سبعُ قصائد للشاعر الروماني يون دياكونيسكو – ترجمة خالد الريسوني

يون دياكونيسكو

أنتِ صدى القصيدة ذاتُهُ

 

تنجلين مثل صدى القصيدة،

كما لو كنتِ صرخة ودهشة

في الآن ذاته

كما لو كنتِ

التواطؤَ بين القناص

والأيائل.

أو خزي شخص ما

أمامَ المرآة.

أو قطرات ندى

على كعوبِ العذارى

وقد تحجرت في الانتظار.

تنجلين مثل صدى القصيدة

التي كتِبتْ بدمي،

بالأراضي الخصبة،

بِحُبِّي،

بالحقد الذي يتملكني أحيانا،

باليأس،

بكل الأحلامِ المُتأبِّدَة.

أنت صدى القصيدة ذاته.

 

نجمة من أرق

 

أتيت من بعيدٍ جداً

دعني أستحضرُ الريح

هذا يثري آمالك

أو أبتهلُ للسماء التي تغطي

عينيك الزرقاوين المضاءتين بسهام

الصباح.

أنت تقولين لي أنه ما زال هناك شيء ما

مثل مملكة صمت

حيث الحركة تتحجرُ

لأجل الانتظار.

قوس قزح آخر يود المرء أن يراه

مزهرا على جبين الإله

متسترا بين قلوب مجهولة.

أخشى من كل ذلك

لم تتبق سوى دمعة

وقدومك من بعيد

مثل نجمة من أرق.

 

نشوة العدم

 

عظام هذه السماء، هياكل عظمية بلا ظلال

تتلاشى في أوقاتِ النيلوفر

على المياه التي يقع عليها

ضوء آخر، وثمارٌ أخرى

مثل ألوهية للعدم

منتصرةٍ في حكم النجوم

الساقطة في البلاء.

وبعيدا، أبعد من الهوى

يتحولُ الخوف إلى هناء لمَّا لا تستطيع كلمةٌ غيرُ مُتلفظٍ بها

أن تخدع تخوم تساقط الثلج

وآثارا مجهولة عن وجه اللحظة،

إذ تولدُ ندوبا وصرخة

يمكنُ سماعها مثل استعادة.

هذا العدم، هبوبٌ ناعمٌ

على عيون الملائكة المضجرين والباردين

إنهم يسمِّمُوننا بهذا القدر من الانتصارات

ويلبسُوننا بأسْلابَ الفجر

وببدايات خادعة

وبأشباح وظلال مهيبة.

 

اليقظة الكبرى

 

كمْ هو ثقيلٌ

وكبيرٌ بشكلٍ مُفرطٍ

الجناحُ المخصَّصُ لهذه الرِّحلةِ،

والذي ربما هو الأطول.

نحو هناء الألغاز المُتَحَقِّقة

فوق الهوَّاتِ الصَدَفيَّةِ

جسورٌ وظلالٌ مترابطةٌ تسقطُ

وجراحٌ تتحوَّلُ إلى أزهارٍ

على سارية سفينة ستأخذنا

إلى ضفَّةِ الليل المحاصر

بِجدران العزلة.

كم هو ثقيلٌ الجناحُ الأخيرُ

عند اليقظة الكبرى من الصرخة

التي تنحدرُ

نحو كلمةٍ لم تنطقْ بعدُ

لكنها قد صارتْ مبللةٌ بالندى.

 

اعتراف

 

