“أطفال الجدار” قصة للكاتبة العراقية ياسمين حنوش

Yasmeen Hanoosh

مثل بئر خالية

مثل بئر خالية أو صفحة بيضاء أُفرغت من قصة طويلة معقدة بانت مدينتي حين قمت من نومي البارحة. في البداية قلت لنفسي على الأقل لم يختف كل شيء. الجدران فقط. إختفت كل الجدران التي كانت في الماضي القريب في متناول البصر. وكأن ممحاة أتت وقضت عليها دون أن تمس أي شيء آخر.

كان ذلك وهما. إختفت أشياء كثيرة أخرى كما اكتشفنا فيما بعد.

ولا أخفي عليكم أن قلبي أخذ يطفر مرحاً حين لاحت وجهي أولى نسمات الصباح المتحررة من الجدران وطفحت إلى عيني شعاعات الشمس وأنا ما أزال أحاول استيعاب المشهد المذهل في سريري. سأكذب عليكم إن قلت إن هذا الغياب لم يجلب معه راحة مباغتة، إحساسا بالنظافة والتطهير من تراكم دنس قديم، دعوة إلهية للتجديد. كانت جدران بيتنا قد أكلتها ثقوب الرصاصات وتفطرات الشظايا والرطوبة المالحة والأرضة وما غيرها من محبطات بصرية خلال العقود الأربعة المنصرمة ففرحت لبرهة وأنا أراها تتهاوى دون أن تخلف بعدها أي دوي أو أنقاض أو ذكريات. كان السقف قد توارى أيضا إذ لم تبق جدران لتسنده. رغم السرور المثير، ومع أني كنت لا أزال أرتدي بيجامتي شعرت بالعري وأنا أرقب غياب الحيطان من حولي. بحثت عن نعالي وأسرعت خارجا من غرفتي التي أضحت بلا جدران. لم تمض دقائق طويلة قبل أن يتضح بأن جميع الجدران قد زالت. بيوت الجوارين بانت كذكرى يثابر الأهالي على توثيقها دون جدوى والنعاس والدهشة على وجوههم. يراوحون هناك بين أشيائهم في حيرة مشتركة. كل الأشياء بدت مكشوفة لكل العيان.

شعرت بالانتشاء وأنا أكتشف، ماشيا في الممر الزائل بين غرفتي والحمام، أن الجميع يراوده شعور مماثل بالعري والمرح وإن لم يقدر على البوح به. إلتقت عيناي بعيني جارتي خولة التي كركرت بغتة حين رأتني. ظننت إنها كانت تحاول إخباري بأنها تشعر بسرور مماثل لكنني أيقنت حين دخلت الحمام وألقيت نظرتي المبتسمة على المرآة التي كانت قد تمددت على الأرض بعد أن زال الحائط التي كانت معلقة عليه، أيقنت إن نصف شاربي قد زال أيضا. أضحكها شاربي. جلت بنظري عن المرآة لبرهة محاولا استيعاب صورة غياب نصف شاربي ذهنيا. كان الجناح الأيسر منه قد اختفى. توقفت لبرهة عن التفكير والنظر وحين أعدت النظر إلى المرآة تبين أن الجناح الأيمن من شاربي هو الذي اختفى بينما عاد الجناح الأيسر إلى محله. أرجعت المرآة إلى الأرض. لم أرد أن أضيع المزيد من هذا الزمن المدهش في التفكير بقضية شاربي. 

إنطلقت إلى الشارع.

بعد فطورات سريعة عشوائية حضرها الآباء لأطفالهم وزوجاتهم في المطابخ المكشوفة تجمع أهالي الحي في صالات الضيوف الزائلة وبدأوا بإنشاء لجان تحقيق عديدة. كانت الخطة التي اتفق عليها الأكثرية هي بقاء الرجال قرب المنازل الزائلة لحراسة الأغراض والإعتناء بالأطفال في حين ترسل لجان النساء في اتجاهات متفرقة لإستقصاء الأمور والتحري عما إذا كانت جدران أخرى من مناطق أبعد قد زالت أيضا.

بعد التماس طويل أقنعت لجنة من اللجان أن تدعني ألتحق بها بحجة كوني وحيدا بدون إمرأة تمثلني أو طفل علي الإعتناء به. النظرات التي وجهتها نساء اللجنة إلى وجهي، أو ربما شاربي فقط، أوحت لي بأنهن تفهمن موقفي فسمحن لي بالإنضمام إليهن.

