وفاء المليح: الضمير الأنثوي والهوية السردية في رواية “بعيدا من الضوضاء، قريبا من السكات” لمحمد برادة

“في الكتابة وشاية بملامح الأنا المستترة التي تتحدى الأقنعة والصور الجاهزة2″، بهذه الجملة الدالة تفسر نبيهة سمعان الطبيبة النفسانية في المساحة المخصصة لها داخل المتن الحكائي للنص الروائي “بعيدا من الضوضاء، قريبا من السكات” أهمية الكتابة عن الأنا وبضمير الأنا؛ ذلك أن الجملة جاءت بعد توضيح منها أن الكتابة عن الأنا هي ” مدخل إلى الاقتراب من اللحظات الكاشفة عن جوهر الشخصية ومدى اختلافها عن الآخرين والأخريات3″، تدرك نبيهة سمعان بصفتها الطبيبة النفسانية والمثقفة أن الذات حين تكتب عن أناها فهي تتجاوز أقنعتها لتغوص في خباياها وتكشف عن الأنا المستترة، وتقبض على جوهر اختلافها، فالساردة المتحدثة بضمير الأنا عن نفسها وتجاربها الذاتية داخل المغرب وخارجه تمارس سرد ذاتها وتتناوب على السرد بين الراوي/الراجي، خريج جامعي شاب وشخصيات محورية أخرى، توفيق الصادقي وفالح الحمزاوي، تدخل هذه الشخصيات في مونولوجات تشكل بنية النص الروائي، بحيث أفرد الكاتب المتخفي وراء الراوي لكل شخصية فصلا تتحدث فيه عن نفسها. التقى الراجي بكل شخصية من الشخصيات الثلاث، في إطار عمله المؤقت مساعدا للمؤرخ الرحماني في انتظار عمل قار يناسب شهادة الإجازة الجامعية وينقذه من البطالة التي تطال شبابا مثله، يحاول الراجي في لقاءاته مع شخصيات مختلفة وعينات متنوعة الإجابة عن أسئلة هي بمثابة مشروع تأريخ للمغرب الحديث، يشغل فكر المؤرخ الرحماني، “ماذا تعني مقاومة الاستعمار وما الذي كنت تنتظره من الاستقلال؟ كيف ترى أن الأزمة تعبر عن نفسها الآن من خلال الواقع اليومي؟ هل نتوفر على الشروط الضرورية للانخراط في الألفية الثالثة؟4”.

تعد الإجابة عن هذه الأسئلة محركا وغاية النص الروائي، لذا اختار الراجي -بصفته المحاور والشخصية التي تمثل جيل مغرب الآن-الشخصيات الثلاث بصفتها تمثل النخبة وشاهدة على عصر النضال والكفاح الوطني، توفيق الصادقي (1931-الرباط)، يمثل جيل ما قبل الاستقلال، فالح الحمزاوي (1956)، نبيهة سمعان (1956) يمثلان جيل ما بعد الاستقلال. ومن خلال هذه اللقاءات وبعيدا عن المنهج الأكاديمي الصارم، يحاول الراجي بناء على اقتراح المؤرخ الرحماني أن يوثق للمغرب الحديث بالوقوف عند تفاصيل ترد في شهادات ذاتية لشخصيات عاشت مرحلة الاستعمار ومرحلة الاستقلال وما بعده، تفاصيل كثيرا ما يغفل عنها التأريخ، “أنا لا أريد أن أكرر ما يكتبه بعض المؤرخين والصحفيين، وإنما أريد أن أطرق أبواب من لم يتكلموا بعد عن تلك الفترة الحافلة، وأن أصل إلى مظان كثيرا ما تغفل عند السعي إلى التأريخ5”. إنها تجارب ذاتية تحكي عن حياة المغربي بكل ضوضائها داخل وطنه في علاقة مع نفسه ومع الآخر في أثناء فترة الاستعمار وفترة الاستقلال، تجارب بالتأكيد تعود بالذاكرة إلى الوراء وتحدد إيديولوجيا النص الملتزم، المرتبطة بتيمة الوطن.

