قصائد للشاعرة الفنزويلية إيلي روسا ثامورا- ترجمة خالد الريسوني

سَلامٌ فاحِشٌ

 

بالنسبة لي، تمْضي حتَّى المدينة الحزينة،

بالنسبة لي، تمْضي نحو الألم الأبديِّ،

بالنسبة لي تمضي نحو الناس المحكومين بالموتِ.

دانتي أليغييري، جحيم، النشيد الثالث.

 

الحرب!

الحرب!

أين؟

أين؟

أنظفُ أسناني بالفرشاة وبمعجون أسنان مُبَيِّضٍ

أعتني كثيرا بأن تكونَ ابتسامتي دائما جدَّ

بيضاء.

هل أفعلُ ذلك بشكل جيِّدٍ؟

عندما تنفتحُ

الأنهارُ

يشتعلُ أنينٌ

ضجيجٌ سُلاليٌّ

يمتطي دماً

في اللانهايات

أحلامٌ

مِمَّا لم يتمَّ تَعلُّمُهُ

عندما تنفتحُ

الأنهارُ

ينجلي الإنسانُ

بِلِسانٍ جافٍّ

وفي الجسدِ أشواكٌ

تلهثُ نعيمٌ

حظٌّ من سذاجته

الضائعَة

توقَّفَ المطرُ

يا شمسَ النجوم!

في الحَظِّ المُتَوحِّشِ

لِحامٌ جوهريٌّ

قاتلٌ يقفزُ

على الأنهارِ الآنَ دونَما وِجْهَةٍ

هنالك تَمْضي مُحْمَرَّةً

قنواتُها أوردةٌ

مُتشامِخَة، أبطالٌ

ممتلئونَ بِالأكاذيبِ

أوقفوهم عن الغضب

ولْنَرَ ما إذا كانوا سيُغَيِّرونَ

أشْواكَهم

الضَّحْكةَ التي تُسَمِّمُ

العَذَابَ النَّاعِمَ المُمِيتَ

وهوَ يُرافقُ الأيامَ

في انتظارٍ

كل هذا يتَّسِعُ في دولابٍ وينْغَلِقُ غيرَ قابلٍ للاختراقِ لكيْ ينفجر في داخل مَوْشُورٍ ينْشُرُ ألواناً تزرَعُ بُذُوراً وتنمو فوقَ العُشْبِ أو في صحراء أيّ أحدٍ يعثُرُ على صَحراءَ في صَدْرِهِ أو فوقَ الوِسَادةِ أو في كيسِ بُرْتُقالِ السُّوقِ الذي يلتهمُ اشتِيَاقاتٍ مُعَولمةً في أريجِ فواكهِ العالم الكائنِ متداخلِ الأعراقِ مصقولٍ من قبل

رجلٍ هو الآن بلا ذراعٍ بلا جُوعٍ مُشَوَّه الخلقةِ ذاكرتُه تخلَّصتْ من الجسدِ ما بعد الجراح في مزيج من الأجسادِ الصفراء والحمراء والخضراء.

ما ألمَحُهُ في المَسْكَنِ

ماتَ الشيطانُ في الأدراجِ

انكسرتْ أيَّامُهُ

وأصابَهُ داءُ الغَدِ

لم يعرفْ كيف يحرر ذاتَهُ

من هذا الذَّيْلِ المَسْمُومِ

كان يحملُ دَماً في يديْهِ

مِثلَمَا أحملهُ أنا الآنَ

… مُسَيْطِرَةً على خطواتِ البَطَلِ

 

 

بلوَى في صدري تجْرحُ العقلَ

 

لا ينجو حتى الأطفال

ولا أجسادُ أمهاتهم

لكني أستمرُّ في الاستحمام

مع أكاذيب الصابون

بينما الأظافرُ تنزفُ

مِنَ الذَّيْلِ

ومع الباقي

نلعبُ الدُّومِينُو

للذي يرتعشُ

أوَّلا ويَصِلُ إلى حيثُ يوجدُ الآخرُ.

لآخَرَ يُطَوِّقُ طُرُقاً

لم تكُنْ قطُّ موْجُودَةً.

للذي كانَ يَرْوِي حكاياتٍ

للأطفالِ في حَدِيقةٍ مُغْلقَة.

لآخَرَ كانَ يُمارِسُ لُعْبَةَ المَوْتِ

بِدُمْيَةٍ مُسْتَعَارةٍ.

لِلَّذِي أبعدَ مِنْ ذلكَ

كانَ يَبْكي طِوَالَ اليَوْمِ.

لآخرَ أبعدَ مِنْ ذلكَ بعْدُ ما يزالُ

لا يَعْرِفُ ماذا يَفعَلُ.

