجد حركة نسائية قوية في تركيا، ولكن ما هو تأثيرها على غالبية النساء؟ لا شيء تقريبا، كما أعتقد.

وإما في حالات قليلة. كما في مناسبة قتل امرأة بالخصوص، حيث أتذكرها بشكل جيد: هذه المرة: استطعنا نحن المدافعات عن قضايا المرأة أن نحمل رسالة ونحرِّك المجتمع.

 

 ليلى السليماني: قلتِ “نحن”.

إسلي أردوغان: أنا لست عضوة في أي مجموعة، ولكنّني كتبت مقالات، أحافظ على العلاقة مع بعض المناضلات، اشارك في تظاهرات، يعطونني ملفَّات بفضلها يمكنني أن أكتب، مثلما وقع في اغتيال النِّساء، أتظاهر عندما يكونون بحاجة إليّ وفي هذه الحالة الخاصَّة، هؤلاء النساء تم اغتيالهن لأنهن كانوا نساء. لقد كانت حقبة مهمّة. لكن، ما عدا ذلك، أي علاقة من المفروض أن تكون لديّ مع امرأة متعصّبة عاشقة لأردوغان؟

 

ليلى السليماني: باعتبارك كاتبة، لك الاختيار بين روايات محايدة أو الالتزام. لماذا، رغم هذا الشعور بأن تكون أجنبية عن كل شكل جماعي ألا تشعرين بالحاجة إلى المقاومة؟ لماذا تقاومين عندما لا نعترف بأي مهمّة جماعية؟

أسلي أردوغان: ربما بسبب طفولتي، وعنفها في لحظة خاصّة. كنت في سن الخامسة رايت أبي يحمل بندقية ويهدّد أمي. دون أن أفكّر قفزت ووضعت يدي وراء زناد البندقية، لقد خفض بيده سلاحه. وأحسست بخطر استعجالي وضرورة التدخّل، والسّلطة، وإمكانية إنزال البندقية بمساعدة يد فتاة. هذا هو بدون شك الالتزام السّياسي. هذه اليدُ التي استدعتها الوضعية التي يمكن أن تنتصر أحيانا بمعيار. وأنا أكبر، صدمت عندما لاحظت أنَّ الآخرين لا يقفزون وهم أيضا في مواجهة الآخرين. إن الأمر متجذّر بعمق في.. إذا كان أحدا وقد وجد نفسه في مأزق، ساعدوه. هذا هو الدّرس الأول الذي أعطته لي الحياة: قد تقفز فوقكم بعض الوقائع ،وعليكم أن تتصرّفُوا كردّ فعل، تمدّوا أيديكم. عندما يموت عشرون سجينا في إضراب عن الطعام، في بلد من المفترض أنّه بلدكم، ليحدث شكلا كارثيا برقم قياسي دولي، فهل هناك شيئا آخر نفعله أحسن من الكتابة عن هذا الأمر؟ الاستعجال يناديكم، ولا يمكنكم ألّا تقولوا “متأسف، سأعود إلى منزلي وأنهي روايتي”. سيكون لديّ شعور خيانة الفتاة الصغيرة ذات الخمس سنوات، وكذلك أدبي الخاص. إذا كُنْت قد التحمت بالحروف كمهنة، بطريقة نفعية، كان عليّ أن أتصرّف بشكل مختلف. لدي ثلاثين عاما من التجربة: أعرف أيّ نوع من الكتاب يباع، ويترجم إلى عشرين لغة ، ويحصل على مدائح توافقية. لم أعمل ما يتوقّعه القارئ الغربي من المؤلف التركي. لم أكتب لوحات جدارية عثمانية، هذه التّسلية الفولكلورية ليسَت هي أدبي.

