عشر قصائد للشاعر العراقي عدنان محسن

1

 

أنا شاعر

أعرفُ جميع مواهبي

لا أستطيع

أن أكتبَ شيئاً من هذا القبيل

عندما يستبدّ البرقُ بأصابعها

ينتشرُ الظلامُ في راحتيّ.

عندما تمشي هي وحدها

أراني كرةً أرضية

تدور حول نفسها مرّةً

ومرّات حول الجميع.

ليس بإمكاني القول

إنّ أصابعي تقترف الكثير من الأخطاء

ولعابي عاجز عن السيل

تعلو فمي حنجرة عزلاء

عندي يدٌ واحدة

صالحة للاستخدام

والثانية تُستعمل لمراسيم الوداع وحده.

لو كنتُ أملك ما يكفي من الموهبة

لقرأت قصائدي

على أشباح ترطن بأكثر من لغة

ولأنني هكذا

أكتبُ أشعاري

ببساطة أسمالٍ تلبسني

 

2

في حفلة تنكريّةٍ

كان عليّ أن أمثّلَ دوراً أعرفهُ

ملابس جلجامش واسعة عليّ

وعصا شارلي شابلن تذكّرني بالخيزران

لحية كارل ماركس كبيرة في وجهي

وصلعة لينين لا تناسب أنفي

فكّرتُ بغليون جان بول سارتر

لم أجد “سيمون” لهذا الدور

لم أجد في الأرشيف صورةً واحدة لأنكيدو

كي ألعبَ دور الصديق الذي يموت

فذهبتُ إليهم عارياً

في فمي سيجارة

وفي رِجلي حذاءٌ مثقوب

قلتُ لنفسي

عندما يهطل المطر

تتجمع المياه تحت أقدامي

حينئذِ أمثّل

دور الماشي فوق الماء

 

3

أعرف هذا جيداً

ذات يوم

سأدخل موسوعة غينيس

كلّ أرقامي قياسية

في الطب العدلي

عثروا على جميع أضراس العقل سالمة

وعلى أحلام غير نافدة المفعول

جميع أعضائي

كانت صالحة للاستخدام

وصحيفة أعمالي تقول

ولد في عام الفيل

أول من مسك خرطومه من العرب البائدة

عاش في المدن الكبرى

ونام في شوارعها

كي يكتبَ جملةً واحدة

لا محلّ لها بين الأَعراب.

 

4

في الحانة

أحتفلُ بعيد ميلادي في اليوم الواحد

أكثر من مرّة

صاحبة الحانة تعرفني

لكنّها أعلنت أمام الجميع

إنّها لم تسمع بجلجامش

وأقسمت بأغلظ الإيمان

أنّ أنكيدو

كان في زمن المراهقة

ينتظرها عند باب المدرسة

سنّ حمورابي شريعته

كي يتسنّى لها الزواج من ابن عمّها

وسبقَ لها أن التقت هارون الرشيد في شوارع روما

اعتنق هنري الرابع الكاثوليكية كي يخطبَ ودّها

اكتشف كولمبس الأمريكيتين كي يكبر في عينيها

وقام نابليون بونابرت بجميع حملاته في العالم

ليشتري لها باقةَ وردٍ تليق بأصابعها

وفي سفينة نوح

راودها هذا الأخير عن نفسها

طلب لينين يدها من أبيها

انتحر بسببها عددٌ لا يحصى من الشعراء

كانت تكبرني بخمسة أعوام

وستة أشهر

وثلاثة أيام

لكنّها تسمّيني يا صغيري.

في الحانة

أقضي نصف أوقاتي مع العدميين

ومن أُحيل على المعاش من الثوريين

ومن عادة الكلّ

تدوين جميع ما فات أوانه

وأحياناً

نقيمُ وليمة كبرى للنسيان.

 

5

أنا مثلك يا نيرودا

أشهد أنني عشتُ طويلاً

ضحكتُ كثيراً

وبكيتُ كثيراً

دخّنتُ بالنيابة عن ثلاثة أجيال قادمة

وشربتُ ما يكفي حتّى قيام الساعة

رأيت جزراً

وبحاراً

ومحيطات

في الربع الخالي

كدتُ أقيم حفلة عرسي

ابتكرتُ أبجديةً للغياب

وأتقنت خطوطها

للنمل

رويتُ جميع طرائفي

وللأشباح حكايتي مع النساء

في النهر

رميتُ ما تبقّى من الذاكرة

وعدتُ إليهم كما خلقني ربّي

اقترفتُ عدداً لا يُحصى من الخطايا

ولم ترتكبني سوى أخطاء

لا تليق بغيري.

 

6

البارحة

مثلما يرى النائم في نومه

وجدتُ نفسي في مجلس عزاء

أقامه لي

من تبقّى من أفراد العائلة

رأيتُ أمّي

بملابس عرسها تتوسط الجميع

بينما أبي

كعادته

كان يغسل سيارته الجديدة

لم ألمح جارتنا الطيبة

وفاتني أن أسمع شتائمها للمرّة الأخيرة

ورغم أنني متُ غريقاً

لم أرَ نهراً

لكنني

رأيتُ جميع من أحببتُ من النساء

إلّا واحدة

قيل لي إنّها في مكانٍ ما

في هذا العالم

كانت توزّع القهوة على الغائبين

وحين تسنح لها السانحة

تحصي لهم بعضاً من مناقبي.

 

7

قبل يومين

مات كلبُ جارتي الطيبة

أقاموا له عزاءً كبيراً يليق به

كنتُ مع الحاضرين

وكان الجميع يكيل المديح

لنباح المغفور له

إلّا أنا

كنتُ في زاويةٍ

تذكّرتُ موتَ مغفور له أيضاً

أعني أبي

عند موتهِ

كنتُ بلا إنصاف وحدي

أرتلّ ما قاله لي

وهو يقودني بيديه إلى المدرسة

 

8

عن طريق التجربة

صرتُ أعرف

من في صدره قلبٌ فارغ

أحياناً من مشيته

وأحياناً من جلسته

عندما يضع رِجلاً على رِجل

ويعلن للجميع بيقين العارف

إنّ الأرض تدور

وأحلامه

ما زالت على الرفّ ثابتة

 

9

مثل قطرة في كأس فارغة

مثل صرخة ضلّت طريق الحنجرة

مثل زهرة في حديقة خالية

مثل امرأة تتوحم في آخر عمرها

مثل حاكم أكرهه

ومحكوم يكرهني

مثل مقبرة تليق بكلّ الذين أحببتهم

مثل قلب اتّسع للجميع وضاق بصاحبه

هي تلك الوحشة

التي تراودني عن نفسها

كلّما وجدتُ نفسي في طريق

لا تؤدّي إليّ.

 

10

هذه حكاية الصبي

الذي يرفض أن يكبر

عندما يتعب من الانتظار

يشتري ساعة عاطلة

وكلّما حدّق بعقاربها

قال لنفسه

ما زال الوقت متّسعاً

كي يفوت الأوان.

هذه حكاية الرجل

الذي عاد إلى نفسه

ولم يكن فيها أحد

فأشترى ساعة عاطلة

كي لا يملّ الانتظار.

هذه حكاية من لا ينام

مرّات

يضع جميع أحلامه فوق الطاولة

كي يحصي خسائره

مرّات

يقيس أوهامه بمسطرة

ومرّات بامرأة.

وهذه حكاية شاعر ملعون

في مأدبة الشعراء

له أصحاب ومعارف

من كلّ حدب وصوب

وشقيقه بينهم

من يُقلب الطاولة.