أن ينبثق المرء من ذاتهِ -شكلٌ

من العواء

لمَّا لم يعد الربيعُ الهامسُ يتعرف عليك

عادت رحلة قنص في البردِ المُعْدي،

في الخيانة التي وحشيةً التصَقَتْ

بالشِّفاهِ التي نسيتْ منذُ زمنٍ طويلٍ

القبلة الحارقة

أنا أعرف أشياء كثيرة

عبر الذاكرة تعلمتُ رقصَةَ العاصفة

والرائحة التي تبقى وراءها

بسبب الوحوش الكامنة

لكن لا أحد يستطيع أن يقتلعَها

مهماز الشك

وبهلوانياتُ الفكر

في منتصف طريقِ الصَّمْتِ والعِقَابِ

أن تخرُجَ المرءُ من ذاتِهِ

ليس له عودةٌ

مع صرخَاتٍ وذِكْرَياتٍ

حينئذٍ ستعرفُ الكلابُ الودية كيف تقتلعُ

عَظْمَ الخوفِ الأشدَّ نُعُومَةً

أواه، لا، لقد انتهيتُ للتوِّ من تدريبِ العزلة

كيفَ تتعرف عليَّ

 

رحلة

 

إلى شقراء قطار الواحدة إلا ربع

من ستراسبورج إلى باريس،

لن أراها أبدا بعد ذلك.

هي تقرأ “دير شبيغل” وسُطورُ المجلة

قد تحولتْ إلى سكة حديدية

تسافرُ فوقها النظراتُ الدافئةُ

نحوي

دونما أيَّةِ قيودٍ.

كانت تزعجُني

رمالُ الزَّمَنِ

الذي كانَ يضيعُ مع كلِّ توَقُّفٍ،

مُعْلنٍ كعقابٍ

منْ سائقٍ جِدِّ دقيقٍ.

شقراء قطار الواحدة إلا ربع

من ستراسبورغ إلى باريس،

لم تنْزِلْ قطُّ،

في ايِّ محطَّةٍ.

 

ساعة الرمل

 

تنسابُ الرِّمالُ، تنسابُ،

الرجل بين العطش والصَّرخة،

في المنفى المتبقي

بلا جوابٍ

يمكنُ التَّحدُّث عن الولادة

في الصَّمْتِ المُتَناسِخِ،

الألم يستغيثُ من أجلِ مساعدةِ مستشفيات الثلج،

تنتظرُ يدًا، كلمة، شرابًا قاتلاً،

ليلة ُمِنْ شذا الشِّفاه،

محطةَ أصواتٍ تثقُ فيها

كَأبٍ مُحِبٍّ.

تَنْسَابُ الرمالُ، تنْسَابُ،

طابَقٌ مِنَ الهواءِ بين السَّمَاءِ والأرضِ،

أوَّاه، الخسْرانُ، معبَرٌ عَذْبٌ،

مثلَ قبلةٍ كاذبة في فَمِ

العدم.

 

يون دياكونيسكو: شاعر من رومانيا، ولد في تيرغو لوغريستي سنة 1947. نشر العديد من الأعمال الشعرية: آلة لتصوير الروح 1981؛ وحل من ضباب 1985؛ أبديَّة اللحظة 1986؛ قناع الصوت 1987، نحوُ الصدفة 1991، برهانُ العزلة 1993، بلاغة المرآة 1995، صفرٌ حركي 1995، نجمة السهر 1995، حديقة الصحراء 1997، جرح العتمة 1998، حفلة التيه 2001، الصدى اللامجدي 2002، العدم 2007، أجنحة الضوء 2009، لعنة الشاعر 2011، الدمعة الآتية 2013.

وفقا لغيليفك، “إن الشعر يون دياكونيسكو هو بحث عن طريقة لكي يحيا المرء في الآن ذاته العالم بشكل كامل والذات نفسها. إنه في الآن نفسه البحث والخوف من الغريب. حساسية شعرية جميلة وهبة الصورة التي ترفع اليوميَّ إلى ذروة الأفق المحلوم به “. ويقول عنه رافائيل ألبيرتي: “في قصائده، يتم رسم شفافية المياه الصافية في تلك الساعة الملغزة عندما يطفو من الأعماق الوجه اللايسمى للعميق والغامض. وبهذه الرعشة المثيرة والواضحة والسحيقة، قرأت قصائد يون دياكونيسكو، وشعره يعزز هوامش الكتابة الشعرية الحقة”.