ليلى السليماني: عدَّة مؤلفين أتْرَاك هل يلتزمون معكم، حيث الغالبية يتمترسون داخل رواياتهم وهم يؤلفون مع وجود حكم مطلق يمرّعبر جهل ماكر لحضوره؟

أسلي أردوغان: الاثنان، العديد من الناس يقولون بأنّ هذا يكفي، يجب منذ الآن أخذ الكلمة. ولكنّ الأمر يتعقَّد أكثر فأكثر من ناحية التّعبير عن النّفس منذ خمس سنوات. كانت هناك العديد من الأماكن متاحة يمكنك أن تصرخ فيها. اليوم، الوشوشة الأكثر صمما يتمّ سماعها كاحتجاج كبير، وستغامرون بأنَّكم ستتعرّضون لعقوبة قاسية، إذا عبّر أيّ أحد عن اختلافه مع الحرب ضد الأكراد بعفرين سوريا مثلا، فإنه يخاطر بنفسه في السّجن، بل يعرّض نفسه للقتل. إن ردود أفعال النّاس ملتبسة: يتراجعون أحيانا، وأحيانا أخرى يتقدّمون، ويجرؤون على رفع أيديهم في مواجهة البندقية التي أصبحت دولتنا، لنسجّل بمرورنا أن المعارضين هم أيضا أحيانا وطنيين وضدّ الأكراد، ومن المنطقي أن نجد أنفسنا وحيدين عندما نغامر بالاحتجاج ضدّ هذه الحرب.

رفائيل غلوكسمان: تماما، ليس فقط إردوغان وايدويولوجيته التي تشوّش عليكم. إن صورة الآخر ليس صورة ممقوتة من طرف الداعمين الوحيدين لـ AKP (حزب العدالة والتنمية التركي)، إنّها الصورة المركزيّة لكل رواياتك من بينها الرّواية الأولى. إن هيمنة شعورك الخاصّ بالغرابة؟ لماذا اكتشاف كلّ هذه الهوامش التي يحاول المجتمع محوها؟

أسلي أردوغان: حتى قبل أن أكتب عن الأكراد، يكرهني الأصوليون في السابق. باعتباري امرأة ربما؟ (تضحك). لا أفعل ذلك بطريقة واعية. لا زلت مصدومة من طرف بعض ردود الأفعال اتّجاه القصص التي أحكيها. أقارن إنّه إرث لماضي أنا كباحثة – اندهاشي للطريقة التي أكتشف بها Rutherford وجود نواة نووية: كان يقوم بمجرد تجربة بسيطة بإرسال بعض الجزيئات على ورقة معدن ،ويحصل على نتيجة غير متوقّعة. وصف هذه التجربة بقوله أنّها كانت مثل قطعة من الورق أُرسلت له قذيفة مدفع. أعتقد أن كتاباتي هي كذلك: أرسل فقط بعض الكلمات، وأحيانا قذيفة مدفع تنبثق في المقابل كي تحطّمني. لماذا هذا الردّ من الفعل عنيف بهذا الشكل؟ أكيد بسبب عجزي عن التّماهي مع أي كان ومع السّلطة كيفما كانت، حتى مع الفكرة نفسها للسلطة التي تجد نفسها هي العنصر الأساسي للنّفسية التّركية: إن زملائي يصلون بشكل جيّد إلي حدّ التّماهي مع السّلطة، والمنتصر، إنهم يكرهون الخاسر وأنا يهمّني هذا الخاسر.

ليلى السليماني: أحبّ أن أوجه لكم السؤال الذي سيبدو ربّما غريبا. قبل أن آتي هنا، سألتني صحافية، أنا مغربية وكتبت نصوصا صعبة جدا عن المجتمع المغربي. طلبت مني الصحافية إذن بنفاق ديني “ولكن أتحبّين بلدك؟” بالنّسبة لي كان هذا غريبا، لأنّني أحبّ النّاس، ولكنّني أسخر من.. ومن ثم ، أريد أن أطلب منكم: هل تحبّون بلدكم، وخاصّة ما رأيكم في هذا النّوع من السّؤال؟

أسلي أردوغان: الحبّ هو كلمة كبيرة جدّا إلى حدّ أنّها تقارع مساحة الصحراء. يمكننا أن نجيب بسهولة كبيرة جدا بنعم أو لا “.

ليلى السليماني: الشيء المدهش هو أنّه لا نطلب من الفرنسيين إن كانوا يحبّون بلدهم أو لا.

