“مَرثِيَّةٌ الى والدي” قصيدة للشاعر الكندي مارك ستراند ترجمة أنس مصطفى

Mark Strand

(1)

الجَسَدُ الخَاوِي

 

الكفَّانِ كانَتَا لَكْ، الذِّراعانِ لكْ،

لكنَّكَ لم تَكُنْ هُنَاكْ.

العَينَانِ كانَتَا لَكْ. العينانِ مُغلَقَتانِ ولنْ تنفَتِحا.

الشّمسُ البعيدةُ كانتْ هُنَاكْ.

القَمَرُ المتَّزنُ على الذِّراعِ البَيضَاءِ للتلَّةِ كانَ هُناكْ.

الرِّيحُ في جَفَنَاتِ بدفورد كانتْ هُنَاكْ.

ضوءُ الشِّتَاءِ الأخضَرِ الشَّاحِبِ كَانَ هُنَاكْ.

فمكَ كانَ هُنَاكْ،

لكنَّكَ لم تكنْ هُنَاكْ.

عندما تحدَّثَ شخصٌ ما، لمْ تكنْ ثمَّةَ إجابةْ.

نزلَ سَحَابٌ ودفنَ المباني على امتدادِ المياهِ، والمياهُ صامتةْ.

حدَّقتِ النَّوارسْ.

السِّنينُ والسَّاعاتُ التي لنْ تعثرَ عليكَ

تحوَّلتْ في مَعَاصِمِ الآخرينْ.

لمْ يكنْ هناكَ مِنْ أَلَمْ. لَقَد انقضى.

لم تكنْ هناكَ مِنْ أسرارْ. ما كان شيءٌ ليُقَالْ.

الطيفُ نَثَرَ رَمَادَهْ.

الجسدُ كانَ لَكْ، لكنَّكَ لمْ تكُنْ هُنَاكْ.

الهواءُ ارتعشَ على بشرتهْ.

العتمةُ انحنتْ على عينيهِ.

لكنَّكَ لمْ تكنْ هُنَاكْ.

 

(2)

إجابات

لمَ سَافَرْت؟

لأنَّ البيتَ كانَ بارداً.

لمَ سَافَرْت؟

لأنَّ هذا ما كنتُ أقومُ بهِ دائماً بينَ

غُرُوبِ الشَّمسِ وشروقها.

ماذا ارتديتْ؟

ارتديتُ بَدلةً زرقاءَ، قميصاً أبيضَ، ربطةَ عنقٍ صفراءَ وجواربَ صفراءْ.

ماذا ارتديتْ؟

لمْ ارتدِ شيئاً، وِشَاحٌ مِنْ الألمِ أبقَانِي دَافِئَاً.

معَ مَنْ نِمتْ؟

نِمتُ معَ امرأةٍ مختلفةٍ كلَّ ليلةْ.

معَ مَنْ نِمتْ؟

نمتُ وحدي. دائماً ما كنتُ أنامُ وحدي.

لمَ كذبتَ عليَّ؟

لأنَّ الحقيقةَ تكذبُ مثلَ لا شيءَ آخرْ، وأنا أُحبُّ الحقيقةْ.

لمَ أنتَ ذاهبْ؟

لأنَّهُ ما عادَ شيءٌ يعنيني كثيراً.

لمَ أنتَ ذاهبْ؟

لستُ أدري. أبداً ما كنتُ أعرفْ.

كَمْ مِنْ الوقتِ عليَّ أنْ أنتظركْ؟

لا تنتظرني. أنا مُتعَبٌ وأودُّ أنْ أستريحْ.

هل أنتَ متعبٌ وهل تودُّ أنْ تستريحْ؟

لا تنتظرني. أنا متعبٌ وأودُّ أنْ أستريحْ.

 

(3)

موتك

لا شيءَ وَسِعهُ إيقافكْ.

ليسَ اليومُ الأفضلْ. ليسَ الهَادِئْ. ولا هَدهَدَةُ المحيطْ.

ذهبتَ معَ موتِكْ.

ليسَت الأشجارُ التي مشيتَ تحتها.

ليسَت الأشجارُ التي ظلَّلتكْ.

ليسَ الطبيبُ

الذي حذَّركْ، الطبيبُ الصَّغيرُ بشعرهِ الأبيضِ الذي

أنقذَكَ مرَّةً.

ذهبتَ مع موتِكْ.

لا شيءَ وسِعَهُ إيقافكْ. ليسَ ابنكْ. ليستْ ابنتكَ التي

أطعمتكَ وجعلت منكَ طفلاً مِنْ جديدْ.

ليسَ ابنكَ الذي ظنَّ أنكَ سوفَ تحيا إلى الأبدْ.