للذي كانَ يَحْلُمُ بِمَليحٍ

وآخرَ أيضاً.

لِشَخْصٍ ما صَرَخَ وآخرين

لم يسْمَعُوا

للَّذِي أطلقَ النَّارَ

وقتلَ كُلَّ الآخَرين.

لا تجرؤ الخديعَة لا تطِلُّ مِنَ النُّوستالجيا

مع غضَبِ المسَاءِ قدْ تحوَّلَ إلى ضِلْعٍ

وَحْشٍ هَارِبٍ يُهَاجِمُ بِالشَّوْكِ

قافزا على العقيدةِ الصَّديقَةِ

التي تَغْزُو صَبَاحَ ضَوْئِي المَحبوسِ

في النَّظْرَةِ المُرْتَشيَةِ للصُّورَةِ.

ليس هذيان الفجر الذي يُبْدِي رحيلَهُ

شبَكةَ فراشاتٍ مُتَخفية

يَكِمُّهَا الحِذَاءُ المَريرُ

أثر آلافٍ مؤلَّفَةٍ مِنْ أرفعِ المَرَاتبِ

التي تمتْ تسمِيَتُها في الصَّباح الذي يَضِيعُ.

أنا الفحشُ الذي يكشفُ لي

عن أهواءه الخرساء وتنتظرُ السوناتا

أن تنزف اللوعاتُ الشديدة لهذا العمى اللئيم

لمَّا يرتجف الليل في قماشِهِ المُعتِم

لِعُيونِ السَّماء التي أسنِدُهَا وحدي

مُسْتَسلِمةً ووديعةً في انتظارِ الفجْرِ

الذي في السَّاعةِ المُتَوَحِّشَةِ لأوردتِه يبكي

النُّورُ اللانِهائيُّ لحُبٍّ سهران

طوبى لمَنْ في الخَرَابِ يحسُّ

عطر الماء في أنفاسِهِ

وبلا يأس يبتسمُ مُدْرِكاً

وإذنْ فالوقتُ عندما ينْكَشِفُ ذابلا

في الانتظار السَّافِلِ العَنيفِ

يُزَيِّنُ المَوْتَ في عذاباتِهِ

I

الخيط

عباءة

آتٍ

معلقٌ

دوَّارٌ

ثا

بـِ

تٌ

يجْعَـلُـ

نـَا

نتلاشى

II

حشا من الألومنيوم

كان

يلفُّ

كائناً

ما

من

هواءٍ

صوتٌ

أنينٌ

ضوءٌ

غير قابلٍ للتفسيرِ

III

فكَّ

الرِّبَاط

أبْعِدْهُ

للمنفى

افتَضَّ

الرِّيحِ

في

الداخل

جسدي

ملموسٌ

يستسلمُ

لا مُتناهٍ غير قابلٍ للانتهاءِ بشكلٍ لا متناهٍ

لامُكتملٌ مُجَلَّدٌ مُقَنَّعٌ مهموسٌ

مُسْتلَذٌّ لامُشتبَهٌ بِهِ مُشتبهٌ بِهِ مقدَّرٌ

مهزومٌ مُندمِجٌ سَجينٌ دفينٌ

راسٍ مُشتهَى محلومٌ بهِ منظَّمٌ

مُنقذٌ مَهْجُورٌ

مُمْتَعَضٌ مُسْتَمْنٍ

تافهٌ منسيٌّ

غيرُ مفهومٍ

مُشْبَعٌ

مُدمَّرٌ

السَّلامُ

 

مِزَقٌ من جريدة

 

 

أنا هُنا. في هذه الغرفة، بلا مَشاهدَ

يد تقتحمُ لأجل سرقة أحشائِي

في القطار، امرأةٌ تصفعُ طفلاً

ثمَّةَ حِبَالٌ تَلِجُ من النَّافذةِ لتخنُقني

هي ليستْ شجيراتٍ

لمَسَ بطني المُنَسَّلَةِ في العسلِ الأسودِ

ينسكبُ الدم من جانب عيني

اللامفهومُ يتحوَّلُ إلى ابتسامةٍ

تناديني

لمْ أعدْ ما لا أستطيعُ أنْ أتخلص منه مع مرورِ الوقتِ

أغلقت الأبواب لرعاية بستانِي

بصق ثعبان طويل خرجَ من فمي

بقيتْ أمِّي في الحلم وهي ترَوِّحُ عنْ وردةٍ

ميِّتَةٍ

مثل فواكه بالألوان

أستمع إلى الصَّمْتِ لمَّا يمضغُ فمي أحْزانَ

الضَّجَرِ

راقصة بلا ساقين تصْعَدُ خشبة المسرح

العملاق التائهُ من إيرلندا يمنحها أعضاءهُ الاصطناعية

أحيانا لا أتذكر كيف وصلت إلى هذا المكان

ملك ذو رأسين يحمل صلبانا في الأعالي

فلنخرج الوحوش من الفم المتقرِّحَة!