لقد التزم الكاتب المتخفي وراء الراوي (الراجي) بسرد واقعي للوقائع التاريخية بتواريخها المحددة، فالكاتب وعلى لسان المؤرخ الرحماني يرغب في مراجعة التاريخ من خلال التغييرات التي يعيشها الناس، محاولا الابتعاد عن الشعارات والخطب الرنانة معتمدا على تقنية السرد الذاتي التي تخول لكل شخصية -بصفتها شاهدة على مرحلة تاريخية من تاريخ المغرب الحديث سواء أكانت مرحلة الاستعمار أم مرحلة الاستقلال- أن تغوص في ذاتها وتحكي بحميمية وواقعية صادقة عن تجربتها الذاتية المتأرجحة بين التطلعات إلى المستقبل وآفاقه الجديدة، واصطدامها بواقع لا يستجيب لهذه التطلعات، فالحميمية والصدق لا يوفرهما إلا ضمير المتكلم، لذا وظف الكاتب ضمير المتكلم، مسلما مفتاح السرد لكل شخصية تسرد نفسها بضمير الأنا، يقول ديدرو عن السرد بضمير المتكلم: “إن تلك الطريقة في السرد تضفي التصديق على القول عن طريق تعيين مصدره، الذي يكاد يكون شفهيا إما بتأصيلها للعواطف والأهواء بالعودة إلى مصدرها، وإما بمنح طابع مشاكلة الحقيقة للشخصيات والأماكن والظروف بنسبتها إلى أولئك الذين يمتلكون القول (الكتابة) والذين خالطوا تلك الشخصيات والأماكن والظروف. وهذه وتلك لا تستمد من استخدام الضميرين الأولين (ضمير المتكلم وضمير المخاطب) ما يضفي عليها قيمة الحقيقة، المثيرة للجدل والقابلة للنقاش، بل قيمة الواقع: إنها موجودة، إنها “هنا” “كما في الحياة” لأن فاعلي التلفظ يعانونها أو يستحضرونها6″.

بهذا المعنى يدعم السرد الذاتي التحليل السيكولوجي وواقعية التجربة الذاتية وصدقها، كما يضفي التعبير بضمير المتكلم على الملفوظ طابعه الفوري، إذ “يعبر مباشرة عن العاطفة الأشد راهنية، وعن الانفعال الأشد سذاجة، والهوى الأشد قربا وأصالة7”. من هذا المنظور يعبر أنا الذوات المتكلمة داخل النص السردي عن انفعالاته ومشاعره اللحظية بصدق وواقعية، وهي ذوات متكلمة مذكرة باستثناء نبيهة سمعان، الذات المؤنثة الوحيدة المتكلمة من بين الذوات الأخرى المنتقاة. لقد استحضر الكاتب الذات المؤنثة في شخص نبيهة سمعان، المحللة النفسانية والمرأة المثقفة التي تمثل فئة من النساء المغربيات اللواتي عايشن حركية المغرب في فترة استقلاله، نساء يطمحن إلى تغيير وضعهن الاجتماعي والثقافي، متشبعات بالفكر النسوي الآتية رياحه من الغرب، فالأنا الأنثوي لنبيهة سمعان يستقوي بهذا الفكر،”أحسستني عند العودة أقوى، لأنني أدركت بعض أسرار ذلك الآخر الذي كان يسكنني وأنا بعد تلميذة في البعثة الفرنسية8″، ويؤمن باستقلاله وحريته وكرامته ويناضل ضد التهميش وتصحيح وضعه الاجتماعي والقانوني، فكيف شكل الأنا الأنثوي هويته الذاتية، ومن ثم هويته السردية؟..