خلال مسيرتنا من حي إلى حي لاحظت نفس المشهد يتكرر: أناس مشدوهون، أناس ضائعون يبحثون عن ذكريات منازلهم، أناس تصنع حياطين مؤقتة ليتمكن أفرادها من استعادة خصوصية استخدام المراحيض، نساء تصنعن الستائر لنساء أخريات كي يرضعن الأطفال أو يغيرن ملابسهن أو يتزين قبل رحلة طويلة.

مشينا ونحن نشاهد خصوصية الحياة المنزلية تتكشف أمام أعيننا كألغاز الأطفال البسيطة وتنحل كخيط حرير من عباءة تفتقت حاشيتها وداست عليه قدم مشاكسة. إندمجت أشياء البيوت مع حركة الشارع. أكملنا مسيرتنا من البراضعية حتى البصرة القديمة مروراً بساحة شهيد المحراب التي لم تتأثر بالواقعة الغريبة لإنها كانت خالية أصلاً من أي معلم. أما باقي الجدران للبنايات السكنية والتجارية والعامة فقد أصبحت جميعها بلا جدران أو سقوف. تكدست أشياء البنايات التي كانت ذات طوابق كثيرة لتشكل تلالا من الأغراض. رأينا سكان هذه البنايات يشكلون حلقات كبيرة حول تلال الأغراض يعاينونها ويمسكون ببطونهم الملتهبة من الضحك الجماعي. سألناهم لماذا تضحكون على أشيائكم وعدوى الضحك تكاد تفتك بنا نحن أيضا. قالوا لأن منظر الأشياء المتكدسة مضحك للغاية فإن تشكيلتها العشوائية تخلو من أي حكاية.

وهرولت نحونا مجموعة من الفتيات التي قدرت أعمارهن في حدود العشرين أو ما يزيد عن ذلك بقليل. كن يقصدننا صارخات “شط العرب اختفى! شط العرب اختفى!” فركضنا بدورنا بإتجاههم للإستفسار عن الأمر المريب. أشرن بأذرعهن العارية نحو الميناء وواصلن الهرولة لإذاعة الخبر بين الجموع الأخرى. رغم تذمري من صعوبة المشي السريع واصلت نساء لجنتي السير نحو العشار غير عابئات بلهاثي المخجل خلفهن.

حين وصلنا إلى الداكير كان المشهد مذهلاً. حوض السفن بكل ما كان فيه من نفايات وسكراب وسفن قديمة تحول إلى مدينة عملاقة للألعاب. لم ننتبه ونحن في قمة ذهولنا إلى أن المياه لم تعد تحيط بالمكان بل تحول بكل ما فيه وحوله إلى حديقة رائعة الجمال. كانت السفن قد رست إلى قيعان الجداول والنهر وتحولت إلى قلاع كبرى لمرح الأطفال. وكانت الطفلات بدورهن يملأن المكان بمرحهن وأصواتهن العالية. مشينا نتأمل المشهد المنعش ونرقب البنيات الصغيرات يتسلقن حبال الأشرعة ويقفزن من المنصات ويتقاتلن بمسدسات المياه. بعض أفراد لجنتنا قررن الإلتحاق بالبنيات للعب ما تبقى من النهار أما الباقيات منا فقد قررن، وأنا من بينهن، أن يواصلن السير إلى الضفة الأخرى من النهر الزائل.

“جسر التنومة لم يعد هناك!” صرخت إحدى نساء لجنتنا التي استبقتنا إلى منتصف قاع النهر وجالت بنظرها جنوباً. واصلنا السير بذاك الإتجاه نتحرى الأمر. حين وصلنا تبين لنا أن لا شيء إطلاقا بات يقف بين ضفتي النهر. جسر التنومة اختفى ليظهر مكانه ملعب عملاق لكرة القدم. بعضنا تحمس لفكرة زيارة البلد الملاصق الذي لم تعد تفصلنا عنه أية حدود فواصلن السير نحو الضفة الثانية بلهفة كبرى. بعض هؤلاء خلعن ملابسهن تظاهرا بالسباحة والخوض في مياه شط العرب نحو الضفة الأخرى. أنا ومن تبقين من اللجنة راقبنا مشهد العري بمرح غامر ثم حاولنا السير خلال الملعب جنوباً. اتضح لنا بسرعة أننا قد دخلنا في منتصف مباراة حامية لكرة القدم. الشيء  الذي أثار انتباهنا هو أن جميع لاعبات المنتخبين كن يتحادثن بلغات مختلفة دون أن يؤثر ذلك على استيعاب إحداهن للأخرى. لعلعت إمتعاضاتهن باللغة الكردية والعربية والتركمانية والعبرية والآرامية والفارسية إثر مرورنا وسط الملعب فهممنا بالخروج.

