أربع قصائد للشاعر الدانماركي بيني أندرسن، ترجمة عن الدانماركية مصطفى إسماعيل

Benny Andersen 1929- 2018

حياتي كمهاجر

 

كان ذلكَ في صباحِ نوفمبرٍ مظلمٍ وبارد

حين أتيتُ إلى هذا العالم

مُهاجراً صغيراً ومُرتعشاً من برد الشمال،

نازحاً من موطني الاستوائي

حيثُ كان متوسطُ درجة الحرارة

حوالي الـ 38 درجة مئوية في الظّلْ،

وحيثُ كان بإمكاني هناكَ السباحةُ بأمانٍ ليلَ نهار

في لترين من محيطِ مزاجي الصغير.

حياتي الأسبقْ

حضنها الدفءُ.

كتلةُ غبطةٍ رقيقة.

دندنةُ امرأة،

اُتضحَ لاحقاً أنها صوتُ أمي.

صوتُ آلةٍ وتريةٍ مُطربة

جعلني أتقلبُ في ماء الرحم

عرفتُ لاحقاً إنه صوتُ آلة البانجو العائدة لأبي.

كلّ شيء كان متوفراً هنا

ولم يكن ضرورياً فهمُ كل شيء

تخيلوا حجمَ الصدمةِ إذنْ

آن اُستبعدتُ من فردوسي الاستوائي

ونُفيتُ إلى منطقةٍ قطبيةٍ في الشمال.

ربما كانت الحرارةُ هناك في جناح الولادة

في مشفى المملكة

20 درجة مئوية وربما 21 درجة،

أما أنا، فلقد كنتُ متجمداً وعارياً تماماً.

جحيمٌ متجمدٌ وجاف

وكذلكم الأصواتُ الصارخةُ عالياً

بلغةٍ غير مفهومة.

مُقاتلةٌ ترتدي ثياباً بيضاءْ قلبتْ قاعَ الهواء عليّ

ودفعتني في مرفقي.

هناك فقط حرارةُ فرقعةٍ معروفةٍ

بين الردفين،

حيثُ يواجهُ الرُضّعُ فعلاً صعوبةً

في رؤية الفرق بين الأعلى والأسفل.

أصبحتُ أكثر ارتباكاً

حيالَ مجموعة المجانين الصاخبين هؤلاء

والذين ينتصبونَ على رؤوسهم

مؤرجحين الأذرع في الهواء

عارضين أسنانهم.

العونْ

فكرتُ.

الآن أخرجُ

فكرتُ.

الآن رسوتُ بين هؤلاء الهمجِ

فكرتُ.

أهو غريبٌ حقاً أني أصرخُ؟.

وكلما صرختُ أكثر

صاحوا بأصواتٍ أعلى.

كانوا يتصارعون عليّ

و همْ يمسحونَ عني البللَ الدافئ الأخير

بالخرق الناشفة.

تعذيبٌ نقي.

فيما أنا أصرخ وأصرخُ

أمْ- أمْ- مام

لم يكن بمقدوري أن ألفظ

أمنستي إنترناشونال.

لم يكن من شأن ذلك مساعدتي

لأن أمنستي لم تكنْ موجودة حينها

في ذلك الصباح البارد والمُعتم من نوفمبر 1929

سنة الأزمةِ والانهيار

حينَ طُردتُ إلى هذا العالمِ البارد.

لكن تدريجياً تم دمجي

تعلمتُ هذه اللغة الطريفة

كبرتُ

انتقلتُ إلى منطقة أخرى

حصلت على عملٍ وسيارةٍ وعائلة.

أصبحتُ تدريجياً كأيّ واحد منهم

حتى أني بتُ أحلم في لغتهم

ارتبطتُ بهذه الأرض الخاصة

رغم أن ليس كل ما يحدث هنا

يحظى بإقبالٍ بالغٍ مني،

لكني في سفراتي الخارجية الطويلة

غالباً ما أشردُ مفكراً بهذه البلاد،

كما لو أني فعلاً انحدرُ منها،

في حين أن ذكرى بيتي الأوّل

بحيرتي الأمْ

أصبحتْ حلماً بعيداً غير واقعي

أصبحتْ أسطورةَ دندنةٍ لطيفةٍ متقطعة،

تمتمةً ناعمةً في صَدَفة العقل العميقة.

الآن، بلغتُ سناً

يمكنني من عَدّ السنوات

إلى أن أُنفى مرة أخرى

إلى عالمٍ آخر

أتعلّم فيه بعدُ لغة جديدة

وأدرسُ عاداتٍ جديدة.

مقارنة بكل ما أعرفه سابقاً

قد لا تكونُ تلك لغة

وقد لا تكونُ تلك عادة.

لقد حصل المرءُ إلى الآن

على الكثير من الغموض

والمعلومات المتناقضة.