التشكل الهويتي للأنا الأنثوي

إن الاصطدام الذي عاشه جيل ما بعد الاستعمار الناجم عن الوقوف عند التباعد بين الحضارة التي ينتمي إليها والحضارة التي استعمرته، جعله يطرح سؤال الهوية؛ ذلك لأنه يعيش تمزقا بين انتمائه لثقافة تقليدية لا تجتهد لتطور مكوناتها وتلائمها مع مستجدات العصر، وثقافة استعمرته، تجددت وتحررت من ثقل الموروث ويجد في اعتناقها تحررا من التخلف، تقر نبيهة سمعان بهذا التمزق الهوياتي الذي تستشعره بصفتها ذاتا عاشت هنا وهناك: “بدأت أقر أنني أجهل عناصر هويتي الأولى9″، فالقول ينسب إلى الذات المتكلمة التي عاشت تجربة الحياة خارج بلدها، بعدما سلمها الكاتب مفتاح السرد، واضعا مسافة بينه وبين الذات المؤنثة كي تسرد نفسها وتشكل أناها بنفسها، وعليه تحركت الثنائية الجنسية المتخفية في الذات المؤلفة، وانحاز الكاتب إلى قطبه المؤنث “الأنيما” لكي يخلق نموذجه الأنثوي، متنكرا لجنسه المذكر، كاشفا عن ملامح الذات المؤنثة داخل الفصل الذي أفرد لها، بهذا المعنى استطاع محمد برادة أن يتقمص شخصية نبيهة سمعان، لكن هل استطاع هذا الانحياز إلى القطب المكمل في إطار الثنائية الجنسية الكامنة داخل الكاتب أن يتمثل الجنس المؤنث؟.. إن الجواب يمكن أن نلمسه في نسج الهوية المؤنثة للضمير الأنثوي التي تتجلى في علاقة الأنا الأنثوي بملفوظه السردي وبمكوناته الحكائية الجمالية.

مرآة الذاكرة

لقد شكل سؤال الهوية الذاتية منطلق حكي الأنا الأنثوي، فهي أي نبيهة سمعان منذ البداية تشير إلى انجذابها إلى الغير الذي أتاحته لها ممارسة اللغة الفرنسية خلال مدة الدراسة في البعثة الفرنسية بالدار البيضاء، معترضة على الانحباس في هوية موروثة أصابها الصدأ أو ما سمته “بالانحباس الهويتي”، تقول نبيهة سمعان: “وحين اكتشفت العوالم التي تفتح نوافذها اللغة الفرنسية، استولت على رغبة جنونية في أن أصير غيري. ليس مجرد تقليد طرائق عيش الأجانب، بل الرغبة في أن أكسر الحواجز وأوهم النفس أنني أنتمي إلى شساعة الدنيا وأحلق في الأجواء اللامحدودة التي تتخايل لي10”. إن البعد الإنساني والكوني يحضر بقوة في مفهوم الهوية عند الذات المؤنثة، كما يتجاوز أناها الفردية إلى أناها الجماعية؛ إذ تحول سؤال الهوية عند الأنا الأنثوي المتأمل في مظاهر الحياة عند الناس في مجتمعه إلى سؤال هوية الذات الجماعية، “لا أنكر أن مظاهر كثيرة من حولي كانت تحاول التذكير بمكونات الهوية واستمراريتها، لكن سلوك الناس وتصرفاتهم هي نقض وتناس لهوية تحضر في المناسبات والأزمات وتغيب في المعيش اليومي واللاوعي الثقافي قيد التكون11”. تضيف نبيهة سمعان وهي المرأة المثقفة والمتأملة في ذاتها وفي ذات مجتمعها: “وعندما جابهت وضعيتي كامرأة خاضعة لإرادة ذكورية تزيف علاقة الرجل بالمرأة وتشعرني بالدونية، أخذ سؤال المرأة يستولي على اهتمامي ويقودني إلى أسئلة المجتمع الذي أنتمي إليه، وهذا ما جعلني أفكر في اختصاص يردم تلك الهوة التي فصلتني عن “آخري” الساكن بأعماقي12″. تسعى الذات المؤنثة التي تحاول تغيير ترسانة القيم الذكورية المنغرسة في نسيج مجتمعها إلى تشكيل هويتها الذاتية، ومن ثم الجماعية وفق تصورها الخاص للهوية والذي كونته انطلاقا من نضج وعيها الثقافي. وفق هذا الاعتبار تعود نبيهة سمعان إلى الوراء لتقول حاضرها انطلاقا من ماضيها مثلها في ذلك مثل باقي الشخصيات المحورية في النص الروائي، فهي تمارس حكيها الاسترجاعي وتعود في سردها إلى الذاكرة كي تغرف من جوفها، متمعنة في صورتها المنعكسة على مرآة ذاكرتها بحثا عن ملامح هويتها التي تجهل عناصرها الأولى، لذا ترحل الذاكرة إلى الليسي الفرنسي بالدار البيضاء ثم كلية الآداب بالرباط وأخيرا عاصمة الأنوار وما تحمله من قيم الحداثة وحياة تغري الشباب المتعطش إلى الحرية وتحرير الجسد من أصفاد الثقافة الموروثة، فالحكي الاستيعادي يعود إلى زمن الطفولة وإلى فضاءات تحمل رمزيات متعددة في علاقتها بالذاكرة، وكأن العودة في شرطها السيكولوجي تحيل على إضاءة المناطق المعتمة في الشخصية التي هي في حالة بحث مستمر عن هويتها المنفلتة، “ولهذا أجدني في حالة بحث دائم عن هوية مستعصية، منفلتة، لا تكاد تستقر عند بر13”.