أسلي أردوغان: لأنهم يتخيّلون أنّنا نأتي من قرية صغيرة، وأنّنا ننتمي إليها نفسا وروحا، ومن ثمّ، فإنّنا لا يمكننا إلا أن نحبّها أو لا نحبّها. وإذا ما انتقدناها فإنّنا لا نحبّها كما لو أنّني أنا وأنتِ ، لا يمكننا أن نكون مثلهم. أتحبّون فرنسا؟ ولكن ما معنى فرنسا؟ إنّها كبيرة جدّا، إنّها لا نهائية. كذلك الأمر بالنّسبة لتركيا، سأحاول الإجابة بقولي لكم ما هو البلد في نظري. في مختلّف اللحظات التي عشتها في حياتي، كانت لديّ أجوبة مختلفة. في le Mandarin miraculeux (الموظف دو الألقاب العجيبة). كتبت أن تركيا لم تكن بالنّسبة لي إلا مجموعة أشخاص لا يمكنني التحدّث معهم، وأنا أحتاجهم. بعد أن كتبت هذه الجملة، سقطت شخصيتي الرَّئِيسة على زجاجة صغيرة من ماء ذي الرائحة الطيبة رديء النّوع، على الرّغم من أنّ هذا الإبداع التّركي لن يكون كذلك، فإنه حاضر جدّا في ثقافتنا. في هذه الزّجاجة البلاستيكية، يوجد تخطيط كبير لمنطقة البوسفور، وبدأت تبكي. بطريقة معيّنة هذا هو البلد: زجاجة ماء الكولونيا الرّخيص ورسم الكيتش. حتى وإن كان جوابي قابلا للتّغيير من دقيقة لأخرى، هناك دائما شيئا ناقصا. وأكيد، فعلا، اللغة أكثر من أي شيء آخر. التّركية هي لغتي الأصلية، وبعد ذلك جاءت الإنجليزية، لكنّني لا أتقنها بما فيه الكفاية كي أستعملها في الأدب.

ليلى السليماني: بفرانكفورت، حيث تعيشين، تتاح لكم أحيانا فرصة الحديث بهذه اللغة التي تسكنكم؟

أسلي أردوغان: لا، لديّ قلّة من الأصدقاء، وأحيانا هم أكراد. هناك اليوم عدد كبير من المنشقّين الأتراك الذين يعيشون في أوربّا كلّها، قلّة منهم موجودين في فرانكفورت. هناك جالية كبيرة في ألمانيا حتْما، لكنهم مهاجرون من الجيل الثاني والثالث؛ لا أعرف كيف علينا أن نسمّيهم الآن. إنّ الجماعة التّركية في ألمانيا تكرهنا، نحن المنشقّين (تضحك) يمكن أن يقتلوننا، ما علينا إلّا أن ترى نتائج آخر استفتاء دستوري سنة 2017. إنّ الجالية التّركية بألمانيا وفرنسا شاركت بقوة وصوّتت لصالح أردوغان، فرجّحت كفّة الميزان لصالحه.

رفائيل غلوكسمان: هذا التصويت المكثّف من أجل أردوغان للأتراك الذين يعيشون في فرنسا وألمانيا، وهم يتلقّون نتائج اختياراتهم التي يقومون بها. عندما سيتلقّى الكثير من الأتراك نتائج هذا التصويت في تركيا.. لقد أحْدث ذلك سجالا…

أسلي أردوغان: هذا أمر عادي أن يُحْدث ذلك سجالا، لأنّ المسألة صادمة للغاية. كل النّاس كانوا يعتقدون إنّ الجيل الأول من المهاجرين الذي عرفوا أكثر التّمييزات هنا، والذين واجهوا صعوبات كبرى مع الّلغة . ستقودهم قيمهم الثّقافية وسيصوّتون لصالح حزب العدالة والتّنمية. لكن لا، إنّه الجيل الثّالث، الذي ولد هنا، مرّ أحيانا من الجامعة، وقدْ صوّت بكثافة لصالح أردوغان. جيل يتحدّث بشكل جيّد اللّغة الألمانية أكثر من اللغة التّركية؛ لقد عرفوا عنصرية أقلّ بالمقارنة مع أجدادهم، فينتسبون أغلبهم إلى الطّبقة المتوسّطة أو الطبقة المتوسّطة العليا. ومع ذلك، فقد صوّتوا لحزب العدالة والتنمية، تاريخ تركيا الكبيرة، للامبراطورية المفقودة من أجل عودتها، هذا يباع دائما بشكل جيّد كذلك، وبوتين كذلك يبيع روسيا الكبيرة المفقودة، التي تمت خيّانتها ، ويبقى الأمل في استرجاعها، وترامب بأمريكاه الكبيرة والتي عليه أن يرفعها من جديد. إنّ الناسَ يحبّون هذه الأساطير. يريدون الانتساب إلى شيء كبير على حساب أي شيء آخر. فبحزن دون اسم أراد أطفال ولدوا في فرنسا أو بألمانيا، في الديمقراطية أن ينتسبوا إلى هذه الأسطورة القمعية لبلد آخر..

