عبده وازن عن شاعر الربع الملآن

Abdo Wazin

كان لا بد لأعمال الشاعر سيف الرحبي أن تلتئم بعد طول شتات، في أجزاء ثلاثة، فتعيده إلى قرائه شبه كامل، هو الحاضر أصلاً بقوة في مقدّم المشهد الشعري العربي. توزّعت دواوين الرحبي مثله هو الرحّالة، بين مدن وبلدان عربية وغربية، وكان الوقوع عليها ليس يسيراً حتى بدا بعضها كأنه محكوم بمكانه أو مدينته: القاهرة أو بيروت أو الشارقة أو باريس أو الدار البيضاء أو مسقط، مسقط شعره الأول والأخير، هو سليل الربع الخالي (الملآن)، سليل الصحراء والبحر في التقائهما التاريخي أو الحضاري. في هذا الشتات الذي عاشه، روحاً وجسداً، كسب الرحبي قراء يختلفون وفق اختلاف المدن التي صدرت فيها دواوينه وقد بلغت في أعماله غير الكاملة- طبعاً- نحو ألف ومئتي صفحة ضمت عيون الشعر الذي كتبه خلال أربعين عاماً. حال الشتات هذه هي حال وجودية قبل أن تكون إقامة موقتة في الأمكنة المتعددة التي ليست سوى اللامكان. الشاعر يسكن لغته ومن ثم قصائده وليس المكان إلا ذريعة لانتماء عابر أو تنقل أبدي.

لم يغب سيف الرحبي لحظة عن المعترك الشعري العربي، سواء عبر مشروعه الشامل الذي استهله عام 1981 مع ديوانه الجميل «نورسة الجنون» الذي بدا في منأى عن براءة البكورة الشعرية، أم عبر إدارته مجلة «نزوى» التي شاءها محطة من محطات الحداثة العربية اللاحقة، والتي فتح أبوابها أمام الأسماء والتجارب الجديدة والشابة وواصل فيها تقديم الأدب الغربي والفن الغربي، الحديثين والمابعد حديثين. ولعل بعض الآراء التي دارت حول شعره والتي أفرد لها صفحات في أعماله، تدل على عمق حضوره عربياً، فالأسماء التي تناولت دواوينه هي من الأبرز في الساحة العربية، ومنها سعدي يوسف مثلاً الذي نادراً ما يكتب عن شعراء أجيال تلته. أما شهادة بطريرك مجلة «شعر» يوسف الخال فيمكن وصفها بـ «وسام» خص به الرحبي وقد قال عنه في لفتة نادرة: «حداثة سيف الرحبي ليست حداثة انفعال. إنها انفجار الوعي والحساسية الجديدة في تعبيرهما عن شقاء الإنسان في غربته ومنفاه».

Saif Alrahbi

قراءة سيف الرحبي في أعماله المجموعة وفق تاريخ نشرها تختلف عن قراءة دواوينه مبعثرة. هنا يتبدى مشروعه واضحاً منذ البداية المتينة، والتي بدت موسومة بوعي شعري ومعرفة وذائقة تنحو نحواً شبه غنائي لتنفتح لاحقاً على خلاصات الشعرية الحداثية، العربية والغربية، بمفارقاتها وعلاماتها الرئيسة. واسع هو عالم سيف الرحبي، متعدد الطبقات، مختلف الهويات، لكنّ فرادته تكمن في انصهاره التام، حتى لتغيب الفوارق والتخوم التي هي من خصال هذا المشروع. قصائد تفصح أو لا تفصح عن أصولها أو مرجعياتها الغائبة، تخضع الأنواع والمدارس والتقنيات لصالح النص الشعري المكتوب بحرية هي منطلقه ومآله. إنه النص الواحد والمتعدد في آن، بين ذاتية شبه نرجسية، رثائية، غنائية، صحراوية أو رعوية مشبعة برطوبة الملح وزرقة البحر، ونزعة سوريالية، وأخرى حلمية، وأسطورية، ومشهدية، وبصرية، أو سردية تنهل من تفاصيل الحياة اليومية… اختبر الرحبي كل الأنواع الشعرية، كتب القصيدة الطويلة وقصيدة الشذرة والقصيدة اللقطة والقصيدة «الحرة» وقصيدة النثر، عطفاً على بعض النصوص المفتوحة على النثر اليومي أو التأملي أو أدب الرحلة. ولم يخل شعره من أصداء السيرة الذاتية التي هي سيرة الشاعر طفلاً وفتى تائهاً بين الرمال أو على منحدرات الجبال العمانية أو وسط الغابات وبرك الماء والكلأ. ولعلها أيضاً سيرة الشاعر الرحالة المتنقل بين المقاهي والأرصفة في مدن العالم.

يعود سيف الرحبي إلى قرائه كما لم يعهدوه يوماً، ملتماً على دواوينه كلها أو التي كتبها حتى الآن، ملتئماً بذكرياته وجروحه وأحلامه وصبواته التي صنعت مشروعه الشعري الفريد والمتفرد بنفسه.

 

عن “الحياة” البيروتية، 21 مايو – أيار 2018

 

عبده وازن، شاعر لبناني، المحرر الثقافي لصحيفة “الحياة” البيروتية.

[email protected]