موراتينوس عن مهرجان أصيلة: الثقافة والفن في خدمة التنمية

شهادة ميغيل أنخل موراتينوس، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإسباني سابقا، في الاحتفال بالعيد الأربعين لموسم أصيلة الثقافي الدولي تموز (يوليو) 2018. تنشر هنا بإذن خاص من منتدى اصيلة الثقافي.

 

Miguel Angel Moratinos

ستحل هذه السنة الذكرى الـ40 منذ أن خطرت ببال صديقي العزيز محمد بن عيسى فكرة عظيمة بتنظيم مهرجان للثقافة والفنون في مدينته أصيلة، من أجل تقييم تاريخ وحاضر ومستقبل هذه المدينة الصغيرة، الواقعة في شمال المغرب، عن طريق الثقافة والإبداع.

هكذا أقدم محمد بن عيسى سنة 1978 على رهان شجاع ومحفوف بالمخاطر. و لنتصور أنه عندما أطلق هذا المشروع، أثيرت حوله العديد من القضايا من قبيل: لماذا لا تستخدم الثقافة والفن كمحركين للتنمية والتقدم؟ لماذا لا نجعل من ما هو “غير نافع″ منفعة ذات”فائدة” استثنائية؟ كما يقول المفكر الإيطالي العظيم، نوتشيو أورديني Nuccio Ordine. لماذا لا نحول مدينة صغيرة توجد في شمال المغرب، إلى موعد سنوي إجباري، للتأمل في ازدهار المراحل الجديدة وتطور “الحداثة”؟

لقد تم بالإيجاب الجواب على كل هذه الأسئلة، وبالتالي جاءت هذه المبادرة المبتكرة. حيث لم يشهد المغرب، ولا الفضاء المتوسطي آنذاك، مشروعا بهذا الطموح، يكون قادرا على الدمج بين الفن والروح المبدعة الخلاقة، كمحركين للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لمنطقة برمتها. ومنذ ذلك الحين، تحولت المدينة العتيقة أصيلة، وعلى مدى أيام، إلى فضاء للتفاعل واللقاءات الاجتماعية، وللتبادل الثقافي والتحاور.

وكانت الفنون التشكيلية أحد الأبعاد التعبيرية الأولى التي اختارها بن عيسى ورفيقه الفنان محمد المليحي منذ البداية، حيث تحولت المدينة إلي فضاء ملموس

من خلال التعابير الفنية. في البداية، تمت دعوة مجموعة من الأصدقاء الفنانين المغاربة للصياغة على جدران المدينة العتيقة، بالتعاون مع سكان المدينة، وذلك بهدف تنشيط السياحة، وتعزيز تفاعل المواطنين مع الفضاء الحضري. لكن، إلى جانب اللوحات الجدارية الرائعة المرسومة في الأزقة الضيقة لمدينة أصيلة، بدأت تنضاف عناصر تعبيرية جديدة أخرى إلى المعرض الجداري البسيط، كالحوارات الثقافية، واللقاءات الفنية، والمنتدبات الفكرية والعلمية والأدبية.

وبذلك انضافت الحوارات الثقافية، في مواضيع الفن والفكر، إلى تلك الأيام الصيفية التي كانت تجذب فنانين وجمهورا من كلتا ضفتي حوض البحر الأبيض المتوسط.

كانت تلك المرحلة هي الفترة التي شغل فيها صديقنا بن عيسى حقيبة وزارة الثقافة في حكومة الملك الحسن الثاني. ولاحقا سيتقلد بعدها مسؤوليات جديدة على المستوى الوطني والدولي، وقد دفعته بطبيعة الحال، مسؤوليته على رأس وزارة الشؤون الخارجية، إلى استخدام الدبلوماسية الثقافية لمدينته لتقديم بلده إلى المنطقة المتوسطية والقارة الأفريقية وإلى العالم.

إن علاقتي بالمهرجان، بالرغم من كونها طويلة، يمكن اعتبارها حديثة، إذا أخذنا بعين الاعتبار المسار الطويل الذي سلكه المهرجان. كانت أول مشاركة لي في المهرجان المذكور، عام 2004، خلال السنتين الأوليتين لي كوزير للخارجية الإسبانية. لقد كانت تلك السنتان بمثابة مرحلة لمّ الشمل والمصالحة بين المغرب وإسبانيا. وقد ترجـم الوزير بن عيسى تلك الرغبة الطبيعية للشعبين، بشكل صحيح، من أجل عودة البلدين إلى توطيد أواصر الصداقة والتعاون.