ليلى السليماني: أنت بعيدة جدا عن الهويّة الذّكورية، ولهذه الاستيهامات المتعلّقة بالهويّة الوطنية. أنت المعارضة: امرأة، حرّة، عالمية…

أسلي أردوغان: ولكن لماذا بهذه القوّة يوسم هذا البحث الهويّاتي؟ هذا ما لا أستطيع فهمه. كيف يمكن لبلد أن يكون مخمورا جدًّا بنفسه، إلى درجة يصبح فيها مفتخرا بقساوته الخاصّة؟ استمعوا إليهم، إنهم يفتخرون بكونهم عنيفين، أنّهم هنا “الأتراك الدّمويون” . إن الرؤية الغربية لتركيا ، هذا الاستيهام هو الآن قد تحمل مسؤوليته الأتراك أنفسهم. كما لو أنّهم يستولون على الصورة الرّهابية التي كانت لدى الغربيّين عن أنفسهم كي يطالبون بها. إذا كانت تركيا اليوم تفاوضية بشكل واضح، ربما سيغيّر ذلك خلال عدّة سنين مواطنينا المفتخرين ، كي يعترفوا بالجريمة الحربية الأرمينية بكل ارتياح. الافتخار. سيقولون إذن: “نعم، قمنا بها! لقد كان لنا الحقّ في ذلك ولنفعل ذلك من جديد!”

ليلى السليماني: بهذه الواقعة، ألا تعتقدون أنّ النّساءَ لهم فقط دور كيْ يلعبوه ضد هذه الهويّة الذّكورية؟ هل للحركة النّسوية المكان للتّعبير عن نفسها وبناء هويّة أخرى أو هل تعتقدون أن ذلك مستحيل؟

أسلي أردوغان: إنّ الحركة النسوية التركية قديمة جدّا، وتعود إلى بداية القرن التاسع عشر. بدأت في محيط المدينة اليونانية سالونيك theessalonique بشكل أساسي مع النّساء اليهوديات أو اللّواتي غيّرن دينهنّ. لهذه الحركة إذن تقليد قديم لكنّ النّماذج التي استوعبتها النّساء التركيات هي جد متناقضة ومعقّدة من حيث تعديلها، حيث تجعل تغيير المجتمع التركي ّصعبا. مثلا: أين نُمَوْضع النّزعة الكمالية Kémalisme حول احترام النّساء؟ إن الأتراك صوّتوا على ذلك قبل الفرنسيّات ، لكنّنا نرى جيّدا أن الفرنسيّات لهنّ سلطات أكبر من الأتراك. من جهة أخرى، المطار الثاني لاسطنبول يسمى Sabiha GÖkçen، اسم ربّان الطائرة الحربية في التّاريخ التركي. كانت من أي أصل؟ أرمينية، أخذها أتاتورك بين جناحيه، وتبنّاها. كبُرت وهي متشبّعة بايديولوجية كمال أتاتورك والايديولوجية العسكرية. لقد كانت أرملة ذكورية جدًّا، مقاومة، وماذا قصفت؟ قصفت الأكراد. إنّه تاريخ تركي تماما. ومرّت سنوات بعد ذلك، كتبت الصحافية الأرمينية Hrant Dink الحقيقة عن هذه البطلة التّركية، بتذكيرنا أنّها كانت أرمينية: فقتلوها.

 

رفائيل غلوكسمان: عندما نقرأك وننصت إليك نحسّ أنّ هناك شيئا خاطئا (زائفا) في الحداثة التّركية، حتى قبل أردوغان، وأنّ بعض الأشياء قد تم إخفاؤها تحت السجادة، مثل جريمة الإبادة الأرمينية أو المسألة الكردية، وأنّ ذلك قد يتَّخِذ بصعوبة شكلا من الكذب.