هذا لا يسمح للمرء بانتظار كل شيء

لكي لا يسمي شيئاً على الإطلاق.

أترى هناك الآن أيضاً بردٌ وصخبٌ في بلادي الحالية

كما حينَ مجيئي إليها؟

هل يُستقبلُ المرءُ أيضاً هناكَ على الحدود

من قبل مجموعةٍ من المجانين الصاخبين يرتدونَ البياض

مع سيقانهم في الهواء؟

أو

هل هناك حرُّ الجحيمِ وصمته؟

لا أحدَ لاستقبالِ أحدْ

هل المرءُ لا أحدٌ

كما لا آخرين هناك لاستقبالِ أحد؟

التقاريرُ الوحيدةُ المؤكدة التي نملكها عن المكان

تذهب إلى أنه وخلافاً

للبلدان المختلفة الأخرى،

هناك في هذه البلادِ سياسةُ للاجئين والمهاجرين

متطورة ومتسامحة للغاية.

إنه أمر نادرٌ للغاية

أن يتم رفضُ شخصٍ ما على الحدود.

 

بطاقة بريدية

 

لنْ أتصلَ بكِ بعد الآن

لسماع صوتكِ قريباً جداً،

دون التمكن من شمّ شعرك،

الحديث معك متسللاً إلى بشرتك،

غائصاً في يديك،

ومناقشاً قضايا هامة مع شفتيك.

عندما قلنا وداعاً

وقفتُ خَرِّساً ومُحدقاً في الأنبوبِ،

إنه نموذجٌ مُصغرٌ من قبري

بخلاف ذلك، رائعٌ جمالُ المكان هنا

مع السوسن المُزهر والحُبَاحب المُضيئة

الصنوبر والنخيل ولحم الخنزير المقدّد من بارما

والجنّة النقية.

الأسوأُ على تخوم الموت

هو أن يشعرَ المرءُ أنه نابضٌ بالحياة كثيراً.

لذا لن أتصل بك بعد الآن،

لكن اتصلي بي في أسرع وقت ممكن.

 

أمسيةُ صيف

 

شجرتان تهمسان خلسة معاً

في الجزء الخلفي من الحديقة.

الأنهارُ ذاتُ الظلال الطويلةِ

تجري في العشبِ

لكن ذلك يستمرُ طويلاً

قبل الغروبِ الكامل للشمس.

من هوائيّ التلفاز على السطح

يقدم الشحرورُ خطاباً بارعاً.

لا يحتاجُ المرءُ لأن يكونَ خبيراً في

صوت الشحرور

لأجلِ فهمِ ما يدور حوله الخطابُ.

أي أن اليومْ هو اليومُ

الذي صارَ أفضلَ من الأمسِ حتى

لكن الغد – ببساطةٍ – سوف يحطّمُ

كلّ الأرقام القياسية.

يدكِ في يدي

بينما الشمسُ تشعُّ من الفرحِ

كطفلٍ صغيرٍ

حصلَ على الإذنِ

للبقاءِ طويلاً في الأعلى.

 

مناطق نائية

 

المرءُ يبحثُ عن كلمة

ويجدُ لغةً.

المرءُ يُقبّلُ فماً

ويتزوجُ شعباً.

المرءُ يحفرُ في الحديقةِ

وينخرطُ في مواجهةٍ على كوكب.

المرءُ ينظرُ مندهشاً

والمرءُ ربيعٌ.

 

هذه القصائد مترجمة من المجموعة الشعرية “هذا المجيء والذهاب” Denne Kommen og gåen

الصادرة في 1993 عن دار النشر الدانماركية بورغن في كوبنهاغن.

* بيني أندرسن، الذي توفي يوم 16 آب 2018، أحد أبرز الأسماء في الشعر الدانماركي الحداثي والسرد، حيث بدأ مسيرته الإبداعية بقصيدة نشرها في مجلة “هريتيكيا” (الناطقة باسم الحداثة الأدبية الدانماركية في الخمسينيات) عام 1952، ليصدر لاحقاً عشرات الكتب في الشعر والقصة والرواية وقصص الأطفال.

من أعماله: الثعبان الموسيقي (1960)، كاميرا مع مدخل المطبخ (1962)، الوسائد (1965)، معرض بورتريه (1966)، أوراق شخصية (1974)، على الجسر (1981)، هذا المجيء والذهاب (1993)، قصائد مبعثرة (2005). وقد نال أندرسن العديد من الجوائز الأدبية الرفيعة في الدانمارك منها: جائزة النقاد (1966)، وسام إميل إستروب (1984)، ووسام هولبيرغ (2001).

مصطفى إسماعيل مترجم كردي سوري، مقيم في الدانمرك منذ 2014، نشر مجموعة شعرية بالعربية  “بحيرة الغبار” – دمشق 2006.

mbismail2@gmail.com