لقد شكلت دعوته لي نجاحا كبيرا. فقد رحب بي سكان أصيلة بكل ود وصداقة. وأنا بدوري، حاولت أن أردّ لهم نفس الاحترام والمودة، بنفس القدر الذي استقبلوني به. فمنذ عام 2004، وحتى العام الماضي، كان حضوري في أصيلة موعدا سنويا إجباريا. و قد مكنتني مشاركتي خلال هاته السنوات الثلاث عشرة الأخيرة، من ملاحظة تطور هذا المهرجان. لقد تمكن مهرجان أصيلة من معرفة إضافة لمواضيع ذات أبعاد جديدة للملتقى. فبالإضافة إلى مواضيع الفن والثقافة، خصص المهرجان خلال كل سنة جلسات موسعة لمناقشة القضايا الكبرى الراهنة، مقدِّما بذلك برنامجًا عالميًا ومتعدد التخصصات. وتبقى المواضيع المقترحة ممتعة وتجسد لوحدها الرؤية الواضحة التي كانت لدى بن عيسى وفريقه إزاء التغيرات الكبيرة التي يشهدها العالم، وتشهدها منطقتنا المتوسطية بأكملها.

لم تغب عن برنامج المهرجان القضايا الأكثر إثارة وحساسية مثل: قضايا الهجرة و قضية اللاجئين و مواضيع الإرهاب أو الأزمات السياسية المنبثقة عن الربيع العربي، بالإضافة إلى عدم الاستقرار الدائم في الشرق الأوسط. علاوة على كل ذلك، فقد نوقش بصراحة ودون مواربة،موضوع الأزمة الأوروبية ومستقبل البحر الأبيض المتوسط، وصولاً إلى أكبر الحوارات السياسية العالمية مثل موضوع الديمقراطية والشعبوية، ومكافحة التغيرات المناخية، وتحديات الطاقة، وأهداف التنمية المستدامة، أو مشاكل صدام الثقافات والحضارات. وباختصار، نوقشت جميع القضايا المتعلقة بمستقبلنا المشترك و التي تؤثر فيه.

بالنسبة لي، كانت أصيلة دائمًا، مصدر إلهام ومعرفة، شهدت فيها صحوة القارة الأفريقية، ومكنتني من الاتصال بالزعماء والمسؤولين السياسيين في تلك القارة، وهو الأمر الذي سهّل مهمتي الدبلوماسية والتفاوضية، عندما اضطررت في وقت لاحق، للتعامل مع بعض المنازعات صعبة الحلّ في ذلك الجزء من العالم. اعتبرت وبوضوح ،أن مهرجان أصيلة يمتلك مؤهلات أفضل من ملتقى “دافوس″؛ فالروح التي تسود التبادل الفكري للملتقى، وحرية التعبير ومستوى الانفتاح والاحترام المتبادل، أمور يصعب لمسها في مؤتمرات أخرى من هذا النوع. لقد استحقت مدينة أصيلة بذلك كل التقدير، بالنظر إلى مستواها الفكري المتفوق، وبالنظر لكونها واحدة من المنتديات القليلة التي تناقش فيها شخصيات من جميع أنحاء القارات بكل حرية، مستقبل البشرية. ففي هذه المدينة الصغيرة المتاخمة لأوروبا، يلتقي أفارقة وعرب، ومشاركون من حوض البحر الأبيض المتوسط،وأوروبيون وأميركيون،وآسيويون ومشاركون من أمريكا اللاتينية، يلتقون ليؤكدوا أنه من الممكن في القرن الحادي والعشرين أن يحترم بعضنا البعض،وأن نحقق بذلك الهدف المتمثل في إقامة تحالف بين الحضارات والثقافات، الذي لازال يعتبر عند البعض مجرد حلم خيالي.

تهانينا على هذه الأربعين سنة من العمل المتميز، وعلى هذا التفاني من أجل خدمة السلام والتفاهم بين الأمم و بين شعوب البشرية جمعاء.

نأمل أن يستمر المهرجان في الدفاع عن هاته القيم الأساسية، حيث تغلب كفة الفن والثقافة والفكر أمام المصالح القصيرة الأمد، وحيث يتحوّل ما كان يبدو في البداية أنه “غير نافع” إلى حاجة مفيدة وناجحة.

شكرا لأصيلة و شكرا لمحمد بن عيسى على كل هاته السنوات من الإثراء الثقافي.