وفي استيعادها تنسج الساردة زمن الحاضر انطلاقا من الماضي، وتبني أناها في زمنها الحاضر بالرجوع إلى الماضي، فالأنا الأنثوي مازال في طور التطور والتشكل في اللحظة الآنية، لحظة التذكر. تستعيد الساردة الأحداث بترتيب وفق زمن حدوثها، لذا هيمن الزمان الماضي على فعل السرد، غير أن فعل السرد الاستعادي يتم بعكس ما انتظره القارئ؛ إذ ينسج الأنا الأنثوي ماضيه في الزمن الحاضر، فهو بذلك يعيد اكتشاف الزمان الماضي في الزمن الحاضر، فالغوص في الماضي في زمن الآن يصبح غوصا في الذات. إن الساردة تعيد خلق أناها، ومن هنا فالعلاقة مع الزمن هي علاقة نفسية. يبدو إذن أن الزمن الماضي والمستمر في الحاضر خلق أنا مضطربا، غير ثابت الهوية، من ثم اندفع الأنا نحو ماضيه، يسائله ويلملم شتات صورته، ويؤسس لزمان آخر، لذا تراهن الساردة على زمان المستقبل كي تخلق واحدة أخرى، “ومن ثم بدأت أستشعر نهاية تلك اللحظات وضرورة السعي إلى خلق أخرى تطل على زمن آت14″، فالساردة تؤسس لهويتها الذاتية في زمن آت منطلق من الحاضر من خلال البتر النفسي مع الماضي ولحظاته. تبعا لهذا لم يمتد الماضي الاستيعادي في الزمان بل حضر مكثفا من خلال استحضار تقنية الماضي؛ ذلك أن هاجس خلق أنا آخر يقلص زمان الماضي لكي يترك المحكي النفسي للساردة يمتد في الزمن الحاضر والمستقبل.