عفاريتُ اللغة هذه ليست أبدية

ليسَ عليَّ أنْ أحْمِيَ أكثرَ

هذا الخُمارُ النَّاعِسُ

في زنابِقِي المُزْريَة

فزاعة في حديقتي

أقفزوا!

جسدي يتَلَوَّى مثل ثعبانٍ

نحو الأمام ونحو الخلف

بدون توقفٍ

الشجيراتُ تنمُو لي على جوانبي

من الأنف، من الفم، من الجبين

أنا طبيعةٌ بكاملها

خشِنَةٌ

شاسعة

أمامَ هذا البحر،

تحتَ الرعود

بأصابعي في الأعالي

أقوم بإشارةِ السلام

على الجدران

الحناجرُ المتخثرة

توقف الصُّراخَ

دبابة الحرب

خلفي

تريدُ أن تسحقنِي

عينان مُتعرجتان

تنظرانِ

إلى نقطة التقاء

الألِفُ؟

أو الموت؟

جسدٌ دافئ مضرَّجٌ بالدِّماءِ

يغادرُ

صدى ذاكرة الحب

مُتَصَدِّعَةٌ في الظلام

يدٌ

تعبرني

في الهواءِ نَفَسٌ

وفي العُنُقِ مفاجأةٌ

الأبعاد لا تُوجَدُ

تمَّحِي صامتة

مُسلَّحَةً من فَرْطِ النَّارِ

الحب واللاطمأنينة

عذرية الأمل

بينما أتألَّمُ

مِنَ الخوف

تفاحَةٌ مَقضُومَةٌ

هيَ تحيَّةٌ

قبل فتح الفَمِ

هَدْرُ الكلماتِ

رقصةِ الموتِ

هيَ النقطة

حيثُ أوجَدُ

مع الآخر

بالادٌ للاستمرار

في الرَّقصِ مع النسور

تحت وسادتي

جَنْبَ تلك الصورة الفوتوغرافية

الذي تركتها لنا الذاكرة

كدليلٍ

لا محيدَ عنهُ

عَنْ عَطالتِهَا

الجليلةِ

أحيانا أتذكرُ أيضاً

شذا المسافةِ

صورةَ سَاقيْك

وشَعْري

لكن في الأسفل الجنود

بالأبيض والأسود

البسكويت على الطاولة

ودمية متحرِّكةٌ

أفقد دوري

في الأدراج التي أغلقتُها

أنظرُ إلى الزهور

متذكرة المسيرة

الحلم الذي يجب أن أرسمه

في أماكنِ العودةِ

حيث تنغلق خفقةٌ

تتنفَّسُ

الضوءُ والدَّمُ والورقةُ

في مناهلِ الحُلْمِ

الهوى المُلِحُّ

على الجانبين

لمَّا تتجَمَّدُ

أوتارُ العَضَلاتِ

أحياناً تكونُ الأوراقُ

تحتَ قدمَيَّ هِيَ التي تبْكِي

أحياناً يُشَلُّ

الدوارُ

في الجَانبِ الآخرِ مِنَ الأفق

حيثُ الغرفة

هيَ العالم

والطائراتُ هيَ السَّماءُ

حيثُ اللُّغَةُ تعْرِفُ كُلَّ شيْءٍ

عنِّي

وأنا لا أعرفُ شيْئاً عنها

حيث المياهُ تتبادلُ القُبَلَ

وتُعيدُ لنا

هذا الرِّيشَ من الخُدَعِ

التافِهَة

فسادَ الضوءِ هذا

هذا النِّسيان

ها أنا لكنِّي لست موجوداً

أوجدُ لكنِّي لست أنا

جدَليَّةُ فِعْلٍ

يكبُرُ

ويضيع بين الخيوطِ

تفاحة محمومةٌ

قمَّة الجبل الجليديِّ العائمِ

بقاء الجنين قيد الحياة

تكشيرة فردوس

أبَّدَ الخزيَ

ثمَّةَ كلماتٌ

ثمَّة توقفاتٌ

وثمَّةَ أكاذيبُ

لا ندري

الدُّبُّ فيتامينٌ

مِنَ المَطَّاطِ المُلوَّنِ

الذي ينغلق

على احتمال

أنفاسي ماءٌ

أمامَ فمِ الذِّئبِ

والطَّريقُ تركَ خلفهُ

القروح اليابسة

الضوضاء التي تهدد

بأخذِنَا

لا تُسقِطُ النباتات

ونظرةُ الكندور

دغدغةُ المنفى

في الصَّباحِ البيضُ والقهوةُ

الحياة تتناثر

يُسمعُ صدى ألم

يشقُّ النهر، ويعود إليَّ

منيعٌ

سلاح الطائر، أنا أستخدمُ

أحجارك المتساقطة

هكذا تطير عاريا

وأنا أنسى

 