أسلي أردوغان: تماما، أعتقد حتّى وأنا أكتب جملة عن ذلك: تحت عمارة الجمهورية التّركية، هناك القبْو، حيث جثث الأرمن، الأكراد والسّريان. إن مجتمعنا قائم على مقبرة. في هذا الموضوع، إن حديقة Gezi غيزي باسطنبول، هل تعرفين ماذا كانت في السابق؟ مقبرة أرمنية. أحسست، خلال تمرد غيزي، أنّنا كنّا ملعونين، وأنّنا سنخسر ما دمنا كنا واقفين على قبور أرمينية. يحدُث هذا أحيانا في تركيا. يفعلونا اليوم مع القبور الكرديّة: يأخذون الجثث ويرمونها في مكان ما.

ليلى السليماني: تعرفون بالتّأكيد بالنسبة للحداثيين في المغرب بل حتى في الجزائر، تمثل تركيا نموذجا. كان ذلك بالنّسبة لنا وسيلة لرؤية أنّ الديمقراطية والإسلام بإمكانهما أن يتصالحا؛ كذلك الأمر بالنّسبة للإسلام والدّنيوية والعلمانية، لقد كان ذلك منْبعا كبيرا للأمل وأصبح اليوم خيْبة كبيرة، إننا مسكونين بخوْف أن يكون كلّ ذلك مجرد وهم. ما رأيكم في الدّنْيوية والعلْمانية بتركيا؟ هل هذا واقع réalité؟ هل سيقاوم الأتراك ذلك الأمر؟

أسلي أردوغان: يبدو لي أنّ المجتمعين البولوني والإيطالي أكثر تديّنا من المجتمع التركي، إنه شعور معيّن. أنا لست سوسيولوجية، إن تركيا العميقة ليست متديّنة إلى هذه الدرجة، إنها تقليدية أكثر. ما هو مختلف جدّا، عدد كبير من الأتراك لا يعيشون حسب تعليمات القرآن أو تبعا لما هو أعلى. إنهم نفْعيون جدا. منغرسون في يومياتهم. يعتبر المعنى لديهم للخير والشر اصطناعيا. إن ذهنيتنا فاسدة تماما. لا للسرقة، لا للقتل، الوصايا العشر: لا أحد يقلق بشأنها، على النساء أن ترتدي بحشمة، لا يجب عليكم أن تشربوا الخمر، وهذا يكفي، مع الصوم مّرة في السنة ،هكذا نحن متديّنون تماما في تركيا، لا يمكن للأتراك أن يشيّدوا نظاما على الشّريعة وحدها، ومن ثم، تكمن الضّرورة بالنسبة لأردوغان في اللجوء إلى الشّوفينية حتى ولو دخلت في تناقض مع عقيدته الإسلامية، ومن ثمّ، فإن الطّابع الهجين للايديولوجيا التي يفرضها لتقوية سلطته. لن تصبح تركيا أبدا إيران، على ما أعتقد…

رفائيل كليكسمان: كذلك المجتمع الإيراني ليس متديّنا جدا أبدا. في طهران، في بعض الأحياء هم غير متديّنين بعنف، ومع ذلك، فرض نظام المولا نفسه وعاش…

أسلي أردوغان: صديقة نصيرة الحركة النّسوية شرِسة مقاومة، كانت في إيران وأحبّتها، معكم الحق. قلت لها لا أريد الذّهاب إلى بلدٍ حيث أكون مجْبرًا على حمْل الحِجاب، فقد أجابتني أنّني أرى هذا الأمر من وِجهة نظر أوروبيّة. لكن هذا الأمر فيزيائي، لا يمكنني أن أذهبْ إلى هناك…

 

ليلى السليماني: مثلكم، لا يمكنني أن أذهب إلى بلد سأضطرّ فيه إلى حمْل الحجاب. إنّه فقدان للحرية، أريد أن يكون لديّ الاختيار. إذا أرادت أي امرأة حمْله، فهي حرّة لفعل ذلك. لكنّني لا أريد باعتباري امرأة ألّا أحمل ما أريد.