ليست الرِّياحُ التي حرَّكت طيَّةَ صدرِ سُترتكْ.

ليسَ السُّكونُ الذي عرضَ نفسهُ لحركتكْ.

ليسَتْ أحذيتكَ التي غدتْ أثقَلْ.

ليسَتْ عيناكَ اللَّتانِ رفضتا النَّظرَ إلى المستقبلْ.

لا شيءَ وسِعَهُ إيقافكْ.

جلستَ في غرفتكَ وحدَّقتَ في المدينةْ

ومضيتَ مع موتِكْ.

ذهبتَ للعملِ وتركتَ البردَ يتسللُّ إلى ملابسكْ.

تركتَ الدمَ ينزُّ في جواربِكْ.

وجهكَ أضحى أبيضْ.

صوتكَ أصبحَ مشروخاً.

اتَّكأتَ على عَصَاكْ.

لكن لا شيءَ وسعهُ إيقافكْ.

ليسَ أصدقاؤكَ الذينَ نصحوكْ.

ليسَ ابنكْ. ليست ابنتكَ التي شاهدتكَ تصغُرْ.

ليسَ التَّعبُ الذي عاشَ في تنهُّداتِكْ.

ليست رئتاكَ اللتانِ ستمتلئانِ بالمياهْ.

ليسَ ردناكَ اللذانِ تحمَّلا ألمَ ذراعيكْ.

لا شيءَ وسعهُ إيقافكْ.

ذهبتَ معَ موتِكْ.

عندما لعبتَ مع الأطفالِ ذهبتَ معَ موتِكْ.

عندما جلستَ للأكلْ.

عندما صحوتَ في الَّليلِ، مُبلَّلاً بالدِّموعِ، وجسدكَ ينشُجْ،

ذهبتَ معَ موتِكْ.

لا شيءَ وَسِعَهُ إيقافكْ.

ليسَ الماضي.

ليسَ المستقبلُ بطقسهِ الجميلْ.

ليسَ المشهدُ عبرَ نافذتكْ؛ مشهدُ المقبرةْ.

ليسَتْ المدينةْ. ليسَتْ المدينةُ المروِّعةُ بأبنيتها الخشبيَّة.

ليسَ خُسراناً. ليسَ نجاحاً.

لم تفعلْ شيئاً سوي المضيِّ مع موتكْ.

وضعتَ ساعتكَ على أُذنكْ.

شعرتَ بأنَّكَ تنزلقْ.

استلقيتَ على سريركْ.

عقدتَ ذراعيكَ على صدركِ وحلُمتَ بالعالمِ دونكْ.

بالمساحةِ تحتَ الأشجارْ،

بالمساحةِ في غرفتكْ،

بالمساحاتِ التي ستغدو الآنَ خاليةً منكْ.

وذهبتَ مع موتكْ.

لا شيءَ وسِعَهُ إيقافكْ.

ليسَتْ أنفاسُكْ. ليسَت حياتكْ.

ليسَتْ الحياةُ التي رغبتَ فيها.

ليسَتْ الحياةُ التي حصلتَ عليها.

لا شيءَ وسِعَهُ إيقافكْ.

 

(4)

ظلُّك

 

لديكَ ظلُّكْ.

أعادتهُ لكَ الأماكنُ التي كنتَ فيها.

الممرَّاتُ والمروجُ العاريةُ بالميتمِ أعادوهُ لكْ.

منزلُ بائِعِي الصُّحفِ أعادَهْ.

شوارعُ نيويورك أعادتهْ، شوارعُ مونتريالْ.

الغرفُ في بيليم حيثُ السَّحَالي تصطادُ البَعُوضَ أعادتهْ.

الشَّوارعُ المعتمةُ لمانوسْ، والشَّوارعُ المبلَّلةُ لريو أعادتهْ.

مكسيكو سيتي حيثُ أردتَ أنْ تتركهُ هناكَ أعادتهْ.

وهاليفاكس حيثُ أرادَ الميناءُ غسلَ يديهِ منكَ أعادتهْ.

كانَ لديكَ ظلُّكْ.

عندما رحلتْ، الاستيقاظُ الأبيضُ لذهابكَ أرسلَ ظلَّكَ،

لكِنْ عندما وصلتَ كانَ هناكَ لتحيِّتِكْ.

كانَ لديكَ ظلُّكْ.

المداخلُ التي مررتَ بها رَفَعَتْ ظلَّكَ عنكَ وعندما خرجتَ

أعادتهُ لكْ. كانَ لديكَ ظلُّكْ.

حتى عندما نسيتهُ، عثرتَ عليهِ مرَّةً أخرى؛ قَدْ كانَ معكْ.