 

إيلي روسا ثامورا Ely Rosa Zamora شاعرة من فنزويلا، تعيش في نيويورك منذ 1998، خريجة المدرسة الوطنية للفنون المشهدية بكاراكاس، حاصلة على ماستر في الكتابة الإبداعية من جامعة نيويورك، تدرسُ حاليا في شعبة الدراسات الهسبانية بجامعة روتجرز، من أعمالها: “جلاء القِمْع” 2015، “شيء غير محدد” 2015، “بدون لسان واستحالاتٌ درامية أخرى” 2013، “نفاياتٌ منسية” 2009، “سلامٌ بذيءٌ” 2008، “بذرة” 2009… أدرجت قصائدها في العديد من الأنطولوجيات، وشاركت في العديد من المهرجانات الشعرية الدولية في إنجلترا وإيطاليا والأرجنتين والإكوادور وفنزويلا والبيرو والسلفادور وبورتوريكو والولايات المتحدة.

 

خالد الريسوني، شاعر ومترجم مغربي، (الدار البيضاء، 1965) حصل على الإجازة في الأدب العربي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان سنة 1988، اشتغل سابقا أستاذا للغة العربية وثقافتها بالمعهد الإسباني سيفيرو أوشوا بطنجة. شارك سنة 1985 في المهرجان العالمي للشباب والطلبة بموسكو، كما ساهم في مهرجان الشعر المغربي بشفشاون خلال عدة دورات. التحق باتحاد كتاب المغرب سنة 1986. يتوزع إنتاجه بين الكتابة الشعرية والدراسة الأدبية والترجمة. نشر كتاباته بعدة صحف ومجلات ومغربية وعربية وإسبانية مثل: المحرر، العلم، البيان، القدس العربي، كيكا، شؤون أدبية، دبي الثقافية، العربي الجديد، الثقافة الجديدة، نوافذ، البيان، نزوى، الدوحة، مشارف مقدسية …إلخ.

يعد الاشتغال على الترجمة رهانا أساسيا في مشروع خالد الريسوني، إذ من خلاله يعبر عن رغبة في تشييد جسور التواصل بين ضفاف المتوسط، وقد أنجز عددا مهماً من الترجمات الشعرية لشعراء إسبان وشعراء من أمريكا اللاتينية إلى لغة الضاد. وممّا صدر له في هذا الصدد:ـ

– الرسو على ضفة الخليج (بالاشتراك): أنطولوجية للشعر المغربي والإسباني، الجزيرة الخضراء، 2000

– عن الملائكة/ رفائيل ألبيرتي ، منشورات وزارة الثقافة 2005

– يومية متواطئة / لويس غارثيا مونطيرو، منشورات وزارة الثقافة 2005

– تلفظ مجهول ويليه: ابتداع اللغز، خورخي أوروتيا، عن منشورات(ليتوغراف) بطنجة 2007

– لالوثانا الأندلسية، رواية للروائي الإسباني فرانسيسكو ديليكادو، عن منشورات(ليتوغراف) بطنجة

– اليوم ضباب، خوسيه رامون ريبول، عن منشورات (ليتوغراف) بطنجة

– زوايا اختلاف المنظر يليه: كتاب الطير والسكون المنفلت، كلارا خانيس، عن منشورات (ليتوغراف) بطنجة.

– الأعمال الشعرية المختارة، لفيديريكو غارسيا لوركا، عن منشورات(ليتوغراف) بطنجة 2010

– الكتاب خلف الكثيب، لأندريس سانشيث روباينا، عن منشورات(ليتوغراف) بطنجة 2010

– مائة قصيدة وشاعر، خوسيه مانويل كاباييرو بونالد، (منشورات سليكي أخوين) 2012

– وصف الأكذوبة يليه: يشتعل الخسران، أنطونيو غامونيدا، منشورات بيت الشعر في المغرب، 2012.

آخر ما أنجزه الريسوني العمل الشعري الموسوم بـ: خلوات وأروقة وقصائد أخرى يليه: حقول قشتالة، للشاعر الإسباني المرموق: أنطونيو ماشادو، و “بإيجاز” للشاعر الإسباني ليوبولدو دي لويس، ويستحق العناء للشاعر الأرجنتيني: خوان خيلمان، وكسيريات، يليه: ملاك الظلمة وأسرار الغاب للشاعرة الإسبانية كلارا خانيس.

[email protected]