إسلي أردوغان: نعم، أنا أيضا، شَعْري ينتسب لي. ليس جميلا، انظرا إليه، إنّه حقا قبيح (تضحك) لكن ماذا تريدون، إنّه مملكتي، أريد أن أكون ذلك الشّخص الذي يقرر بخصوص هذه العلاقة مع جسدي، مع شعري، عيناي، أظافري. رفضي غريزي، عندما ألج مسجدا أو معبدا هندوسيّا أغطّي شعري، أحترم ذلك، لكن في مسجد في مصر، كان شعري غير مغطّى، وقالت لي حارسة بِشَرِّهَا اتجاه الأجانب “لا، لا يمكنك أن تدخلي هكذا” فحملت لي معها بوركا. رفضتُ بطريقة حيوانية فيزيائيا، ولكن وبشكل غرائزي، لا يمكنني أن أنزعه عن امرأة أخرى ما طُلب منّي فعْله عندما كنت مساعدة في الجامعة، وأنّ الكماليين في السّلطة قد مرّروا قوانين ضدّ الحجاب في الجامعة. جاءت عندي إحدى تلميذاتي لرؤيتي، كان علي أن أفرض عليها خلع الحجاب، فقط وببساطة رفضت فعل ذلك. لا يمكنني أن افعل ذلك لامرأة أخرى: الأشياء كانت واضحة: الحرية كانت مرْشدي الوحيد. الآخرون حملوا الحجاب إذا أرادوا، أنا لا أريد ذلك، لا أريد ذلك.

 رفائيل كليكسمان: تحدثت عن ثورة Gezi جيزي، خلال محاضرة قمنا بها سويّا، قلت: “أعتقد أنها كانت الأيام السبعة عشر الجميلة في حياتي”، ولاحظت أنّك وأنت تقولين ذلك، كانت عيناك تلمعان. ما كان مهما، وهو أنك باعتبارك كاتبة، وعندما تأخذين الكلمة أو تكتبين، نشعر بعزلة عظيمة. بينما هنا، فجأة تنتسبين لجماعة بطريقة بديهية.

إسلي أردوغان: هذا واضح في كتاباتي الشّعرية. أذهب إلى تظاهرات 8 مارس 19 ماي كل سنة في تركيا، وكل مرة أكتب خصوصا في 1 ماي، لأن هناك عنف بوليسي أكبر، كل مرّة توجد امرأة في كتاباتي ،مضاعفي بشكل من الأشكال. إنّها منعزلة. إذ تلتقي بمجموعات كثيرة. لماذا. لماذا تمشي مع هذا أو ذاك؟ تلعب حول تفاصيل أشياء صغيرة، ابتسامة، لقاء. إنّ الأمر مختلف جدّا عن الكتابة السّياسية المُلتزمة والمبرهن عنها. لا يوجد ربّما إلا في مقالتي عن 8 آذار حيث “النحن” حاضرة ،لكن في مقالتي عن جيزي Gezi، هناك ضمير ال”نحن” الذي يتجاوز الكل. إنّ هذه المرأة لم تعد وحيدة. إنها جزء من مجموعة الغاب. وهذا بالتأكيد ما بجعل هذه اللّحظة ثمينة جدّا في حياتنا: كل النّاس شعروا بذلك. لم تكن هناك هويّات. كان ذلك راقيا. تتخلّى عن هويّتك في مدخل الحديقة: كاتب، أستاذ…

كان للبعض رموزه الجماعاتية (الهويّاتية) أو شعارات أحزابهم السياسية. كانوا أحرارا في كتابة ما يريدون . كان للبعض لافتات بشعارات فردية. كان هناك كلّ شيء. كما كان هناك ضحك كثير بفضل الشّباب. كان هناك شعور بالوحدة والتّكافل (التزامل). صعب عليك أن تشعر بالوحدة في مجموعة “شعرية”. كان الأكراد منفتحين جدّا، بالتّأكيد لأنهم يتوفّرون على تنظيم أفقي، أكثر مساواة. في الحرب الديمقراطية للشّعوب HDP (الحزب الثالث في تركيا، المتجذر في اليسار والمدافع عن الأقلّية الكردية). كل منصب يقتسمه اثنين: رجل وامرأة، وأحيانا كردي وغير كردي. إنهم يشدّدون بالتّالي على أنهم ليسوا بحركة كردية. ففي جيزي Gezi لم تكن هناك حواجز. طبعا، لقد كان الأمر مثاليا شيئا ما، وقعت حوادث، أحد الكماليين (من أتباع كمال أتاتورك) طعن كرديا، ولكن بالمقارنة مع عدد من النّاس الذين تمّ تحريكهم –أكثر من خمسة ملايين- كانت هناك استثناءات، وبالتالي لم تستمر جيزي سوى سبعة عشر يوما. مثلما في الفيزياء: لم تكن هذه وضعية عادية. لكنها وضعية راقية. بينما في الطّبيعة، لا شيء يبقى في مستوى الدّينامية المرتفعة، كلّ شيء يسقط. هؤلاء الناس لا يمكنهم أن يبقوا مجتمعين دائما، فقط أيّام قليلة مسروقة من تفاهة الاستبداد. بعد ذلك، كل الناس يعودون إلى وضعيتهم العادية، بإيديولوجيتهم الخاصة، وشعورهم بالارتباط. هذا ما كان جميلا في جيزي: منذ الأيّام الأولى، نسي النّاس مشاعر انتمائهم.

