قصيدتان للشاعر العراقي هاتف جنابي

Hatif na tle Oceanu August 2014
هاتف جنابي Hatif Janabi

غَيْمَة

 

جِئْنا مِنْ جُنْحِ غيمةٍ
كانتْ ظلالُ الغروبِ ترسُمُها صَحَنًا طائِرًا
يهبُطُ عندَ قِمّةِ الجَبَلِ
مَنْ يَرَاها كَمَا نحنُ عَنْ بُعْدٍ يَظُنَّها
عِمَامةً سوداءَ
مَنْ ينظُرُ إلَيْها مِنَ الأسفلِ
يَرَاها سَرَاويلَ مُعَلَّقَةً في الفَضاء
ثَمَّةَ مَنْ يَرَاهَا مَلائكةً تَحُوُمُ فوقَ حَانَةٍ
يُغادِرُهَا رُوّادُها على مَهْل،
مُرْتَبِكي الخُطى،
غائِمِي النَّظَرات

حَالُنُا لَيْسَ
أفْضَلَ منها طالَما أنَّها تَتَشَتَّتُ
ليسَ أحْسَنَ مِمّنْ بمظلَّةِ الإله يَهْبُطُ
حامِلًا ماضِيه،
فانوسُهُ مُنْطَفِيءٌ،
مُتَعثِّرًا بالريحِ،
مُشْتَبِكًا بِأَقْرَبِ مِدْخَنَةٍ
ليْسَ أفْضَلَ مِنْ عَجُوزٍ
مُتّكِئًا على عَصَا
يَمْخَرُها الضَّبابُ
تَلْكُزُها عاصِفةْ

أهكذا هوَ العُمْرُ
فَجْأةً يَشُقُّهُ البَرْقُ نِصْفَيْن
فَيَتْرُكُ جِذعَهُ مُعَفّرًا بدُخَّانِ الأضَاحي،
ورُوحَهُ عالقةً بأوْهامِ الزَّفَرَات.

جِئنا من غيْمَةٍ
مِثْلَما يَنبثقُ المرءُ بعدَ مُنْتَصَفِ الليْل
مِنْ رَحْمِ امرَأة مُبْهَمَةْ
أوْ مِنْ حَانةٍ نائِية
سَقْفُها جَبَلٌ
قاعُها مِنْفَضَةٌ للقًادِمين،
يَنْسَلُّ من قاعِ شُرُوقٍ خَفِي.

نَزَلْنَا مِنْ غَيْمَةٍ
عَلِقَتْ أرْوَاحُنا بكُعُوب الجِبَال
وارْتَطَمَتْ أجْسَادُنَا بِسَحيقِ الْبَراري
ولَوْلا غُبَارُ الْحَياة
لَمَّا كنّا مِنْ دَيْدَنِ المَجَرَّاتِ الشَّقِي..

 

وارسو، 14 تشرين الأول/أكتوبر 2014

 

 

لُزُوجَة

 

كنتُ خارجًا مِنْ مَحْفَلٍ
لا أدري لِمَ الماءُ صارَ شَحيحا
والسماءُ ساخنةْ
لا أدري لِمَ الرياحُ استنفرتْ آلهةَ الزرع والحصدِ
لِمَ النساءُ هكذا يتشابهنَ مِثْلَ عُمْلةٍ
لِمَ الكلماتُ أُسْقِطَتْ عنها النقاطُ والفواصل
لِمَ الحاضرونَ ببطونٍ مقلوبة يتحدَّثُون
كانت الأوداجُ مُنْتَفِخَةً
والعيونُ جاحِظةْ
حتَّى الشعراءُ منهم لَمْ يُفَرِّقُوا بين شاعرٍ وناثرٍ
لأَنَّ الجميعَ يقولونَ الشعرَ دونَ ألسنة،
يكتبون على الطين، في الدُّخانِ، وفوقَ الماء
دونَ حروفٍ، بلا لونٍ ولا رائحةْ
لأنَّ الكلَّ يفعَلُ الشيءَ ذاتَهُ
النُّكْتَةَ نفسَها والمرايا ذاتَها
العيونُ ترى الأشياءَ مُقَعّرَةً أو دائرةْ
لا أدري هَلِ الإلهُ وأنبياؤُهُ جاحِظُو الْعُيون
هَلِ الكونُ قِدْرٌ هائلٌ يتدحْرَجُ الكلُّ داخِلَه
هَلِ السماءُ مُحْدَوْدِبَة؟
يجيءُ الصَّدى مثلَ طَبْلٍ فارغ
كنتُ خارجًا من مَحْفَلٍ للضّفادع
كان الوداعُ عائمًا مُجلجلا
لم يبقَ منهُ ذكرى،
حيثُ الطَّرَشُ الْمُطْبِقُ
لأنَّ المعاني أضْحَتْ لَزِجَةْ
لأنَّ الرُّؤْيَةَ المُثلى
عليها انزلقَ النَّقيقُ.

برمنغهام 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2014

من ديوان “وليمة الأسماك” الذي سيصدر قريبا.

[email protected]