“‘إمرأة المغلفات” قصة للكاتبة اللبنانية زينب شرف الدين

Zeinab Charafeddine

دق ساعي البريد على بابي، علما أنه يضع عادة بريدي في العلبة المخصصة له، المثبتة على حائط مدخل الحديقة التي تحيط بالبيت.

“العنوان على الرزمة ليس واضحا تماما، لكنه الأقرب إلى عنوانك”، قال لي وهو يسلمني طردا بريديا، سألته، وأنا على عجلة، أن يضعه فوق المنضدة المحاذية للباب. كنت قد بدأت أشمّ الرائحة الحادة التي تنبعث من قلية الثوم وقد بدأت توشك على الاحتراق. ركضت علني أنقذها. لكن ما أن أطفأت النار حتى فاحت رائحة لم أستطع أن أحددها بدقة.

رائحة لا تشبه أية رائحة أخرى، لكنها ذكرتني برائحة بيتي، وتلك التي أشمها في دكاكين العطارين، وروائح الزهور التي ذهبت خصيصاً إلى سنغافورا لأشمّها.

شممت، أيضاً، فيها رائحة البول التي انتشرت مرة في صالون فادي، بعد ساعة وأكثر من الضحك المتواصل لنكات أخيه أسامة.

لم تكن، تماما، كرائحة بساتين الفانيللا في المكسيك، ولا تلك التي تنتشر من سوائل الحب التي تختلط في غرفة عاشقين. لكن تشبه كلاهما.

آه، ذكرتني أيضا برائحة دموع صديقتي لورا، حين أنجبت ولدا ميتا. وبتلك التي تملأ الكون، عندما تنهمك بساتين زهر الليمون بإنجاب ربيع جنوب لبنان عندما يداهم الطلق أكفٌ، لا يتعرف عليها إلا التراب.

كانت جلية فيها، رائحة لون عيني أمي وهي في نزعها الأخير. فركضت أبحث عن مصدرها.

وجدتها تتسرب من الطرد الذي تسلمته للتو. باشرت في فتحه. اشتدت الرائحة. أخذت تتفكك داخل حواسي وتشرق تباعا في عصبوناتي الشمية، كقرص الشمس عند بزوغها.، يعرض بالتوالي ألوان قوس قزح.

حَطّمَتْ رائحة منها شباك نافذة المدخل الملونة، وفر منها حفرة عميقة سقطت من عيني طفل عند مرأى أمه تخرّ صريعة، ومعها تسللت تلك الرائحة التي انفجرت من جسد سيدة ما أن أفلتت يد ابنها حتى صُرع، وهو يدّكُ بارودة.

كل هذه الروائح مجتمعة وأخرى وصلت إلى خياشيمي وأنا أحاول رفع الطرد الثقيل دون طائل.

قد تتبخر! ركضت وأحضرت فانوسا، كان بائع الحلوى جارنا قد أهداني إياه قبل أن يغلق محله، وعينيه إلى الأبد. كنت زبونتة المحبوبة. طالما أحضرت له ما أقدر على سرقته من أقراص الكبة التي كانت تحضرها أمي، وتضع فيها الكثير من الصنوبر.

قال لي، يومها، إذا اشتقت للحلوى التي تشترينها من عندي، يا أرنبتي، ولم تجدينني، إغمضي عينيك وافركي هذا الفانوس بأنفك الصغير سبع مرات، واصغ إلى قلبك، وبعد أن تسمعين خفقات سبع، ستأتيك رائحة الملبس التي تحبين، وتشعرين به في فمك.

كان شرطه ألا أستعمل الفانوس لأي غرض آخر،”وإلا لن تحصلين بعدها على طعم الحلوى”. هكذا فعلت منذئذ، ولغاية ان شممت هذا الرائحة الهاربة من هذا الطرد.

أغمضت عيني، فركت الفانوس سبع مرات، واستمعت إلى سبع من ضربات قلبي وشممته. قبضت على طعم الملبس المعهود ما أن انتشر داخل فاهي، وأخذت أدس الرائحة داخل الفانوس. لكن، قبل أن أحكم إغلاقه، فرت منه رائحة الكحول والسجائر التي تعلق في بيت بعد سهرة مجون. ووقعت على الأرض دملة، بلون زر النيل التي كانت تستعمله أمي لتبييض غسيلها. كانت قد تحجرت جانب فرحي، حين سقطُّ من ذاكرة صديقة طفولتي ذات يوم. كرجتها بتأني خارج الباب.

حشرت ما تبقى من الرائحة بنجاح داخل الفانوس.

ابتسم لي عمو بائع الحلوى. “سمعته يقول: عفاكِ يا شاطرة”.

نزعت أوراق الرزمة وأنا أضعها على المنضدة حيث وضعها ساعي البريد. تفاجأت، إذْ لم أجد فيها ما يبرر ثقلها.

مغلفات صغيرة حملتُ كل واحدة منها على حدة، أزنها في كفي كي أعثر على الثقيل منها. كانت كلها خفيفة جدا. أعدت محاولتي بحمل الرزمة بأكملها، عجزت مجددا.