مرآة الجسد

“ويبقى أهم منجزات إقامتي في باريس، فض البكرة الذي سجلت تاريخ ليلته في دفتري الذهبي لأحتفل بذكراه كل سنة15″، تنظر الساردة إلى جسدها من منظور تحرري، ينهل من ثقافة تحررية تعانق الكون، فوجدت في باريس، الفضاء الذي تمارس فيه تحررها، تاركة وراءها ثقافة تقليدية صدئة تكبلها وتسجن جسدها وتصادر حريتها. إن الفضاء الباريسي المتسع بالحرية والإبداع الذي قصدته من أجل التكوين الأكاديمي في التحليل النفسي، فجر المكبوت والمخبوء في الجسد، كما أنه فتح الفكر والوجدان على قيم جديدة، “لا أنكر في الآن نفسه، أن حركة ذهاب وإياب، بين كياني الفردي وامتداداتي الغيرية، تظل ناشطة، تنغل في الفكر والوجدان لتحثني على المقارنة وتأمل التعارض بين الحميمي والوافد علي من محيط له قوانينه المستقلة عن رغائبي وإرادتي16″، فالفكر النقدي الذي تتحلى به الذات المؤنثة من خلال المقارنة بين ثقافة البيئة التي تنتمي إليها وثقافة الآخر، وإيمانها بضرورة إعادة النظر في الثقافة الموروثة، قادها إلى تحرير فكرها وجسدها من ثقل الموروث ونقلها من حياة ضيقة إلى حياة أرحب و أوسع، “لكن كل مسامي كانت متفتحة لاستقبال تجارب جديدة تضبط إيقاع الجسد وتعاريج النفس المتشعبة. بدأت أحسني أكثر نضجا ووثوقا وجرأة17″، إن الذات حين نهلت من عمق التجربة غير منصتة لرقابتها الداخلية، استطاعت أن تبني ثقتها بنفسها وتمارس حريتها بجرأة ومن دون خوف، تلك الحرية التي تفتقدها في موطنها، فالساردة تعي أنها حين تمارس حريتها فهي تصوغ هويتها المنفلتة، هكذا عاشت الساردة تجربة صخب الجسد وصخب الفكر معا، مستمدة قوتها وجرأتها الفكرية والحياتية من سير نساء رائدات “تشبثن بالتحدي لمواجهة اللحظات الصعبة في مسارهن نحو فرض الذات18”. تؤسس الساردة ذاتها بالاستناد إلى العلاقات المنفتحة لجسدها مع الآخر وإلى الأخذ من فكره، فالذات تغذي فكرها وجسدها. وإن بدت هذه الذات في حالة تكون مستمر داخل نسق ثقافي تنتمي إليه فكريا وتحاول أن تنسجم معه وجدانيا، فهي مازالت تعيش انجذابا خاصا نحو البيئة التي نشأت فيها،”أحس بانجراف نحو تلك الأبعاد الواضحة والغامضة في آن، التي تربطني بالمجتمع الذي نسجت ذاكرة طفولتي بين ربوعه19″، تعيش الساردة تمزقا هويتيا بين هنا وهناك، وقد توضح لها ذلك بعد عودتها إلى وطنها من رحلة الدراسة في وطن الآخر؛ إذ وقفت على مفارقات الأنا والآخر. بين انجذابه إلى ثقافة الآخر وتبنيه فكريا وبين ارتباطه الوجداني ببيئته المحلية، يجد الأنا الأنثوي نفسه مداهما بالغربة، “لأنني أشعر أنني لا أنتمي إلى وطن بقدر ما أنتمي إلى اختيار ثقافي/مهني يتخطى الحدود، ويعانق أفقا للمعرفة يعتبر أفقا كونيا20”. فمن منظور فكري وثقافي تحاول الذات المؤنثة بصفتها محللة نفسانية وتمتلك عينا فاحصة وناقدة، أن تجد حلا لإشكالية التمزق الهويتي التي يعيشها المثقف والمثقفة على حد سواء وهي أن تصوغ هويتها الذاتية وذلك بمعانقة المعرفة في أفقها الكوني.