 

رفائيل كليكسمان: نعم الواحد مع الآخر. الحرب القديمة بين الرّجال والنّساء لم تكن هناك أبدا. لا تحرش من أي نوع. كان النّاس رائعين حقا. كذلك الأمر بالنّسبة للنّساء. كنّا تقريبا في منأى عن الأجناس. لم تكن هناك لعب للسلطة بين المجموعات. كان ذلك مدهشا. في لحظة من الفضل الجماعي. ثورة ذهنية.

ليلى السليماني: أريد أن أطرح عليكم سؤالا عن السّجن. عندما كانت سنّي عشرين عاما، سُجِن أبي؛ وعندما خرج كان يكرّر لي دائما بأنّ الأدب كان مهمّا جدا بالنّسبة له وراء القضبان. إنّ فعل أن يكون قارئا كبيرا قد ساعدهُ على تحمّل سجنه بسبب أنّه كان يتوفّر على عوالم أخرى يسافر إليها، أتذكّر أنّه كان يقول لي ذلك ربما من أجل أن يحميني. كنتُ متأكّدة أنّ ذلك ليس حقيقة. إنّ الأدب لا يمكن أن يفعل شيئا من أجل إنسان في السّجن. ومن ثمّ، أشدّد على طرح السؤال. هل فعل أن تكون كاتبا أو كاتبة ساعدكم؟

 

أسلي أردوغان: نعم؛ تجربة شخصية، ما تمكّنت من ملاحظته عند مئات السّجناء السياسيين يؤكّد ذلك. لكي تبقى حيّا، عليك أن تحتجز واقعك، والوسيلة الوحيدة للوصول إلى ذلك، هي القراءة وهذا من جهة أخرى يعتبر بمثابة نصيحة نقدّمها لكل سجين جديد: هناك شيئان وجب القيام بهما في السّجن، إذا كنتم تودّون البقاء على قيْد الحياة، القراءة وممارسة الريّاضة. كلما بقي السجناء على قيد الحياة طويلا، كلّما أصبحوا قرّاء مدهشين.

خلال لحظة من اللّحظات، يبدؤون الكتابة، ينتج السّجناء الأتراك عددا كبيرا من الكتّاب. Selahattin Demirta سيلاحتان ديمترا قد بدأ في الكتابة داخل السّجن. السّلطة تعلم ذلك، الآن لا يُسمح إلّا لعدد قليل من الكتّاب. عندما كنت في السجن، لم يسمحوا إلا بخمسة عشر. الآن سبعة.

 

 ليلى السليماني: والكتابة؟

أسلي أردوغان: بالنّسبة لي، إنّ الأمر جدْ معقّد بخصوص الكتابة في السجن ، لم أكن في الزنزانة مثل Ahmet Altan أحمات ألتان؛ كنت في عنبر مزْعج جدّا: أربعة وعشرون شخصا في فضاء ضيّق. في السّجن، إنّ الفضاء والزّمن لا تمتلكانه، يمكن أن يرنّ هاتفكم ثمانية أو تسع مرّات في اليوم: زيارة إلى غرفة الاستقبال، محام… كنت دائما منزعجة من ذلك. هناك تفتيش الحراس. ليس هذا مخيّما للعطلة المدرسية: لن يتركوك هادئا مطمئنا. يجب عليك أن تكون منضبطا بشكل كبير كي تخلق هذا الفضاء. أحيانا كثيرة كنت مقسّمة إلى أجزاء منكسرة جدّا كي أركّز. كان تركيزي منصبا على محاكمتي. السجناء الآخرون حذروني مما يلي: “لا تفتح ملفّك إلّا قبْل أربعة أسابيع” هو خطأ يقوم به عدد كبير من السّجناء: يتحدّثون باستمرار، في داخلهم مع الوكيل العام. إنّ الحِقبة الأصعاب تسبق النّطق بالحكم. بمجرد ما تدانون، يعتبر ذاك الأمر جدّ سهل.