مرَّةَ في الرِّيفْ، ظلُّ شجرةٍ غطَّى ظلَّكْ

فأصبحتَ مخفيَّاً.

مرَّةَ في الرِّيفِ ظننتَ أنَّ ظلَّكَ ألقاهُ شخصٌ آخرْ. لم يَقُلْ الظلُّ شيئاً.

ملابسكَ حملتْ ظلَّكَ داخلها؛ عندما خلعتها، انتشرَ مثلَ عتمةِ ماضيكْ.

وكلماتكَ التي طفتْ مِثل وَرَقٍ في هواءٍ مفقودٍ، في مكانٍ لا يعرفهُ أحدْ،

أعادت إليكَ ظلَّكْ.

أصدقاؤكَ أعادوا إليكَ ظلَّكْ.

أعداؤكَ أعادوا إليكَ ظلَّكْ. قالوا أنَّهُ كانَ ثقيلاً

ويغطِّي قبركْ.

عندما متُّ نامَ ظلُّكَ في فمِ الفُرنِ وأكلَ الرَّمادَ بدلاً عنْ الخُبزْ.

ابتهجَ وسطِ الحُطَامْ.

شاهدَ بينما الآخرينَ ناموا.

لمعُ مثلَ بلُّورٍ وسطَ القبورْ.

جمَّعَ نفسهُ مثلَ هواءْ.

أرادَ أنْ يكونَ مثل جليدٍ في مياهْ.

أرادَ أنْ يكونَ لا شيءْ، لكنَّ ذلكَ لم يكنْ ممكناً.

جاءَ إلى منزلي.

جلسَ على ذراعيّ.

ظلُّكَ لكَ أنتْ، قلتُ لهُ ذلكْ. قلتُ لهُ أنَّهُ لكْ.

حمل

 

(5)

حِدَاد

 

إنهم يُحِدُّونَ عليكْ.

عندما تنهضُ في منتصفِ الليلِ،

والطلُّ يلتمعُ على خدَّيكَ،

يُحِدُّونَ عليكْ.

يعيدونكَ إلى المنزلِ الخالي،

يحملونَ المقاعدَ والطَّاولاتِ إلى الدَّاخلْ،

يُجلِسونكَ ويعلِّمونكَ أنْ تتنفَّسْ.

وأنفاسكَ تحترقْ.

تُحرِقُ الصندوقَ الصنوبرِيَّ والرَّمادُ يسقطُ مثلَ شعاعِ شمسْ.

يعطونكَ كتاباً ويطلبونَ منكَ قراءتهْ.

يستمعونَ وأعينهم تمتلئُ دموعاً.

المرأةُ تضربُ أصابعكْ.

يمشطونَ الأصفرَ ثانيةً على شعركْ.

يكشطونَ الصَّقيعَ عنْ لحيتكْ.

 يدلِّكونَ فخذيكْ.

يُلبسونكَ ثِيَاباً جميلةْ.

يدلِّكونَ يديكَ لتبقيا دافئتينْ.

يُطعمونكْ. يعرضونَ عليكَ مالاً.

يركعونَ، ويتوسَّلونَ إليك أنْ لا تموتْ.

عندما تنهضُ في منتصفِ الليلِ ينتحبونَ عليكْ.

يغمضونَ أعينهم ويهمسونَ باسمكَ مرَّةً إثرَ أخرى.

لكِنْ لا يستطيعونَ سحبَ الضَّوءِ المحترقِ مِنْ أوردتكْ.

لا يستطيعونَ الوصولَ إلى أحلامكْ.

أيهُّا الرَّجلُ العجوزُ لا مَنَاصْ.

انهض وواصل النُّهوضْ، هذا لا يقدِّم شيئاً جيِّداً.

يُحِدُّونَ عليكْ بقدرِ ما يستطيعونْ.

 

(6)

السَّنةُ الجديدة

انّهُ الشِّتاءُ والسَّنَةُ الجديدةْ.

لا أحدَ يعرفكْ.

بعيداً عَنْ النُّجُومِ، عَنْ مَطَرِ الضَّوءْ.

ترقدُ تحتَ طقسِ الصُّخورْ.

لا خيطَ لكي يعيدكَ مرَّةً أخرى.

أصدقاؤكَ ينعسونَ في عَتمَةِ المتعةِ

ولا يستطيعونَ التذكُّرْ.

لا أحدَ يعرفكْ. أنتَ جارُ لا شيءْ.

لا ترى المطرَ يهطِلُ والرَّجُلُ يمشي بعيداً.

الرِّياحُ المتَّسخةُ تهبُّ برمادِها عبرَ المدينةْ.

لا تبصرُ الشَّمسَ تجرُّ القمرَ مثلَ صدىْ.