لقد وفرت الذات المؤلفة المذكرة للساردة ضمير المتكلم المؤنث لكي تكون أكثر مصداقية وهي ترتد إلى ذاتها في علاقتها بنفسها وبالعالم الخارجي، ومن ثم في علاقتها بالآخرين، وتبعا لهذه العلاقة التي تنشأ مع الذات ومع الغير، تصوغ الذات المتلفظة حكايتها، ومن ثم هويتها السردية انطلاقا من حضورها الفاعل في نسيج الحكي. وفق هذا الاعتبار يتبين من خلال علاقة الساردة بجسدها أن الذات الكاتبة المذكرة لم تتحايل في أساليبها السردية لكي تقول مكنون الذات المؤنثة الفاعلة في السرد، وتقمصت الأنا الآخر الساكن فيها من دون اللجوء إلى التواري والتخفي وراء ضمير الغائب أو ضمير المخاطب، فكان ضمير المتكلم المنسوب إلى الذات المؤنثة المتكلمة يحكي عن الجسد بلغة متحررة تترجم فكره التحرري بجرأة تتجاوز الرقابة الداخلية، التي قد نصادفها في بعض نصوص الذات المؤلفة المؤنثة، وتضرب عرض الحائط رقابة الآخر، ذلك لأن الساردة تعلن بصوت مسموع إعجابها بعلاقة الكاتبة الفرنسية-الأمريكية أناييز نين21 anais nin بجسدها وشجاعتها في الكتابة عن حميميته بصراحة متناهية، وفي هذا السياق تورد مقطعا لها تحكي فيه عن افتتان هنري ميللر بها وبجسدها: “في المساء، دس هنري يديه بلطف بين فخذي وعلى مؤخرتي وقال: من يمكنه أن يتخيل أن امرأة لها عينان مضيئتان هكذا، وهي عذراء طاهرة، يمكن مع ذلك أن تمتلك ردفين مكتنزتين، وفرجا جد ملتهب ودغلا كهربائيا، هنا بالذات؟22”.

بهذا المعنى استطاع الأنا الأنثوي للذات المؤلفة المذكرة أن يتوغل في حساسية الأنثى ويكتشف أغوار ذاته برؤية ذاتية متحررة، إنه “أنا” جسور قادر على مجابهة نفسه، ومن ثم مجابهة العالم الخارجي، “أنا” يسعى إلى تحرر ذاتي وجماعي، “أنا” قادر على صوغ هويته المؤنثة السردية بلغة واصفة لا تراوغ، تعبر بعمق عن الأحاسيس والغرائز، لغة تتجاوز البياض والصراع بين ما تستطيع قوله وما لا تستطيع قوله، لغة تكشف مستور حميمية الذات المؤنثة وتعري صمتها.

 

وفاء المليح: كاتبة من المغرب

wafa.malih@gmail.com

 

الهوامش:

1 برادة، محمد: بعيدا من الضوضاء، قريبا من السكات، الفنك، الدار البيضاء، 2014

2 المصدرنفسه، ص.169

3 المصدرنفسه،ص.169

4 المصدرنفسه،ص.9

5 المصدرنفسه،ص.8

6 شارتييه، بيير: مدخلإ لنظريات الرواية، ترجمة: عبدالكبير الشرقاوي، دار توبقال، الدار البيضاء، ص.96،2001

7 المصدرنفسه،ص.96

8 برادة، محمد: بعيدا من الضوضاء، قريبا من السكات، الفنك، الدار البيضاء، 2014 ، ص.178،2014

9 المصدرنفسه،ص.178

10 المصدرنفسه،ص.156

11 المصدرنفسه،ص.156

12 المصدرنفسه،ص.181

13 المصدرنفسه،ص.205

14 المصدرنفسه،ص.180

15 المصدرنفسه،ص.162

16 المصدرنفسه،ص.194

17 المصدرنفسه،ص.164

18 المصدرنفسه،ص.167

19 المصدرنفسه،ص.205

20 المصدرنفسه،ص.205

21 أناييس نين (1977-2903) Anais Nin مؤلفة أمريكية من أصل اسباني-كوبي، ولدت في فرنسا وعاشت حياتها في الولايات المتحدة الاميركية. اشتهرت بكتابة يومياتها التي وصفت بأنها غير مهذبة، تحكي فيها بعمق وصدق وجرأة غير مسبوقة عن حياتها الشخصية وعلاقاتها المتعددة مع رجال مؤلفين وفنانين ومحللين نفسانيين، عرفتهم في حياتها ومروا على فراشها.

22 المصدرنفسه، ص.203