عندئذ، تناولت مغلفا منها وأنا مغمضة العينين. فتحته وأنا أصغي إلى ضربات قلبي. وجدت امرأة أنيقة تميزها شامية بنية كبيرة فوق شفتها العليا، تجلس مع رجل وسيم، أصلع، رقيق الشفاه، كبير الأنف والعينين. كانا يأكلان السمك المشوي مع أرز وسلطة الخس. ويشربان من كأس واحد شرابا لم أستطع أن أتعرف عليه. بعد الغذاء، دخلا غرفة نومها، وبعد أن أنزل الرجل ستائر الغرفة العسلية، التحق بالمرأة التي سبقته إلى سرير نحاسي وتمددت على فراشه الوثير. ضمها إليه، مسكت يده وغفت. نمتُ. عندما استفقت وجدت نفسي ما زلت واقفة، أمام الطرد البريدي في مدخل بيتي، واختفى المغلف الأول من يدي.

أخذت مغلفا آخراً. مارست نفس الطقس الذي مارسته من قبل. هذا الطقس أصبح لي مثل تسبيح المؤمن باسم الله قبل أن يقوم بأي عمل، منذ أن طلب مني، عمو بائع الحلوى أن أفعل، كي أحصل على طعم الحلوى.

وجدت طفلا في المغلف الثاني يصرخ ويفرك برجليه من شدة الألم. هممت كي أتلقاه علني أخفف من وجعه. لم أجد يدي. فتحت عيني فوجدت يدي فارغتين.

في المغلف الثالث، وجدت المرأة نفسها في مطبخ مع امرأة تبدو أمها، تعلمها على كبكبة أقراص الكبة. ثمة مسخ اقترب منهما وربط وثاقهما بواسطة ثعبان خمري اللون له عقوص يفوقه طولاً. مددت يدي كي أتناول قرصاً من الكبة لأدسه في جيب الفتاة الصغيرة. لسعة من الثعبان، شلت يدي.

فتحت عيني. مددت يدي وتناولت المغلف الرابع. أصمّ أذني قرقعة نتش لحم وصراخ. تبين لي من وراء حاجزِ ليلٍ، امرأة معلقة، يتوالى على نتش ثدييها رجال لا يختلف وجه واحد منهم عن الآخر. في الظلمة، علِقت أرنبة ترتعد، تراوح مكانها عاجزة عن الهروب.

في المغلف الخامس، كادت عيناي تعميان من عبقة دخان كثيف، تبين لي من خلاله امرأة ترضع في قنينة عرق، وكلما أنهت جرعة، أطفأت السيجارة التي بين أصابع يدها اليسرى، في فخذها، وثبتتها في ألبوم صور قديم.

بصقتُ بعضا من حبر صورها، وفتحتُ المغلف السادس فوجدت المرأة، تهدهد الليل عله يهديها نوما أو نجمة. وما أن أنهت دعاءها حتى اقتربت منها نجمة وابتلعتها، وسارت بها على مسار الشفاء، ثم هبطت وتوقفت في مواجهة شباك غرفة مريضة حبيبة، وصفوا لها أشعة نجمة كي يشفي جسدها الرقيق من الألم.

وفي مغلف أخير، وجدت رجلا وولده يجلسان على مقعد في جنينة يحمل كل منهما يافطة كبيرة جدا، كُتب على أحدها ياسمين هشار، وعُلِقَ على الثانية صورة امرأة المغلفات، التي اكتشفت أنها سرقت شاميتي وعيني واسمي.

شعرت بإسهال شديد يصيبني. وأنا أركض نحو الحمام، تعثرت بالسائل النتن الذي أخذ يغادر جسدي. وقعت على الأرض. كنت أحاول النهوض عندما وجدت في البلاط الرخامي الأسود اللامع وجه إمرأة المغلفات. مددت لساني في وجهها، فمدت لسانها، كما فعلت أنا. لعنتها ووقفت.

ربطني الإسهال في مقعد الحمام سبعة أيام وسبعة ليال متواصلين.

وفي صباح اليوم الثامن، دق الباب. ركضت بخفة. وجدت ساعي البريد يقف بتهذيب شديد أمام الباب، مثل قطة تستدر عطف صاحبتها بعد أن خرجت من البيت في شباط، وعادت ليست كما خرجت.

مددت يدي على وجهه وقشرت برقة طبقة من السيليكون عنها، فوجدت رجل المغلفات. دخل إلى المطبخ وأكمل طبق الملوخية، هذه المرة، من دون أرانب.

دق الباب مجددا. فكان الطارق ولد المغلف، وقد بدا عليه الإنهاك. غير أنه َأحَبَ رائحة الملوخية من دون أرانب. دب به النشاط، فتخرج من جامعته في اليوم التالي، بامتياز.

دق الباب مجددا! وجدت ساعي البريد، الذي أتاني بالطرد، يطلب مني استرجاعه اذ كان قد أخطأ العنوان. سلمته الطرد الخفيف، وتمنيت له التوفيق. هز رأسه مبتسماً ابتسامة واثقة.

لم يفارق فمي طعم ملبس عمو بائع الحلوى.

ما يزال ساعي البريد يطوف بالطرد الثقيل.