لا تبصرُ القلبَ المكلومَ يعلو مشتعلاً.

جماجمُ البريءِ تستحيلُ إلى دخانْ.

لا تبصرُ ندوبَ الكثيرْ، الأعينَ دونَ ضوءْ.

لقدْ انتهى الأمرْ. إنَّه الشِّتاءُ والسنةُ الجديدةْ.

الودعاءُ يسحبونَ جُلودَهم نحوَ النَّعيمْ.

اليائسونَ يقاسونَ البردَ معَ الذينَ بلا شيءٍ ليخفونهْ.

لقدْ انتهى الأمرُ وما منْ واحدٍ يعرفكْ.

هناكَ ضوءُ نجومٍ ينجرفُ على المياهِ السَّوداءْ.

هناكَ صخورٌ في البحرِ لم يرها أحدْ.

هناكَ شاطِئٌ وأُناسٌ ينتظرونْ.

ولا شيءَ يعودْ،

لأنَّ الأمرَ قَدْ انتهىْ.

لأنّ هناكَ صمتٌ بدلاً عن اسمْ.

لأنَّهُ الشتاءُ والسَّنَةُ الجديدةْ.

 

أنس مصطفى

شَاعرٌ ومترجِم سوداني، مُقيم بكندا. أصدرَ أربعة كتبٍ شعرية؛ نِثَارٌ حولَ أبيضْ (2006)، سُهدُ الرُّعاة (2011)، وصباحاتٌ قرويَّة (2015)، تقريباً غير مرئي، ترجمة لكتاب مارك ستراند (2015).

[email protected]

 

مارك ستراند

مارك ستراند (1934-2014)، المنذورُ للفَقدِ، أو المسحورُ بالغيابِ كما وصفهُ أوكتافيو باث. ولدَ بسمرسايد في كندا، عاشَ هناكَ قِسطاً يسيراً من حياتهْ، نشأَ متنقلاً بين العديدِ من مدنِ الولايات المتحدة، كولومبيا، بيرو والمكسيك. هوَ المتوّجُ بالعديدِ من الجوائزِ الشِّعريَّةِ والمنحِ الهامَّةْ، فهوُ الحائزُ على الميداليةِ الذهبيةِ للشِّعرِ من الأكاديميةِ الأميريكيَّةِ للفنونِ والكتابة 2009، كما حازَ على جائزةِ ستييفنس والاس 2004. تمَّ تسميةُ ستراند شاعرَ الولايات المتحدة (المستشارُ الشِّعري لمكتبةِ الكونغرس) في العام 1990، وحازَ أيضاً على جائزةِ بوليتزر في العام 1999 عن كتابهِ “عاصفةٌ ثلجيةٌ فريدة”، جائزة بولينجن 1993، جائزة بوبيت الشعرية 1992، زمالة ماك آرثر 1987، زمالة الأكاديمية الأميريكية للشعراء 1979، جائزة إدغار الآن بو عن الأكاديميةِ الأميريكيةِ للشعراء عن كتابهِ “قِصَّةُ حَيَوَاتنا” 1974، زمالة غيغينهيم 1974، جائزة مؤسسة روكيفيلر 1968، جائزة مؤسسة إنغرام ميريل 1966، وزمالة فلبرايت 1960-1961.

       لمارك ستراند العديد من المجموعاتِ الشعرية منها: المجموعة الشعريَّة 2014، تقريباً غيرُ مرئي 2012، قصائدُ مُنتقاة جديدة 2007، رجلٌ وجمل 2006، دجاجةٌ، ظلٌ، قمرٌ وأكثر 1999، المرفأُ المظلم 1993، حياةٌ مُستمرَّة 1990، قصائِدُ جديدة 1990، قصائِدُ مُنتقاة 1980، الساعةُ المتأخِّرة 1976، قصَّةُ حَيَوَاتِنا 1973، أشدُّ عتمةً 1970، أسبابٌ للمُغَادَرَة 1968، والنَّومُ بعينٍ واحدةٍ مفتوحة 1964. له كتبٌ نثريةٌ أيضاً منها النَّصبُ التذكاريّ 1978، وكوكبُ الأشياءِ المفقودة 1982. كما أنَّ له كتبٌ للأطفالِ تشملُ كتابَ الَّليل 1985، رمبراندنت يتمشَّى 1986، والسَّيدَ والسَّيدة بيبي 1985. أصدرَ ستراند قِصَصَاً قصيرة، كتبَ نقداً حولَ الفنِّ التشكيلي، كما شاركَ في العديدِ من الدوريَّات وعمل محرراً للعديد من كتبِ الأنثولوجي. توفي ستراند في العام 2014