“… يقال، مثل الحبة، مثل البيضة، مثل الحيوان المنوي، والكلمة هي التي تؤسس العالم، لأنها جوهر الكائنات والأشياء، وحالُها الطبيعيُّ أو تلك هي مسبِّباتُها ذاتها. ذاك ما قاله سبينوزا لكي يثير الانتباه إلى المادة التي تمثل البداية ذاتها التي يشتقُّ منها الشيء كينونته. وفي اللسانيات الهندية القديمة، يتم تمييز المادة عن الأصوات واللمس والألوان والرائحة والذوق، لأن هذه الأخيرة خصائص جوهرية، أي أن المادة تمثل أساساتها …”.

 

خالد الريسوني شاعر ومترجم مغربي، (الدار البيضاء، 1965) حصل على الإجازة في الأدب العربي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان سنة 1988، اشتغل سابقا أستاذا للغة العربية وثقافتها بالمعهد الإسباني سيفيرو أوشوا بطنجة. شارك سنة 1985 في المهرجان العالمي للشباب والطلبة بموسكو، كما ساهم في مهرجان الشعر المغربي بشفشاون خلال عدة دورات. التحق باتحاد كتاب المغرب سنة 1986. يتوزع إنتاج خالد الريسوني بين الكتابة الشعرية والدراسة الأدبي والترجمة. نشر كتاباته بعدة صحف ومجلات ومغربية وعربية مثل: المحرر، العلم، البيان، القدس العربي، كيكا، العربي الجديد، الثقافة الجديدة، نوافذ، البيان، نزوى، الدوحة، مشارف مقدسية …إلخ. يعد الاشتغال على الترجمة رهانا أساسيا في مشروع خالد الريسوني، إذ من خلاله يعبر عن رغبة في تشييد جسور التواصل بين ضفاف المتوسط، إذ أنجز عددا مهماً من الترجمات الشعرية لشعراء إسبان وشعراء من أمريكا اللاتينية إلى لغة الضاد. وممّا صدر له في هذا الصدد:ـ

– الرسو على ضفة الخليج (بالاشتراك): أنطولوجية للشعر المغربي والإسباني، الجزيرة الخضراء، 2000

– عن الملائكة/ رفائيل ألبيرتي، منشورات وزارة الثقافة 2005

– يومية متواطئة / لويس غارثيا مونطيرو، منشورات وزارة الثقافة 2005

– تلفظ مجهول ويليه: ابتداع اللغز، خورخي أوروتيا، عن منشورات ( ليتوغراف) بطنجة 2007

– لالوثانا الأندلسية، رواية للروائي الإسباني فرانسيسكو ديليكادو، عن منشورات( ليتوغراف ) بطنجة 2009

– اليوم ضباب، خوسيه رامون ريبول، عن منشورات( ليتوغراف ) بطنجة 2009

– زوايا اختلاف المنظر يليه: كتاب الطير والسكون المنفلت، كلارا خانيس، عن منشورات ( ليتوغراف) بطنجة 2009

– الأعمال الشعرية المختارة، لفيديريكو غارسيا لوركا، عن منشورات( ليتوغراف ) بطنجة 2010

– الكتاب خلف الكثيب، لأندريس سانشيث روباينا، عن منشورات( ليتوغراف ) بطنجة 2010

– مائة قصيدة وشاعر، خوسيه مانويل كاباييرو بونالد، منشورات سليكي أخوين، 2012

– وصف الأكذوبة يليه: يشتعل الخسران، أنطونيو غامونيدا، منشورات بيت الشعر في المغرب، 2012.

آخر ما أنجزه الريسوني العمل الشعري الموسوم بـ: خلوات وأروقة وقصائد أخرى يليه: حقول قشتالة، للشاعر الإسباني المرموق: أنطونيو ماشادو، و “بإيجاز” للشاعر الإسباني ليوبولدو دي لويس، ويستحق العَناء للشاعر الأرجنتيني: خوان خيلمان، وكسيريات، يليه: ملاك الظلمة وأسرار الغاب للشاعرة الإسبانية كلارا خانيس.

 

raissounikhalid@hotmail.com