 ليلى السليماني: هل لديكم ذكريات نصوص وروايات سبق لكم أن قرأتموها منذ مدّة طويلة؟ قرأت أن Ahmet Altan أحمات ألتان، الكاتب والصّحفي المحكوم عليه بالمؤبّد والذي أشرت إليه، يتحدّث عن انبعاث قراءات قديمة كان قد عشقها عندما كان مراهقا.

إسلي أردوغان: تعوزني بعض الكتب بالخصوص، وبالتالي، فإني طلبتها، أريد مثلا إعادة قراءة بول تسيلان. أريد كذلك أن أعيد قراءة “في انتظار البرابرة” لكويتزي En Attendant les barbares لـ Coetzee ،ربما بسبب أنّه لديّ ذكرى غائمة من أوصاف الزنازن ومشاهدة التّعذيب. وكذلك قرأت الشواه Shoah، كنت الوحيدة التي استعارت هذا الكتاب من المكتبة.

 

ليلى السليماني: إنّه لمن الفضولي مع ذلك أنّكم ألححتم على كتاب من أجل وصف عبور الزنازن والتّعذيب، كان بإمكانكم أن تكون رغبتكم في قراءة العكس، أشياء كان عليها أنْ تُخْرجَكم من السجن

أسلي أردوغان: صحّ ذلك في الاتجاهين، Shoah عمل على تنسيبي (ضحك). في هذه اللحظة، طالب الوكيل القضائي (النائب العام) بالحكم المؤبّد ضدي. كنت أفكّر بالانتحار. قلت لأمي والمحامي أن يعملا على أن يخبرا السّلطات من هنا إلى حدود سنة أنّني سأخرج، إما على رجلي أو على السّرير نائمة للأبد. والرئيس اردوغان على علم بذلك. حاول من شاركوني السجن أن يقْنِعونني بالتخلّي عن ذلك، وخصوصا مناضلات الحزب الكوردي PKK بالخصوص، اللواتي اكتشفن جثّثي. كان ذلك صدمة كبرى رهيبة. هناك انتحارات كثيرة في السجن. عندما كنت هناك. ذبحت صديقة صديقتي في عنبر نومي، هذه الصديقة التي تعمل مصفّفة شعر كردية من الشرق التي أدينت بثمان سنوات، بسبب مشاركتها في تظاهرة 8 آذار. لم تبك خلال عدّة أيام. تقوم بممارسة أنشطتها اليوميّة وتفهم عندما يتمّ الكلام معها، لكن عينيها كانتا فارغتين. انتهت إلى الخروج من هذه الحالة. إنها امرأة قويّة جدّا. وقفت من جديد على رجليها ستة أيّام بعد ذلك، حتى وإن استمرت النّدبة. ليس الأمر سهلا دائما بالنسبة للسجناء عندما ينتحر واحد منهم: من يبقى منهم ينكسرون.

ليلى السليماني: ومن ثمّ فإنّكم تنتمون أخيرا إلى جماعة في السّجن؟

أسلي أردوغان: طبعا، عليك أن تنتمي إلى مجموعة معّينة. أنا دائما انفعالية عندما أثير السجن. أو عندما كنت أقوم برقْصة الباليه، أحبّ كثيرا إزميرالدا Esméralda حسب فيكتور هوغو راقصة وجدتْ نفسها سجينة. لقد تمَّ توْقيفي في نفس أسبوع توْقيف امرأة روسية شابّة من أجل قضية مخدّرات. انتحرت في ليلة القبض عليها. لم أرها أبدا؛ فقط كنت في المكان الذي شنقت فيه نفسها. أتخيّلها دائما كراقِصَة سابقة. ومن ثمّ، فكّرت في تاريخ الباليه عن تهييئ الانتحار (الاستعداد للانتحار). إنها إعادة كتابة إزميرالدا. أعتقد أنه الباليه الوحيد الذي يوجد فيه تنفيذ الإعدام هو تاريخ بالنّسبة لي.

 

عن المجلة الأدبية الجديدة الفرنسية عدد 5 لشهر ماي السّنة 2018، ص 16/22

كاتب ومترجم مغربي

benhanisaid34@gmail.com