كنا قد إقتربنا من نهاية المدينة فدفعنا الفضول إلى مواصلة سيرنا جنوباً نحو قرية جيكور. قصدنا جيكور بحثاً عن حكيم قيل إنه يقطن هناك عله يساعدنا في تأويل هذه الأمور الغريبة أو تكهن مغزاها. مررنا ظهرا في طريقنا بقصور الرئيس القديمة التي كانت قد تحولت هي الأخرى إلى ركام من مقتنيات بلا جدران. حاولنا تقفي آثار ذاكرتنا الجماعية للنهر الزائل كي لا نتعثر بهذه المقتنيات التي كانت أغلبها من المواد السامة أو الأدوات الحادة أو الغازات المسيلة للدموع. 

حين وصلنا قرية جيكور جلسنا في المقهى البري الذي كانت قد زالت جدرانه الخيزرانية. كانت أشجار النخيل تتمايل حولنا حين وصلنا خبر هام ملخصه هو أن جميع القرى والمدن على الجانب الآخر من النهر الزائل قد إختفت جدرانها هي الأخرى. جدران البيوت زالت وخرج رجالها يهلهلون كما زالت حدودها الوطنية وتم استبدالها بمجاميع هائلة من الأطفال ومتنزهات الأطفال. قيل أيضا أن المتنزهات قد زودت بمساحات كبيرة من رمال اللعب كي ينعم بها أطفال البلاد. وكانت هذه الرمال قد خزنت سابقاً في كمية هائلة من الأكياس التي تكدست على شكل جدران مانعة على ضفتي النهر فيما مضى. ولم تمنع الكثير…   

اتضح لنا كذلك أن إختفاء شط العرب بأكياسه الرملية كان جزء لا يتجزأ من إندثار جميع الحدود الطبيعية التي كانت تحول دون تواصل الشعوب مع أحدها الآخر. وقبل أن تنتهي نشرة الأخبار بثوان وصل وفد من شيخ صالح ليعلن بأن الحزام الجبلي الذي كان يحد بالبلد من شيخ صالح قرب الحدود الشمالية الشرقية متقوسا حتى زاخو في الشمال الغربي قد اضمحل بأكمله تاركاً مكانه سهلاً منبسطاً عملاقاً ترعى فيه المواشي التي تتحلق حولها دبكات للأطفال الراقصين. حلت علينا أخبار كثيرة لإندثار الجدران وحلول الأطفال مكانها.

بدأ الليل يهبط وبدأ يقلقنا أمر ايجاد مأوى ننام فيه الليلة في أرض قد خلت من الجدران والسقوف. لحسن الحظ عثرنا على ناس كانوا يقيمون الخيم في شتى النواحي، خيم كثيرة قالوا بأنها تكفي لكل أهلهم ولكافة اللجان الوافدة من شتى أصقاع الأرض. في واحدة من تلك الخيمات كانت إحدى القنوات الأجنبية تبث خبر زوال الجدار الأكبر الفاصل بين سكان الأرض الأصليين وأولئك الذين استقعدوا أراضيهم. كما أفادت النشرة بخبر إختفاء جميع الأقفاص التي كانت قد فصلت الجنس البشري عن الحيوانات الأخرى حتى صباح هذا اليوم. اتضح لنا ونحن نتلقى الأخبار الوافدة من هنا وهناك أن جميع السجون قد زالت من وجه هذه الأرض إذ إن الجدار هو أصل فكرة السجن.

أغلقنا التلفزيون وأسدلنا الستارة في انتظار ما يحمله اليوم الجديد لنا غداً . ولكن بعد أن هدأ الضجيج  أي قبل أن نغفو بقليل باغتنا نشيج أليم آت من وجهة النهر الزائل جنوبا قرب الفاو. أخذنا الفوانيس وخرجنا نتحرى الأمر من جديد. حين وصلنا إلى مصدر كل ذلك البكاء فجراً تشممنا الرائحة النفاذة للنفط ووجدنا طاقما هائلاً من الجنود والدبلوماسيين الأجانب. كان أغلبهم من الأمريكان والإنجليز وكان جميعهم جالساً يجهش بالبكاء في بركة عطنة قرب خزان نفط حديدي عملاق كانت قد زالت جدرانه.

 

كاتبة وأكاديمية عراقية، أميركا

[email protected]